صفاء الزين
يبدو عدد سبتمبر/أكتوبر 2026 من مجلة Foreign Affairs، للوهلة الأولى، عددًا عن الولايات المتحدة وتحالفاتها، والصين، وإيران، والشرق الأوسط، والذكاء الاصطناعي، والتحولات العسكرية. غير أن قراءته كوحدة فكرية واحدة تكشف سؤالًا أعمق: هل ما يزال النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بلغ ذروة الهيمنة الأمريكية عقب 1991، قادرًا على إنتاج الأمن والازدهار والشرعية؟.
المجلة تتمسك، منذ تأسيسها، بنشر اختلافات الرأي المدروسة، ولذلك تتجاور في العدد أطروحات تبدو متعارضة؛ مقال يرى أن التحالفات الأمريكية باقية وقابلة لإعادة البناء، وآخر يرى أن النظام الذي تستند إليه أصبح مشروعًا مهجورًا، وثالث يعلن نهاية «الشرق الأوسط الأميركي»، ورابع يجادل بأن حجم التغيير أقل مما توحي به الحروب، إلى جانب مواد عن الصين، والمعادن النادرة، والأسلحة البيولوجية، والمشتريات العسكرية، وأزمة قدرة الديمقراطيات على الإنجاز.
ومع ذلك، هناك خيط واحد يشد هذه المواد جميعًا: القوة تغيّر معناها عما كانت عليه قبل عقدين أو ثلاثة. والسؤال اليوم لا يتعلق بحجم الجيش والاقتصاد فقط، بل بمن يستطيع تنظيم شبكة من الحلفاء، والسيطرة على نقاط الاختناق، وسرعة التحول، وحماية سلاسل الإمداد، وامتلاك مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار والتنفيذ، ومجتمع يثق في قدرة الدولة على الوفاء بما تعد به. ومن هنا تبدأ قيمة هذا العدد بالنسبة إلى السودان.
التحالفات تتغير في طبيعتها
يفتتح كيرت كامبل وراش دوشي العدد بمرافعة ضد التشاؤم بشأن النظام الحليفي الأمريكي. فسياسات إدارة ترامب الثانية أحدثت، في تقديرهما، ضررًا عميقًا في الثقة عبر تهديدات للحلفاء، ورسوم جمركية، وشكوك في الالتزامات الدفاعية، وتراجع عن بعض تقاليد السياسة الخارجية الأمريكية، لكنهما يريان أن الاستنتاج بانهيار التحالفات يتجاوز ما تسمح به البنية العميقة للنظام.
فالتحالفات نجت تاريخيًا من صدمات شديدة، والتهديدات التي دفعت إلى قيامها ازدادت تعقيدًا مع صعود الصين وعودة روسيا، كما أن الدول الحليفة متشابكة اقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا داخل شبكات يصعب تفكيكها بسرعة.
لكن الأهم في المقال هو اقتراح إعادة تعريف التحالفات، والانتقال من نموذج يكون فيه الحليف متلقيًا للحماية الأمريكية إلى نموذج «Allied Scale»، أي بناء «حجم حليفي» تتوزع فيه القدرة بين أطراف الشبكة، فتشارك أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية في إنتاج الذخائر والتكنولوجيا والتمويل والاستخبارات والصناعة والمعايير وسلاسل الإمداد. وبذلك يصبح الحليف شريكًا في إنتاج القوة لا مستهلكًا لها.
وهذه الفكرة تكشف تحولًا مهمًا: العصر المقبل مرشح لأن يكون عصر القدرة على تنظيم الآخرين داخل شبكة منتجة للقوة، أكثر من كونه عصر القوة المنفردة. وهنا يظهر أول درس للسودان؛ فالدول الضعيفة مؤسسيًا تتحول إلى موضوع داخل شبكات الآخرين، بينما تدخل الدول التي تعرف مصالحها وتبني قدرتها الداخلية الشبكات الدولية من موقع تفاوضي أكثر استقلالًا.
النظام القديم يتآكل ووريثه ما يزال غائبًا
يذهب مارك ليونارد إلى منطقة أكثر جرأة، مشبِّهًا النظام الدولي القائم على القيادة الأمريكية بمبانٍ غير مكتملة اضطر الناس إلى العيش داخل هياكلها وإعادة استخدامها. فالنظام القائم على القواعد فقد جانبًا من القبول والتمويل والحماية التي كانت تسنده، وفي الوقت نفسه لا توجد قوة أخرى مستعدة لتحمل تكاليف النظام بأكمله.
