إبراهيم حمودة – ناقد وصحفي
غرقت الأسبوع الماضي ثلاثة زوارق صغيرة تقل العشرات من المهاجرين “غير الشرعيين” بينهم سودانيون، تم العثور على جثث بعضهم ومواراتها الثرى في مقبرة مخصصة لضحايا الغرق في مدينة طبرق الليبية.
قبلها رأينا دراما عبور خمسين ألفاً من المغرب إلى جيب سبتة الإسباني على الأراضي المغربية. وقتها تحدثت الصحافة عن ظاهرة تفضح البلدان التي تنعدم فيها فرص العدالة والخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، وتنعدم فيها معايير النزاهة والحريات العامة مع انتشار الفساد، الأمر الذي يدعو بشكل حتمي إلى اليأس من المستقبل.
يجب في هذا السياق التفريق بين الهجرة لأسباب اقتصادية من أجل البحث عن فرص عمل ومستقبل أفضل، وظاهرة اللجوء في دولة أخرى هرباً من الحروب أو من أنظمة سياسية باطشة تسلب المواطنين كرامتهم وحرياتهم الأساسية أو تزج بهم في أتون الحروب الداخلية.
في كل الأحوال فإن ظاهرة تحرك موجات بشرية من مكان لآخر عبد الحدود لبلدان أفضل وضعاً من حيث الخدمات الأساسية وفرص العمل، تثير وتؤلب المزاج الشعبي ضد الهجرة بشكل عام، وترى فيها استنزافاً لخيرات هذه البلدان وخدماتها وإمكاناتها المالية المتوفرة ضمن العناية التي توفرها لمواطنيها، مثل إعانات البطالة والفقر والتأمين الصحي. هذه واحدة من الأسباب التي تدفع بالمواطنين لمنع أصواتهم لليمين الشعبوي في أوروبا وبقية دول الغرب.
بل في بلد مثل هولندا وفرنسا جرى تحويل الهجرة إلى بعبع بافتراض موجات بشرية ضخمة تتحرك نحو أوروبا “لاحتلالها”، كما يقول “خيرت فيلدرز” زعيم حزب الحرية اليميني. ونجد ذات الرواية في دول أخرى مثل أمريكا والسويد ودول إسكندنافيا الأخرى والمملكة المتحدة.
ولكن الإحصاءات الرسمية للهجرة المتوفر للمنظمات المختصة تقول بأن معدل الهجرة عموماً لم يزد بشكل ملحوظ للمائة عام الأخيرة، إذ ظل يتراوح بين فاصل 3 وفاصل 35 من إجمالي عدد سكان العالم. لاحظوا أننا نتحدث عن أرقام الهجرة عموماً بما فيها اللاجئون.
يورد “هاين دي هاس”، أستاذ علم الاجتماع الهولندي، في كتابه “كيف تعمل الهجرة؟” الصادر في العام 2023، بأنه في الفترة بين 1985 والعام 2001 ظل عدد اللاجئين يتأرجح بين 9 ملايين و21 مليوناً، حسب الأحداث السياسية والحروب التي تشهدها مختلف الأقاليم والبلدان.
هذا التأرجح يمكن ملاحظته في أرقام العام 1993؛ حيث بدأت أعداد اللاجئين تتناقص عالمياً حتى وصلت في العام 2000 إلى أقل معدل، مما دفع العاملين في منظمات اللاجئين والمنظمات المرتبطة معها إلى القلق حول مستقبلهم الوظيفي. ولكن سرعان ما تصاعدت الأرقام بشكل ملحوظ في العام 2005 الذي سبقته التطورات والحروب في أفغانستان والعراق لاحقاً، وأعقب ذلك موجات هجرة بلدان الربيع العربي وخاصة سوريا واليمن.
وأشار كذلك فيما يخص حركة اللاجئين إلى أن 85% من اللاجئين يبقون داخل الإقليم وفي دول الجوار ولا يعبرون الحدود إلى قارة أخرى. ففي الحرب السورية تشرد أكثر من 6,2 مليون سوري من ديارهم، بقي 5,2 منهم في دول الجوار مثل تركيا ولبنان وبقية دول المنطقة. كذلك الحال في السودان بعد الحرب؛ حيث لجأت الغالية من الذين شردتهم الحرب بشكل أساسي لمصر وبلدان أخرى مثل يوغندا وإثيوبيا وكينيا ورواندا وتشاد.
ومع كل هذا التداخل بين الهجرة التي صارت تعرف بغير الشرعية واللجوء كحق إنساني للمتضررين من القمع والحروب والأنظمة الديكتاتورية، إلا أن تأثير هذه العملية على البلدان المستقبلة للهجرة ليست كارثية كما يصور بعض الساسة ووسائل الإعلام.
استقبلت ألمانيا قرابة المليون لاجئ سوري، وبالتغاضي عن الكثير من المظاهر السالبة والحالات الفردية التي يتم تضخيمها وتعميمها، إلا أن ألمانيا استفادت من ناحية اقتصادية من المهاجرين الذين سدوا فراغاً كبيراً في المجتمع الألماني الذي يعاني بما يعرف بالشيخوخة، مثله مثل مجتمعات كثيرة في أوروبا تنخفض فيها نسبة المواليد لدرجة لا يمكن معها تعويض الفارق في الوفيات.
ويؤثر اختلال الزيادة السكانية في الاقتصاد وتوفير الأيدي العاملة لقطاع الخدمات والمساهمات الضريبية التي يدفعها العاملون بشكل نظامي، وأيضاً مساهماتهم في صندوق المعاشات والضمان الاجتماعي. إن حدوث فجوة تتعلق بالموارد البشرية يؤثر بشكل مباشر على مواصلة الاستمتاع بمميزات المعاشات والإعانات الاجتماعية، إذ لا تستطيع الدولة الإيفاء بالتزاماتها في هذه الحالة بحيث تتهدد كامل المنظومة بالانهيار.
المثل الثاني إسبانيا، التي وفقت أوضاع نصف مليون مهاجر غير شرعي في العام 2005، ثم فعلت ذلك مرة أخرى هذا العام، ووفقت أوضاع نصف مليون آخرين. تقول الأرقام الرسمية بأن إسبانيا في هذه اللحظة من أكثر البلدان نمواً وسط دول المنظومة الأوروبية والأكثر انتعاشاً في قطاعات الزراعة والصناعة والمشاريع الأخرى، الأمر الذي أحرج أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا التي تخاف فقدان ناخبيها حال فكرت مجرد تفكير في الاستفادة من المهاجرين أو تشجيع قدومهم.
نتحدث هنا عن الفائدة التي تجنيها أوروبا والبلدان الصناعية من قدوم المهاجرين والاستفادة من الأيدي العاملة التي يوفرونها في مختلف القطاعات خاصة قطاع الخدمات والرعاية الصحية والخدمات التي تقدم للعجزة وذوي الاحتياجات الخاصة، وننسى تقريباً تأثير هجرة الشباب على اقتصاديات بلداننا.
السودان بلد شاب، ما يقارب الـ70% من سكانه من فئة الشباب، وهو رقم تقريبي من الذاكرة أرجو ألا أكون أخطأت فيه، دفعتهم ثلاثون سنة من حكم الإنقاذ ومن الحروب التي أشعلتها في الجنوب وفي دارفور، وأعقبتها الحرب الحالية التي أشعلها التنظيم الإسلامي، إلى تشريد الملايين الذين تبعثروا في المنافي والمهاجر، والذين ليس من المتوقع عودتهم مرة أخرى، ليفقد السودان أعز ما يملك وهو إنسانه وثروته البشرية، الأمر الذي سيعيق عملية التعافي الاقتصادي والنمو والنهوض مرة أخرى مثل بقية البلدان.