مجلس الأمن الدولي يحذر من تدويل النزاع في السودان
نيويورك: (ديسمبر)
عقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ظهر الاثنين 22 ديسمبر 2025 جلسة إحاطة مفتوحة لمناقشة الوضع في السودان، بناءً على طلب من بعثة حكومة بورتسودان. خاطب الجلسة في بدايتها خالد خياري، الأمين العام المساعد للشرق الأوسط وآسيا في إدارة عمليات السلام، وقال بأن “كل يوم يمر يجلب مستويات مذهلة من العنف والدمار”. وأشار أيضاً إلى التقارير التي تفيد بتحركات الجماعات المسلحة عبر الحدود بين السودان وجنوب السودان في كلا الاتجاهين، “مما قد يؤدي إلى آثار مزعزِعة للاستقرار في كلا البلدين”. كما سلط الضوء على سمة “مقلقة بشكل خاص” في النزاع، وهي الاستخدام المتزايد للضربات العشوائية بالطائرات المسيّرة من قبل الطرفين. وأضاف أن الأطراف لا تزال غير راغبة في التوصل إلى تسوية أو خفض التصعيد، ولاحظ قائلاً: “بينما تمكنوا من وقف القتال للحفاظ على عائدات النفط، إلا أنهم حتى الآن فشلوا في فعل الشيء نفسه لحماية شعبهم.” وحث المجلس على استخدام “جميع الأدوات المتاحة لتحقيق السلام وحماية المدنيين”.
ثم خاطبت الجلسة إيديم ووسورنو، مديرة شعبة الاستجابة للأزمات في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، مشددة على “أن وحشية هذا الصراع تبدو بلا حدود، وأن كردفان أصبحت مركزاً جديداً للعنف والمعاناة، وأشارت إلى الانتهاكات الجسيمة في الفاشر وفي مخيم زمزم للاجئين، كالقتل المتعمد للمدنيين والعنف الجنسي البشع ومنع الإمدادات الضرورية، كما حذرت من استنزاف الموارد والقدرات الإنسانية وانهيار الحماية الصحية.
تحدث بعد ذلك كاميرون هدسون، المحلل والمستشار في قضايا الأمن والحكم والجغرافيا السياسية في إفريقيا، وقال إنه على مدى العام الماضي، تحول هذا الصراع من حرب تقليدية تُخاض بمعدات ثقيلة قديمة وأسلحة خفيفة إلى صراع حديث تُستخدم فيه أحدث أجيال الأسلحة المتقدمة. وقد وُجد أن أسلحة من نحو اثنتي عشرة دولة تُستخدم من قبل كلا الطرفين. وقال: “إن العديد من تلك الدول التي تقدم الأسلحة تدين بشدة الخسائر المدنية التي تتسبب بها نفس الأسلحة التي تقدمها”.
ثم تحدث مندوب الجزائر وطالب بالسعي إلى المساءلة من خلال العقوبات والتحقيقات والملاحقات القضائية الممكنة. وحث قائلاً: “ينبغي ألا تستهدف هذه التدابير أولئك الذين يقتلون أو يعذبون أو يجوعون أو يشوهون الأبرياء فحسب، بل أيضاً من يمكّن ويموّل ويسهّل مثل هذه الجرائم”. وفي هذا السياق، دعا ممثل المملكة المتحدة إلى الامتثال الكامل لحظر الأسلحة، وحث الدول على الامتناع عن دعم الأطراف المتحاربة.
الدعوات إلى وقف الدعم العسكري الخارجي
ثم تحدث ممثل الصين قائلاً: “ينبغي على جميع القوى الخارجية الامتناع عن تقديم الدعم العسكري للجماعات المسلحة المحلية وتجنُّب صب الزيت على النار.” وأشار ممثل سلوفينيا إلى أن السودان لا يزال يتلقى الأسلحة، فضلاً عن الدعم اللوجستي والمالي الذي يُمكّن من استمرار الأعمال العدائية. كما دعا جميع الأطراف الخارجية إلى وقف نقل المعدات. وأشار ممثل فرنسا أيضاً إلى الجهات الخارجية التي تغذي كلاً من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، مشدداً على أن “هذه الأعمال تؤدي إلى تفاقم تدويل النزاع.”
وأدان العديد من أعضاء المجلس أيضاً في كلماتهم الهجوم بالطائرة المسيرة على قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في كادقلي، بما في ذلك ممثلو بنما واليونان وجمهورية كوريا. وشدد الأخير: “إن الهجمات ضد قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة قد تشكل جرائم حرب، ويجب محاسبة المسؤولين عنها بالكامل.” وحث ممثل الولايات المتحدة على ضرورة المساءلة عن الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر، وعن التقارير المتعلقة باستخدام القوات المسلحة السودانية للأسلحة الكيميائية. ومن جانبها، أشارت مندوبة الدنمارك إلى أن الاتحاد الأوروبي قد فرض عقوبات تقييدية على نائب قائد قوات الدعم السريع.
كردفان: الفصل التالي للمأساة
وحذر مندوب باكستان قائلاً: “لا يمكننا أن نسمح لكردفان بأن تصبح الفصل التالي في نفس المأساة.” كما أعرب ممثل الاتحاد الروسي عن قلقه إزاء الأعمال التخريبية التي تقوم بها قوات الدعم السريع في جنوب السودان، وأعرب عن رفض بلاده لمحاولات تشكيل هياكل سلطة موازية، وقال: “لا ينبغي التشكيك في شرعية الحكومة الحالية في السودان”.
رؤية حكومة بورتسودان
وطرح رئيس وزراء حكومة بورتسودان، كامل إدريس، خلال الجلسة رؤية حكومته لإحلال السلام تتضمن وقف إطلاق النار – تحت رقابة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية- مقروناً بانسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي تسيطر عليها، ونزع سلاحها تحت رقابة دولية، وإعادة دمج المقاتلين، وعودة النازحين، وإنفاذ حزمة كاملة من تدابير بناء الثقة، وإطلاق حوار سوداني داخلي للتحول الديمقراطي، وتحقيق عدالة شاملة، مشيراً إلى أن المبادرة تستند الى مبادئ القانون الدولي وتتكامل مع المبادرة السعودية -الأمريكية وتقوم على مبدأ الملكية الوطنية لصناعة السلام. وحث المجلس على أن يمنح السودان “اهتمامه الكامل ودعمه التام”.
أعقبه مندوب تركيا قائلاً: “يجب ألا يُسمح للسودان بأن يختفي من دائرة الاهتمام العالمي.” وفي معرض تفصيله لدعم بلاده، أشار إلى استئناف العمليات المصرفية، واستئناف الرحلات الجوية بين إسطنبول وبورتسودان، والحفاظ على التمثيل الدبلوماسي، ووجود مستشفى تركي في مدينة نيالا، وشحن أطنان من المساعدات. وقال ممثل مصر إن بلاده فتحت أبوابها للمواطنين الفارين من الصراع وتقدم المساعدات الإنسانية.
ثم تحدث مندوب دولة الإمارات العربية المتحدة رافضاً الاتهامات الموجهة ضد بلاده. وقال: “هناك حقيقة واضحة وسط ضباب الحرب”، وهي أن “كلا الطرفين ارتكبا جرائم حرب.” وشدد على أن المجتمع الدولي يجب ألا يقف مكتوف الأيدي بينما تولّد هذه الحرب الأهلية المستمرة مخاطر امتداد إلى جيران السودان، مضيفاً أن الطريق إلى الأمام يجب أن يمنع الجماعات المتطرفة العنيفة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين من الحصول على المساحة والموارد والشرعية. وأكد قائلاً: “لا يمكن معالجة الأسباب الجذرية لهذا الصراع إلا من خلال حكومة مستقلة يقودها المدنيون”، واصفاً العملية الرباعية التي تقودها الولايات المتحدة بأنها “الإطار الأكثر جدوى” لتحقيق ذلك.