الصين تستطيع تحدي بعض قواعد النظام، وروسيا تستطيع تخريبه، والقوى الوسطى تستطيع المناورة داخله، لكن البديل الشامل عن الدور الأمريكي ما يزال غائبًا. ولهذا يتوقع ليونارد عالمًا متقطعًا ومجزأً وتكتيكيًا، تتقدم فيه الترتيبات المؤقتة والشبكات الإقليمية والتحالفات حسب القضية، بدل الانتقال البسيط من نظام أمريكي إلى آخر صيني.
وفي هذا العالم تحتاج الدول إلى قدر أكبر من السيادة التكنولوجية، وحماية البيانات والأسواق والسلاسل الحيوية، وقدرة دفاعية أكثر استقلالًا. كما تحتاج إلى استراتيجيات تجعل العدوان عليها مرتفع الثمن حتى في مواجهة قوة أكبر.
ومع هذه الأطروحة يتغير معنى الاستقلال الوطني نفسه؛ فالاستقلال في القرن الحادي والعشرين يتصل بإدارة الاعتماد: معرفة الدولة بمن تعتمد عليه، وفي أي مجال وبأي نسبة، وتوزيع هذا الاعتماد بما يمنع طرفًا واحدًا من امتلاك القدرة على خنقها. وهذه واحدة من أهم الرسائل التي يمكن نقلها إلى السودان.
الشرق الأوسط بين تآكل النظام وإعادة تشكيله
تصل المجلة إلى واحدة من أهم مناظرات العدد في مقالي مارك لينش وغريغوري غاوس. يعلن لينش أن «الشرق الأوسط الأمريكي» انتهى؛ فالنظام الذي قام بعد حرب الخليج الأولى استند إلى التفوق العسكري الأمريكي، وضمان أمن دول الخليج، واحتواء إيران، وتأمين الطاقة، ودفع الدول العربية وإسرائيل تدريجيًا نحو هيكل أمني واحد تحت المظلة الأمريكية. ويرى أن الحروب المتلاحقة كشفت حدود هذا النموذج وأثقلت المنطقة بتكاليف ضخمة، ويضع السودان ضمن الدول التي تعرضت لحروب مدمرة داخل البيئة الإقليمية التي تشكلت خلال العقود الماضية.
والأهم أن لينش يضع السودان داخل إعادة تشكيل المنطقة نفسها. فالدول العربية، كلما ضعفت ثقتها بواشنطن، ستستخدم استقلاليتها بدرجة أكبر، وقد يقود ذلك إلى تفاهمات مع إيران أو الصين وروسيا، أو إلى زيادة التدخل في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي. وفي توصياته، يرى أن أي استقرار إقليمي جديد يتطلب من الولايات المتحدة ردع تدخلات شركائها العسكرية وحروب الوكالة في السودان وليبيا.
هذه الإشارة مهمة لأنها تنقل السودان في التفكير الأمريكي من خانة «أزمة داخلية» إلى خانة ساحة من ساحات إعادة توزيع القوة الإقليمية.
أما غاوس فيحذِّر من إعلان وفاة النظام بسرعة؛ فالإقليم تغير، وإيران وإسرائيل والخليج والولايات المتحدة أصبحت تتصرف في بيئة أكثر اضطرابًا، لكن بعض الثوابت ما تزال قائمة، وفي مقدمتها الحاجة الخليجية إلى المظلة الأمنية الأمريكية وغياب بديل قادر على أداء الدور العسكري نفسه.
وبين لينش وغاوس تظهر صيغة أقرب إلى الواقع: أمريكا فقدت جانبًا من قدرتها على تنظيم المنطقة، لكنها ما تزال قوة يصعب الاستغناء عنها، والقوى الإقليمية أصبحت أكثر استقلالًا، من دون أن تنتج حتى الآن نظامًا بديلًا مستقرًا.
وهذه البيئة شديدة الخطورة بالنسبة إلى السودان، فغياب الهيمنة الكاملة مع غياب النظام البديل يفتح مساحة واسعة لحروب الوكالة والتمويل السياسي والسلاح والتحالفات المتغيرة والتدخلات التي يستطيع كل طرف إنكارها أو إعادة تعريفها.
الصين تكشف أن الاقتصاد أصبح سلاحًا
في القسم الاقتصادي، يحذر مايكل فرومان من أن نموذج النمو الصيني بلغ حدودًا بنيوية. فقد بنت الصين خلال عقود اقتصادًا يعتمد على الاستثمار والإنتاج والصادرات، وحقق في 2025 فائضًا تجاريًا يقارب 1.2 تريليون دولار، غير أن نجاح النموذج أصبح مصدرًا للخطر، إذ يصعب على العالم استيعاب الصادرات الصينية بمعدل يفوق نمو التجارة والطلب العالمي إلى أجل مفتوح.
وإذا تعثرت إعادة الموازنة نحو الاستهلاك الداخلي، ستتصاعد الضغوط الحمائية والتجارية، وقد تنتقل الأزمة من التجارة إلى الاقتصاد العالمي كله.
ثم تأتي دراسة غلوريا شيونغ وجيسيكا تشين وايس عن العناصر الأرضية النادرة لتقدم الوجه الآخر للقوة الاقتصادية. فالصين تسيطر على نحو 85% من معالجة تلك العناصر، التي تدخل في الصناعات الدفاعية والرقائق والسيارات والطاقة النظيفة، وبذلك تتحول السيطرة على جزء صغير من سلسلة القيمة إلى أداة نفوذ هائلة.
لكن الاستخدام المفرط لنقطة الاختناق يشجع الآخرين على بناء طرق التفاف حولها؛ فقد دفعت القيود الصينية السابقة الدول المستوردة إلى التنويع والبحث عن مصادر جديدة وإعادة التدوير. ولذلك فإن تسليح الاعتماد المتبادل يحمل داخله حدود فعاليته.
وهذه الفكرة ذات قيمة خاصة للسودان. فهو يمتلك موارد يمكن أن تتحول إلى مصادر قوة، كالذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية والأراضي الزراعية والموقع البحري، لكن المورد لا يتحول إلى قوة بمجرد وجوده. وقد يصبح أداة إضعاف إذا سيطرت عليه شبكات غير وطنية، أو أصبح طريقًا لتمويل الحرب، أو ارتبط بسوق أو مشترٍ أو منفذ واحد.
المورد يصبح قوة عندما تسيطر عليه الدولة، أما المورد الذي يسيطر على الدولة فيتحول إلى مصدر هشاشة.
التكنولوجيا تعيد تعريف الحرب والدولة معًا
في مقال «الثورة العسكرية المفقودة في أمريكا»، يضع دوغ بيك إصبعه على مشكلة تتجاوز الولايات المتحدة: التكنولوجيا تتحرك أسرع من المؤسسات. فحروب السنوات الأخيرة أثبتت أن المسيّرات والبرمجيات والخوارزميات ووسائل الحرب الإلكترونية يمكن تحديثها وتكييفها بسرعة، وهو ما يجعل سرعة التعلم عنصرًا عسكريًا يكاد يوازي حجم الترسانة. وبذلك تجاوزت القوة الحديثة كونها مخزونًا من المنصات إلى منظومة تشمل الابتكار، وسرعة الإنتاج والتعديل، ووفرة البيانات، والربط بين المدني والعسكري، وإمكان تحديث السلاح في الميدان.
ويصل العدد إلى تحول أكثر خطورة في مقال إليزابيث شيروود-راندال حول الذكاء الاصطناعي والأسلحة البيولوجية، حيث تحذر من أن دمج الذكاء الاصطناعي بالبيولوجيا والهندسة الحيوية قد يخفض الحواجز التي كانت تمنع جهات صغيرة من الوصول إلى قدرات شديدة الخطورة. وهنا يتغير توزيع القوة؛ فالتقنيات التي كانت تتطلب دولة ومؤسسات ضخمة يمكن أن تصبح متاحة لشبكات أصغر.
وهذا شديد الصلة بالسودان، لأن أحد أكبر التحولات في الحرب يتمثل في انتقال جزء من القوة من الجيوش الثقيلة وحدها إلى شبكات أصغر تستطيع الحصول على المسيّرات والاتصالات والأسلحة الدقيقة والتمويل الخارجي. والمشكلة لم تعد سؤال من يملك دبابة أكثر، بل من يملك شبكة أفضل.
