النيل بين الهيمنة والشراكة:
قراءة في فرص نجاح الوساطة الأمريكية حول سدّ النهضة
السفير عادل إبراهيم مصطفى
أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأخيرة، بشأن سدّ النهضة، ملفّ مياه النيل إلى واجهة الاهتمام الدولي، بعد إعلان استعداده للتوسّط بين مصر وإثيوبيا بهدف التوصّل إلى «حلّ نهائي» للأزمة، محذّرًا من مخاطر انزلاق الخلاف نحو صراع عسكري في المنطقة.
غير أن السؤال الجوهري يظل قائمًا: ما مدى إمكانية نجاح وساطة أمريكا في أزمة بهذا التعقيد التاريخي والقانوني والسياسي؟!
تصريحات ترامب، التي نقلها موقع «الغد السوداني» في 22 يناير الجاري عن وكالات أنباء عالمية، كشفت عن انحياز واضح للموقف المصري، ما يلقي بظلال كثيفة من الشك على جدوى أي وساطة محتملة. فقد وجّه الرئيس الأمريكي انتقادات حادة لسدّ النهضة، معتبرًا أن بناءه ألحق أضرارًا جسيمة بالأمن المائي المصري، ومؤكدًا أن القاهرة «دفعت ثمنًا باهظًا» نتيجة سياسات دولية خاطئة، من بينها — بحسب قوله — مساهمة الولايات المتحدة في تمويل المشروع خلال مراحل سابقة. ووصف هذا الدعم بأنه «أمر مريع»، لأنه أضرّ بحليف استراتيجي لواشنطن في الشرق الأوسط، ملمّحًا إلى ضرورة تصحيح ما اعتبره مسارًا خاطئًا في إدارة ملف مياه النيل.
من حيث المضمون والدلالة، لا تعبّر هذه التصريحات عن موقف وسيط محايد، بل عن تبنٍّ سياسي صريح للرواية المصرية، الأمر الذي يضعف فرص التوصّل إلى تسوية متوازنة ومستدامة. فالوساطة تفترض الوقوف على مسافة واحدة من الطرفين، بينما الانحياز المسبق يقوّض الثقة ويغلق الطريق أمام أي اتفاق قابل للاستمرار.
ويُرجَّح أن تكون القاهرة قد سعت إلى هذا التدخل الأمريكي في إطار استراتيجيتها المستمرة لنقل ملف سدّ النهضة من الإطار الإفريقي إلى المنصّات الدولية، نتيجة عدم ثقتها في إمكانية اعتراف الاتحاد الإفريقي باتفاقيات مياه النيل الموقّعة خلال الحقبة الاستعمارية (1902، 1929، 1959). وهي اتفاقيات منحت مصر امتيازات شبه مطلقة، شملت حق الاعتراض على أي مشروعات مائية في دول المنبع، وتصفها القاهرة بـ«الحقوق التاريخية»، بينما ترفضها إثيوبيا ومعظم دول حوض النيل.
ويستند هذا الرفض إلى حقيقة قانونية وسياسية واضحة: أن دول المنبع لم تكن أطرافًا في تلك الاتفاقيات، ولم توقّع عليها، وبالتالي فهي غير مُلزَمة بها. وبناءً على ذلك، تطالب إثيوبيا ودول الحوض بإعادة النظر في الإطار القانوني الحاكم لمياه النيل، والانتقال إلى مبدأ «الانتفاع المنصف والعادل» من الموارد المائية المشتركة، وفقًا لقواعد القانون الدولي للأنهار العابرة للحدود. وهنا يتجلّى جوهر الأزمة: فهي ليست خلافًا فنيًا حول سدّ بعينه، بل نزاع عميق حول قواعد تقاسم مياه النيل، وحول مشروعية استمرار هيمنة دولة واحدة على نهر عابر للحدود لا تسهم في مياهه.
من هذه الزاوية، فإن انحياز ترمب الصريح للموقف المصري يُفرغ أي وساطة أمريكية من شرطها الأساسي. فالوسيط المنحاز لا يصنع تسوية، بل يعيد إنتاج الأزمة. ويمكن القول إن فشل هذه الوساطة قد أُعلن عمليًا قبل أن تبدأ. ويُضاف إلى ذلك أن حديث ترمب عن أن سدّ النهضة «يحجب» مياه النيل عن مصر يفتقر إلى الدقة العلمية. فالسدّ أُنشئ أساسًا لتوليد الطاقة الكهرومائية، لا لأغراض الري أو الزراعة، والمنطقة المحيطة ببحيرته ذات طبيعة جبلية ولا تحتوي على مساحات زراعية واسعة. وبحسب غالبية الخبراء، فإن المياه المستخدمة في توليد الكهرباء تُعاد إلى مجرى النهر، ولا تُنقِص من إجمالي التدفقات نحو مصر، باستثناء تأثيرات مؤقتة مرتبطة بفترات الملء، وهي تأثيرات قابلة للإدارة عبر التنسيق والتعاون.
كما أن سدّ النهضة بات اليوم أمرًا واقعًا؛ إذ تجاوزت نسبة إنجازه التسعين في المائة، وتم افتتاحه رسميًا في سبتمبر 2025. وعليه، فإن التعبير عن الندم على تمويله أو محاولة العودة إلى ما قبل بنائه لا يحمل قيمة عملية، ما لم يُترجَم إلى دعم مسار تفاوضي يعترف بالوقائع القائمة ويسعى إلى إدارتها، لا إنكارها.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن مصير وساطة ترمب المحتملة سيكون أفضل من تجربته السابقة في فبراير 2020، حين استضافت واشنطن، بطلب من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، محادثات ضمّت السودان ومصر وإثيوبيا. وقد انتهت تلك الجولة بتقديم مشروع اتفاق حول ملء وتشغيل السد، وقّعته مصر بالأحرف الأولى، بينما رفضته إثيوبيا بالغياب عن الجلسة. أما السودان، الذي ترأست وفده آنذاك وزيرة الخارجية أسماء محمد عبد الله، فقد رفض التوقيع، مؤكدًا استحالة تطبيق أي اتفاق في غياب أحد أطرافه، ومشدّدًا على ضرورة التوصّل إلى تسوية شاملة تعالج الجوانب الفنية والقانونية والبيئية، وفي مقدّمتها تبادل المعلومات وضمان سلامة السد.
شكّل ذلك الموقف تعبيرًا مهمًا عن استقلالية القرار السوداني، وانحيازًا للمصلحة الوطنية بعيدًا عن التبعية التقليدية للموقف المصري، وبما ينسجم مع شعارات وأهداف ثورة ديسمبر المجيدة. أما اليوم، فقد غاب السودان عن معادلة الوساطة، بعدما همّشت سلطة بورتسودان الانقلابية دوره الإقليمي، وارتهنت قراره السياسي بالكامل لإرادة القاهرة، متجاهلة حقيقة أن السودان هو الطرف الأقرب جغرافيًا إلى السدّ، والأكثر تأثرًا بتداعياته، سلبًا وإيجابًا.
خلاصة القول، إن أي وساطة دولية — بما فيها الوساطة الأمريكية — لن يُكتب لها النجاح ما لم تُبنَ على الاعتراف بجوهر الأزمة بوصفها نزاعًا حول قواعد تقاسم مياه النيل، لا مجرد خلاف فني حول سدّ بعينه. فالتمسّك بمنطق «الحقوق التاريخية» والهيمنة الأحادية لم يعد قابلًا للاستدامة، في مقابل صعود مطالب دول الحوض بالانتفاع المنصف والعادل. ولا يمكن تحقيق تسوية عادلة ومستقرة إلا عبر شراكة إقليمية شاملة، تُوازن بين حق مصر في الأمن المائي وحق دول المنبع في التنمية، وتؤسّس لتعاون طويل الأمد يحصّن المنطقة من مخاطر الصراع.