العدالة المعرفية في السودان: صراع الذاكرة ورهان المصالحة الوطنية

 

كمبالا: (ديسمبر)

في بلد تتقاطع فيه الجغرافيا مع التاريخ، وتتداخل فيه الهويات واللغات والثقافات، يبرز السودان بوصفه دولة متعددة العوالم أكثر من كونه كيانًا سياسيًا ذا رواية واحدة. هذا ما يناقشه الكاتب محمد المحبوب عثمان رزق الله في مقاله المنشور بمركز (الفضاء المدني للتنوير والدراسات)، حيث يضع مفهوم العدالة المعرفية في قلب الأزمة السودانية، معتبرًا أن ما شهده السودان من حروب وصراعات لم يكن صراعًا على السلطة والثروة فحسب، بل صراعًا عميقًا على الرواية والذاكرة وحق التعريف.

منذ تأسيس الدولة السودانية الحديثة، جرى التعامل مع هذا التنوع الهائل بوصفه عبئًا لا مصدر قوة. فبدل الاعتراف بتعدد اللغات والثقافات والتجارب التاريخية، اختارت النخب الحاكمة تبني سردية مركزية واحدة، اختزلت السودان في هوية عربية إسلامية متمركزة في وادي النيل الشمالي، ودَفعت ببقية المكونات إلى هوامش الجغرافيا والوعي. ومع الزمن، تحوّل هذا الاختزال إلى ظلم معرفي ممنهج، تمثل في تهميش اللغات المحلية، وتغييب تاريخ مجتمعات كاملة، والتشكيك المستمر في رواياتها عن نفسها وعن معاناتها.

 

سودان متعدد.. رواية رسمية واحدة

يصف المقال السودان بوصفه فضاءً حضاريًا متكاملًا، تتلاقى فيه حضارات وادي النيل القديمة، والممالك السودانية الوسيطة، وتراث الهجرات العربية، وثقافات القبائل الإفريقية، وذاكرة الاستعمار. غير أن الدولة الحديثة أعادت صياغة هذا التاريخ وفق منظور انتقائي، يركز على فترات بعينها ويتجاهل أخرى، ويمنح الشرعية لرواية المركز وحدها. التعليم الرسمي، والإعلام، ومؤسسات الأرشفة، لعبت دورًا محوريًا في ترسيخ هذه الذاكرة الأحادية، وتحويلها إلى حقيقة تبدو بدهية لا تقبل النقاش.

هذا النهج لم يكن مجرد خيار ثقافي، بل أسس لصراعات ممتدة، لأن إنكار المعرفة هو في جوهره إنكار للوجود. حين لا تُدرّس لغات الناس، ولا يُعترف بتاريخهم، ولا تُؤخذ شهاداتهم على محمل الجد، يصبح العنف وسيلة بديلة لفرض الحضور وانتزاع الاعتراف.

 

الحروب بوصفها صراع روايات

يربط المقال بين غياب العدالة المعرفية واندلاع الحروب الأهلية في السودان. فحروب الجنوب، دارفور، جنوب كردفان، والنيل الأزرق، لم تكن مجرد مواجهات عسكرية، بل صراعات بين روايات متضادة. رواية المركز التي تتحدث عن الوحدة الوطنية والاستقرار، في مقابل روايات الأطراف التي تتحدث عن التهميش والإنكار والإقصاء. في دارفور، تجلّى الظلم المعرفي بوضوح، من خلال إنكار الأزمة في بداياتها، ثم تبسيطها لاحقًا واختزالها في توصيفات لا تعكس تعقيدها الاجتماعي والتاريخي.

حتى التغطية الإعلامية الدولية، رغم أهميتها في كشف حجم المأساة، ساهمت أحيانًا في إعادة إنتاج اختزال جديد، حين تجاهلت السياقات المحلية العميقة، وقدّمت الأزمة في صورة واحدة جامدة. وهكذا، أصبحت دارفور مثالًا صارخًا على مأساة لا تتعلق بالقتل والتهجير فقط، بل أيضًا بإنكار المعرفة وتشويه الرواية.

الدولة والتعليم والإعلام

 

يؤكد المقال أن الظلم المعرفي لم يكن عارضًا، بل نتاج سياسات دولة واضحة. فالنظام التعليمي صُمم ليعيد إنتاج هوية واحدة، والإعلام ظل مركزيًا وأحادي الصوت، يعكس رؤية السلطة لا تنوع المجتمع. وحتى الصراع المستمر بين المدنيين والعسكريين، يحمل في طياته بعدًا معرفيًا، لأنه صراع بين تصورين للدولة: دولة التعددية المدنية، ودولة السيطرة الأمنية التي لا تعترف إلا برواية واحدة.

 

الثورة كزلزال معرفي

شكّلت ثورة ديسمبر لحظة فارقة في هذا المسار. فالهتاف بالحرية والسلام والعدالة لم يكن مطلبًا سياسيًا فقط، بل إعلانًا عن تمرد معرفي على الرواية السائدة. لأول مرة، خرجت روايات الهامش إلى الفضاء العام، والتقت في ساحات الاعتصام روايات النزوح والتهجير والمقاومة والتهميش. عبر الغناء، والشعارات، والفن، بدأت عملية غير معلنة لإعادة سرد السودان من زوايا متعددة.