أزمة الدولة أهم من أزمة الديمقراطية
ربما يكون المقال الأكثر فائدة للسودان على المدى الطويل هو «الديمقراطيات تحتاج إلى تدمير خلاق» لجنيفر باهلكا وأندرو غرينواي. يرى الكاتبان أن أزمة الديمقراطيات الحديثة تتجاوز الاستقطاب والشعبوية والتضليل الإعلامي إلى سبب أكثر بساطة وخطورة: مؤسسات الدولة تعجز عن إنجاز ما يفترض أن تنجزه. فإذا احتاج إصدار قاعدة تنظيمية سنوات، وأنفقت الدولة الأموال من دون تحسن في الخدمات، وشاهد المواطن الفجوة بين الوعود والواقع، تبدأ شرعية النظام السياسي نفسه في التآكل.
ويذهب الكاتبان إلى أن بعض المؤسسات القديمة يمكن إصلاحها، وبعضها يحتاج إلى إعادة تأسيس، وبعضها أصبح عبئًا يستوجب الاستبدال؛ والفكرة هي بناء مؤسسات مناسبة لسرعة العصر الجديد مع الحفاظ على الدولة وقدرتها.
وهذه الفكرة حاسمة بالنسبة إلى السودان بعد الحرب. فإعادة فتح مباني الوزارات، وإرجاع الهياكل الإدارية السابقة، وطباعة اللوائح القديمة، لن تعني عودة الدولة بصورتها الفاعلة. الدولة العائدة إلى الحياة ينبغي أن تكون قادرة على تقديم الأمن والخدمات والعدالة، وإدارة الموارد والسياسة النقدية والحدود والمعلومات والاستجابة للكوارث. وإذا تعذر ذلك، ستعود الدولة اسمًا، فيما تبقى السلطة الفعلية موزعة بين شبكات مسلحة واقتصادية ومحلية وخارجية.
السودان بين أزمة الدولة وساحة النفوذ
اللافت أن السودان لا يحتل صفحات كثيرة من العدد، لكنه يظهر في المواضع التي تكشف بنيته الاستراتيجية. يظهر ضمن الحروب المدمرة التي شهدها الشرق الأوسط الأوسع، وفي نقد التدخلات الإقليمية التي عجزت واشنطن عن ضبطها، وفي توقعات لينش عن انتقال استقلالية القوى العربية إلى مزيد من التدخل في السودان وليبيا والقرن الأفريقي.
أي أن المجلة، من دون أن تخصص للسودان مقالًا مستقلًا، تضعه داخل ثلاثة أطر متداخلة: أزمة دولة، وساحة نفوذ إقليمي، وجزء من إعادة تشكيل الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
ومن هنا يمكن الذهاب خطوة أبعد من المجلة: السودان يتجاوز موقع الضحية داخل النظام الدولي الجديد، ويصبح إحدى الدول التي ستختبر فيها طبيعة ذلك النظام.
السودان، عقدة جيوسياسية أكثر منه دولة هامشية
يقع السودان في نقطة يصعب تكرارها؛ على البحر الأحمر، ومتصل بمصر وحوض النيل، وممتد إلى القرن الأفريقي، ومتصل بالساحل عبر دارفور وتشاد وليبيا، وبوسط أفريقيا وجنوب السودان، ويملك أراضيَ زراعية وذهبًا وثروة حيوانية ومياهًا وموارد وموانئ.
هذه العناصر تجعل السودان دولة عقدة، وأمام دولة العقدة طريقان: إما أن تستخدم موقعها لبناء النفوذ والاستقلال، أو تستخدم القوى الخارجية موقعها لتحقيق مصالحها. والفارق بين الحالتين هو قدرة الدولة.
إذا بقيت الدولة السودانية مفككة، سيصبح البحر الأحمر مدخلًا لتنافس الآخرين، والذهب أداة لتمويل الصراع، والحدود ممرًا للسلاح، والمجال الجوي ساحة للمسيّرات، والزراعة رهينة الحرب، والفاعلون المحليون نقاط اتصال بشبكات إقليمية.
أما إذا أعيد بناء الدولة، فتتحول العناصر نفسها إلى أصول استراتيجية: الذهب إلى احتياطي وإيراد، والزراعة إلى أمن غذائي وتصدير، والبحر الأحمر إلى تجارة ولوجستيات، والموقع إلى نفوذ تفاوضي، والتنوع الإقليمي إلى عمق وطني.
الخطر الأكبر: انتهاء الحرب وبقاء اقتصادها
ينبغي تجاوز الفكرة المبسطة التي تفترض أن وقف إطلاق النار يعني نهاية الأزمة. فالحرب الطويلة تصنع مصالح وشبكات تجارية وطرق تهريب ووسطاء ومراكز نفوذ، وتعيد توزيع الملكية، وتخلق قوى اجتماعية واقتصادية يصبح استمرار الفوضى بالنسبة إليها أكثر ربحًا من عودة الدولة.
ولهذا فإن أي تسوية سياسية تتجاهل اقتصاد الحرب قد تنجح في وقف المدافع وتفشل في إنهاء الحرب؛ فقد تتحول البنادق إلى شركات، والحاجز العسكري إلى جباية، وقائد الميدان إلى رجل أعمال، وشبكة التهريب إلى حزب أو قوة سياسية.
ومن هنا تصبح مهمة السودان بعد الحرب مزدوجة: توحيد السلطة المسلحة، وتوحيد الدورة الاقتصادية. فالدولة التي تمتلك جيشًا واحدًا فيما يبقى اقتصادها مقسمًا بين شبكات متنازعة ستظل معرضة للعودة إلى الحرب.
الخطر الثاني: التشظي دون انفصال
أخطر سيناريو للسودان ربما يتجاوز إعلان دولتين، فقد تبقى الخريطة موحدة داخل الأمم المتحدة فيما يتشظى البلد وظيفيًا، بمصارف وأسواق ومناهج ونظم أمن وجبايات وارتباطات خارجية وأنظمة حكم محلية وشبكات تجارة وطرق إمداد منفصلة.
وعندها تصبح الوحدة القانونية غطاءً فوق واقع متعدد الدول. وهذه إحدى الرسائل المهمة التي يمكن استنتاجها من منطق العدد: السيادة في العصر الجديد تتجاوز الخط المرسوم على الخريطة إلى قدرة الدولة على إدارة الشبكات التي تمر داخل أرضها.
إدارة الاعتماد بدل الحياد التقليدي
سيبقى السودان داخل التنافس الدولي، والتحول إلى تابع لمحور واحد سيحمل كلفة استراتيجية ثقيلة. والدرس الذي تقدمه مقالات التحالفات والصين والمعادن النادرة هو أن المطلوب تنويع مدروس للاعتماد.
يحتاج السودان إلى علاقات أمنية تمنع دولة واحدة من الإمساك بمفتاح الجيش، وعلاقات اقتصادية تمنع سوقًا واحدة من امتلاك مصير الصادرات، وبنية رقمية تمنع مزودًا واحدًا من السيطرة على بيانات الدولة، وسياسة موانئ تحمي الساحل من التحول إلى امتياز طويل الأجل لقوة خارجية، مع تعاون متوازن مع الخليج ومصر وإثيوبيا والاتحاد الأفريقي والصين وأوروبا والولايات المتحدة وتركيا وغيرها، ضمن مصفوفة مصالح سودانية واضحة.
وبهذا المعنى، ينبغي أن تنتقل السياسة الخارجية السودانية بعد الحرب من سياسة الاصطفاف إلى سياسة إدارة التداخل.
المطلوب دولة جديدة، أكثر من حكومة جديدة
إذا صح أن العالم ينتقل من زمن المؤسسات البطيئة والقوة الثقيلة إلى زمن الشبكات والتكنولوجيا ونقاط الاختناق والتنافس على البيانات والممرات والموارد، فإن السودان يحتاج إلى الخروج من هذه الحرب بدولة مختلفة عن الدولة التي دخلها بها.
إعادة إنتاج المركزية القديمة ستعيد إنتاج الهشاشة، وإعادة إنتاج الجيوش المتعددة ستعيد إنتاج الحرب، وإعادة إنتاج اقتصاد الريع والذهب غير المنظم ستعيد إنتاج المليشيات، وإعادة إنتاج جهاز إداري بطيء وضعيف ستعيد إنتاج فقدان الثقة، وإعادة إنتاج السياسة القائمة على المحاصصة ستعيد إنتاج أزمة الشرعية.
السودان يحتاج إلى مشروع لإعادة تأسيس الدولة: دولة مدنية ذات شرعية دستورية، ومؤسسة عسكرية واحدة تحت سلطة الدولة، ونظام اتحادي يعيد توزيع القوة والموارد، واقتصاد يفصل السلاح عن السوق، ونظام مالي يستطيع تتبع الأموال والموارد، وسياسة موارد تجعل الذهب والزراعة والثروة الحيوانية والموانئ ملكًا للدولة والمجتمع بعيدًا عن شبكات الحرب، ومؤسسات قادرة على استخدام التكنولوجيا والبيانات واتخاذ القرار بسرعة، وسياسة خارجية تنظر إلى البحر الأحمر وحوض النيل والقرن الأفريقي والساحل باعتبارها دوائر متكاملة للأمن القومي السوداني.
من «السيادة» إلى «سيادة المنعة»
ربما تكون الخلاصة الأهم التي يمكن نقلها من قراءة هذا العدد إلى النقاش السوداني هي ضرورة إعادة تعريف السيادة.
السيادة التقليدية تسأل: من يحكم الأرض؟ أما السيادة في العالم الذي تصفهForeign Affairs فتسأل: من يملك الغذاء؟ ومن يسيطر على الطاقة والبيانات والذهب؟ ومن يستطيع إغلاق الطريق أو الميناء؟ ومن يملك القدرة على تعطيل النظام المصرفي؟ ومن يملك المسيّرة والاتصالات؟ ومن يستطيع تمويل الفاعل المسلح؟ ومن يستطيع أن يقرر إن كانت الدولة تعمل أو تتوقف؟.
ومن هنا يمكن طرح مفهوم «سيادة المنعة». والمقصود بها أن تكون الدولة قادرة على امتصاص الصدمات مع الحفاظ على قرارها، وأن تمنع أي طرف داخلي أو خارجي من امتلاك نقطة اختناق واحدة تسمح له بابتزازها.
هذه السيادة تحتاج إلى جيش واحد، واقتصاد منظم، ومؤسسات تعمل، واحتياطات غذائية ونقدية، وسيطرة على الموارد، وتعدد في الشركاء، وبنية رقمية آمنة، وتماسك اجتماعي، وشرعية سياسية. وهي قدرة على التعامل مع العالم من موقع يصعب إخضاعه، أكثر من كونها عزلة عنه.
خاتمة
يخبرنا عددForeign Affairs أن العالم القديم يتراجع حتى مع بقاء بعض مؤسساته. فالتحالفات ستستمر بصيغ مختلفة، والولايات المتحدة ستظل قوة مركزية مع صعوبة متزايدة في العمل منفردة، والصين تصعد فيما تواجه حدود نموذجها، والشرق الأوسط يتحرر تدريجيًا من نظام الهيمنة القديمة قبل أن يعثر على نظام بديل مستقر، والتكنولوجيا تختصر الزمن والمسافة وتمنح الفاعلين الصغار أدوات كانت في الماضي حكرًا على الدول، فيما أصبحت الشرعية السياسية مرتبطة بقدرة الدولة على الإنجاز بقدر ارتباطها بالدستور والانتخابات.
وسط كل ذلك يقف السودان في موقع شديد الحساسية. يمكن أن يصبح أحد ضحايا هذا العالم المتشظي، ساحة لحروب الآخرين، ومصدرًا للموارد الرخيصة، وممرًا للأسلحة، ومختبرًا للمسيّرات، ومساحة تتقاسمها الشبكات.
ويمكن، إذا أعاد تأسيس دولته، أن يتحول إلى شيء مختلف تمامًا: دولة عقدة تستثمر موقعها بين البحر الأحمر والنيل والقرن الأفريقي والساحل، وتحول مواردها إلى قوة، وتدير علاقاتها المتعددة من موقع استقلال، وتبني سيادة تقوم على القدرة والمنعة.
وهنا تصبح المسألة أكبر من إنهاء حرب. المعركة السودانية الحقيقية هي أن نعرف أي دولة نريد أن ندخل بها إلى العالم الذي يتشكل الآن.