في تلك اللحظة، بدا أن السودان يقترب من مصالحة معرفية ممكنة، حيث يستمع الناس إلى بعضهم البعض دون وساطة الدولة أو النخب. غير أن هذا الانفتاح ظل هشًا، واصطدم لاحقًا بتعقيدات الانتقال السياسي وتجدد الصراع المسلح.

 

النساء والفن كحراس للذاكرة

يسلط المقال الضوء على الدور المحوري الذي لعبته النساء والفنانون الشباب في كسر التهميش المعرفي. فالمرأة السودانية، التي ظلت حاملة للذاكرة الشفوية داخل المجتمعات، انتقلت إلى موقع القيادة في الفضاء العام، وقدّمت رواية نسوية للثورة والمقاومة، تتحدى الأطر الذكورية السائدة. كما تحوّل الفن إلى أداة مقاومة معرفية، عبر الأغاني واللوحات والشعارات، وساهمت مبادرات التوثيق الشعبي في حفظ روايات قد تُقصى مستقبلًا من السرد الرسمي.

العدالة المعرفية مدخلاً لفهم الأزمة

يركّز المقال على العدالة المعرفية بوصفها شرطًا أساسيًا لتحقيق أي عدالة اجتماعية أو سياسية. فالمعرفة، كما يوضح، ليست محايدة، بل تخضع لعلاقات القوة. وقد جرى تاريخيًا التشكيك في شهادات جماعات كاملة بسبب هويتها أو موقعها الجغرافي، كما غابت المفاهيم القادرة على تفسير معاناتها، فبقي الألم حاضرًا دون اعتراف. وما لا يُعترف به معرفيًا، لا يمكن إنصافه سياسيًا أو قانونيًا.

في السياق السوداني، تصبح العدالة المعرفية استجابة مباشرة لواقع التهميش والحرب. فالاعتراف بتاريخ المجتمعات المحلية، ولغاتها، ومعارفها، يشكل خطوة أساسية لكسر مركزية السرد وبناء ذاكرة وطنية جامعة. وفي ظل الحرب الراهنة، تكتسب هذه العدالة أهمية إضافية، لأنها تحمي روايات الضحايا من التشكيك والإنكار، وتضعها في موقع المعرفة المشروعة التي تُبنى عليها مسارات العدالة والمساءلة.

 

مركز (الفضاء المدني) ودوره في فتح النقاش

يأتي نشر هذا المقال ضمن إطار أوسع يتبناه مركز (الفضاء المدني للتنوير والدراسات)، الذي تأسس في أبريل 2023، بوصفه منصة مدنية مستقلة تُعنى بقضايا التحول الديمقراطي وبناء السلام والعدالة. يعمل المركز على تعزيز القيم المدنية والتعليم المدني، ونشر ثقافة المواطنة والديمقراطية واحترام التنوع، عبر البرامج البحثية والتوعوية والتدريبية. كما يولي اهتمامًا خاصًا بتمكين المشاركة المجتمعية، لا سيما للشباب والنساء، وتشجيعهم على الانخراط في الشأن العام وصنع القرار.

يسعى المركز أيضًا إلى تعزيز المساءلة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة، وخلق منصات للحوار والتماسك الاجتماعي، ونشر الوعي القانوني وحقوق الإنسان، وبناء قدرات القيادات الشابة. ومن خلال إنتاج المعرفة والدراسات المدنية، والدفاع عن الفضاء المدني وحمايته، يساهم في نقل النقاش من مستوى الصراع السياسي اليومي إلى مستوى أعمق يتصل بالمعرفة والذاكرة والحق في السرد.

في هذا السياق، لا يبدو المقال جهدًا فكريًا معزولًا، بل جزءًا من مشروع أوسع يسعى إلى ربط البحث الأكاديمي بالواقع، وإخراج مفاهيم مثل العدالة المعرفية من دوائر النخب إلى فضاء النقاش العام، بوصفها أدوات لفهم الأزمة وإعادة تخيل الدولة.

 

السودان أمام خيار تاريخي

يخلص التقرير إلى أن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق معرفي حاسم. فإما الاستمرار في نموذج الدولة الأحادية الذي أثبت فشله، أو الشروع في بناء دولة متعددة الروايات، تتعايش فيها الذاكرات، بدل أن تتصارع. المصالحة المعرفية، كما يؤكد المقال، ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا لبقاء السودان موحدًا. وبدونها، ستظل جذور الصراع حية، حتى وإن تغيّرت أشكاله.

المصالحة الحقيقية تبدأ حين يُعترف بكل روايات السودانيين، من المهدية إلى الثورات الحديثة، ومن الجنوب إلى دارفور، ومن النساء إلى الشباب. حين يجد كل سوداني مكانًا لروايته تحت سقف وطن واحد، يمكن عندها فقط الحديث عن سلام مستدام ودولة تتحول من ساحة صراع إلى فضاء حكمة، يتسع للجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *