الدبلوماسية وحقوق الإنسان (4/5) دبلوماسية الدعم السريع: الاعتراف، الشرعية، ووهم التمثيل

الدبلوماسية وحقوق الإنسان (4/5)

دبلوماسية الدعم السريع: الاعتراف، الشرعية، ووهم التمثيل

لطالما تشكّلت الدبلوماسية السودانية تحت تأثير الضغوط الإقليمية وتقلّبات التحالفات الدولية، وفهم علاقات السودان الخارجية يظلّ مدخلاً أساسياً لاستيعاب مساره السياسي الراهن، فيما أضفت المنافسة الدبلوماسية الراهنة بين طرفي الحكم من مجرمي الحرب بُعدًا جديدًا على توجهات السودان الدبلوماسية وحساباته الخارجية. وبينما تناولنا في المقالات السابقة بعض القضايا المتصلة بدبلوماسية بورتسودان، نُحوِّل هنا اهتمامنا إلى حكومة الدعم السريع ودورها في هذا المشهد الدبلوماسي المتغيّر.

 

مقدمة: حين تتحول الدبلوماسية إلى امتداد للجريمة

كما أوضحتُ في أول مقال لي في هذه الصحيفة، فإن كلاً من القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF) تقودهما شخصيات متورطة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية منذ أكثر من عشرين عاماً، وإلى اليوم. ومن ثمّ، فإن الدبلوماسية التي تصدر عنهما — من حيث الجوهر، لا الشكل — هي دبلوماسية أنظمة إجرامية فاقدة للشرعية الجماهيرية، لا علاقة لها بمصالح الدولة السودانية ولا بحقوق شعبها. فالدبلوماسية، في هذا السياق، لا تُستخدم لحماية السيادة أو تأمين السلام، بل تتحول إلى أداة لتبرير العنف، وتبييض الجرائم، وإعادة تدوير مجرمي الحرب في الفضاء الدولي.

وخلال المقالات الثلاثة السابقة حول الدبلوماسية السودانية، انصبّ التحليل على ما يمكن تسميته بـ”الدبلوماسية السودانية الرسمية” التي قد تكون أكثر ارتباطاً بحكومة بورتسودان الإسلاموعسكرية.

 

أما هذا المقال، فيتناول مساراً موازياً لا يقل خطورة: محاولات قوات الدعم السريع، عبر ما يُعرف بـ”حكومة تأسيس”، إنتاج خطاب وممارسة دبلوماسية خاصة بها، تسعى إلى انتزاع اعتراف خارجي، أو في الحد الأدنى، إرباك المفاهيم القانونية المتعلقة بالشرعية والتمثيل.

 

أولاً: الاعتراف بالحكومات – الإطار القانوني العام

في القانون الدولي، يُقصد بالاعتراف بالحكومة إقرار دولة أو مجموعة دول بأن سلطة معينة تمثل الدولة المعنية وقادرة على التحدث باسمها في العلاقات الدولية. غير أن الاعتراف بالحكومات يظل:

  • قراراً سياسياً تقديرياً،
  • لا يُنشئ شرعية شعبية،
  • ولا يمنح الاعتراف بالحكومات، أو عدمه، حصانة من المساءلة الجنائية الدولية.

ومن المهم التمييز بين الاعتراف بالدولة — وهو غير محل نزاع في الحالة السودانية — وبين الاعتراف بالحكومة، وهو جوهر الإشكال القائم اليوم. فالدولة السودانية قائمة قانوناً، لكن النزاع يدور حول من يمثِّلها، وبأي صفة، وعلى أي أساس.

 

ثانياً: الفرق بينde jure (بحكم القانون) وde facto (بحكم الأمر الواقع) أو كما يتداول في الكتابات السودانية “حكومة الأمر الواقع”– تصحيح الالتباس الشائع:

في النقاش العام، خصوصاً داخل الأوساط المدنية والمعارضة، شاع وصف حكومة بورتسودان بأنها (حكومة الأمر الواقع de facto)، غالباً بقصد النيل من شرعيتها السياسية والأخلاقية بوصفها نظاماً إسلاموعسكرياً معادياً لثورة ديسمبر. وعلى الرغم من أن الدوافع وراء هذا الاستخدام مفهومة، إلا أن الوصف ذاته غير دقيق من منظور القانون الدولي، ويؤدي إلى خلط مفاهيمي خطير.

في القانون الدولي، يُميَّز بوضوح بين:

  • الحكومة بحكم القانون: (de jure) وهي الحكومة التي تُعدّ الممثل الرسمي للدولة في العلاقات الدولية، وتشغل مقعدها في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وتُخاطَب بوصفها حاملة السيادة الخارجية، حتى وإن فقدت السيطرة الفعلية على أجزاء من الإقليم، أو كانت فاقدة للشرعية الأخلاقية والشعبية، كما هو الحال بالنسبة لطغمة بورتسودان العسكروإسلاموية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مقدرة حكومة بورتسودان في التمثيل الرسمي للدولة قد تفقد الكثير من الفعالية نتيجة للانقلاب على الحكومة الشرعية، كما هو الحال بالنسبة لممارسة حقوق العضوية في الاتحاد الإفريقي ولكن تبقى حصرية إلى حالة نشوء حكم شرعي.
  • الحكومة بحكم الأمر الواقع (de facto): وهي سلطة تفرض سيطرة فعلية ومستقرة على إقليم وسكان، وتدير شؤون الحكم بصورة منتظمة، بغضّ النظر عن الاعتراف الدولي أو الشرعية الشعبية، وكمن سنبين لاحقاً فإن ذلك الوصف قد ينطبق على حكومة الدعم السريع أو م اتسمى بـ”حكومة تأسيس”.

وبهذا المعنى الدقيق، فإن حكومة بورتسودان — مهما بلغ افتقارها للشرعية الشعبية والثورية — لا تزال حتى اللحظة حكومة بحكم القانون (de jure)، وهي التي تمثل السودان خارجياً وفقاً للقانون الدولي، ورغم خوائها الأخلاقي وعدم شرعيتها بمقياس ثورة ديسمبر المجيدة. وصفها بأنها  (de facto) لا ينزع عنها هذا الواقع القانوني، بل يخلط بين الشرعية السياسية والتوصيف القانوني الدولي، ويُضعف الخطاب المدني بدلاً من تقويته.

 

ثالثاً: حكومة الدعم السريع (أو كما تسمى “تأسيس”) – اقتراب متزايد من توصيف حكومة الأمر الواقع

المفارقة الأساسية أن توصيف حكومة الأمر الواقع ينطبق، بصورة تدريجية متزايدة، على الكيان الذي تسعى قوات الدعم السريع إلى بنائه عبر ما يُعرف بـ”حكومة تأسيس”. فكلما وسّعت قوات الدعم السريع نطاق سيطرتها الميدانية، وأنشأت هياكل إدارية موازية، وأدارت موارد وأقاليم وسكاناً بصورة مستقلة، اقترب وضعها — من منظور القانون الدولي الصرف — من توصيف سلطة الأمر الواقع (de facto)، حتى في غياب أي اعتراف رسمي أو شرعية شعبية. وحال الدعم السريع في هذه الحالة هو حال جماعة الحوثي في اليمن. سأعود لهذا الموضوع في كتاباتي المستقبلية عن المقاربة بين حالتي السودان واليمن.

ويُلاحظ في هذا السياق أن قوات الدعم السريع تمتلك شبكات نشطة نسبياً، خاصة في أوروبا، تضم أفراداً ذوي قدرات لغوية عالية وحضور كثيف في وسائل التواصل الاجتماعي. غير أن هذا النشاط، على كثافته، لم يترجم إلى اختراق دبلوماسي حقيقي، لا سيما بعد الفظائع الأخيرة في الفاشر، التي أعادت تذكير المجتمع الدولي بالطبيعة الإجرامية لهذه القوات. هذا بجانب تبني بعض منتسبيها بالخارج لخطاب الدعوة إلى ارتكاب المزيد من جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. كما أشارت جريدة الغارديان اللندنية إلى أنشطة عبدالمنعم الربيع من بينها القيام بوظيفة أحد أبواق طغمة الدعم السريع بالخارج (propogandist). وكان المذكور قد ظهر في أحد مقاطع الفيديو مع أحد كبار مجرمي الحرب من الدعم السريع (أبو لولو) وهو يشجعه على القتل العشوائي للمدنيين وأسرى الحرب وينصحه في نفس الوقت على تجنب التصوير والظهور الإعلامي أثناء ارتكابه الجرائم.

 

رابعاً: de facto لا تعني شرعية – بل تعني مسؤولية

من الضروري التأكيد على أن توصيف سلطة ما بوصفها بحكومة الأمر الواقع (de facto) لا يمنحها أي شرعية سياسية أو قبول دولي. بل على العكس تماماً، يرفع من مستوى مسؤوليتها القانونية. فالسلطات (de facto)، وفق قواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، تُعدّ مسؤولة مسؤولية مباشرة عن السكان الواقعين تحت سيطرتها. ويجب أن لا ننسى أن سلطتي مجرمي الحرب تحتجز في سجونهما أعداداً مهولة من المدنيين والصحفيين وشباب ثورة ديسمبر سواء كانت هذه السجون في نيالا أو الفاشر أو بورتسودان أو العاصمة المثلثة أو القضارف، كما حصل في غضون الأيام القليلة السابقة في القضارف وأماكن أخرى وفي عشية ذكرى ثورة ديسمبر المجيدة. بمعنى آخر فإن “ركبتي بعير” مجرمي الحرب في السودان ما تزالان تدعسان شباب الثورة وشريفات وشرفاء السودان.

 

تشمل مسؤوليات “حكومة الأمر الواقع”:

  • الامتناع عن ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؛
  • حماية المدنيين وضمان الحد الأدنى من الأمن والنظام العام؛
  • الالتزام بمبادئ العدالة وسيادة حكم القانون بما في ذلك إيقاف الاعتقالات التعسفية والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون.
  • تيسير وصول المساعدات الإنسانية وعدم عرقلتها؛
  • وتحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن الانتهاكات الجسيمة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وعليه، فإن سعي الدعم السريع إلى تكريس وضع (de facto) لا يخفف من عبء المساءلة، بل يزيده ثقلاً. فكلما اقتربت من الحكم، اقتربت من المحاسبة. وكلما انتقلت من مليشيا متحركة إلى سلطة أمر واقع، ضاق هامش الإنكار واتسعت دائرة المسؤولية الجنائية والسياسية والأخلاقية.

 

خامساً: لماذا ستستمر حكومة بورتسودان في تمثيل السودان رسمياً؟

رغم هشاشتها الأخلاقية وارتهانها لمجرمي النظام البائد وفقدانها الشرعية الشعبية، ستستمر حكومة بورتسودان في تمثيل السودان خارجياً، لأنها:

  • الحكومة بحكم القانون (de jure) المعترف بها قانونياً؛
  • تشغل مقعد السودان في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية الأخرى؛
  • وتُخاطَب باعتبارها حاملة السيادة الخارجية.

والسبب في ذلك ليس قوة هذه الحكومة أو مشروعيتها، بل حقيقة أن:

القانون الدولي يفضّل الاستمرارية المؤسسية على الفوضى، حتى عندما تكون تلك الاستمرارية غير ديمقراطية ودموية وفاسدة، كما هو الحال بالنسبة للطغمة العسكروإسلامية في بورتسودان.

 

سادساً: حكومة الدعم السريع والبحث عن الاعتراف – نشاط بلا صفة قانونية

رغم الاستقبالات المتكررة لممثلي حكومة الدعم السريع في دول مثل الإمارات وكينيا وإثيوبيا، لا توجد حتى الآن:

  • أي دولة أعلنت اعترافاً رسمياً (أو علنياً) بحكومتهم حتى ولو من باب الأمر الواقع؛
  • ليس هنالك أي تمثيل قانوني لها في الأمم المتحدة أو المنابر الدولية والإقليمية الأخرى؛
  • أو أي وضع دبلوماسي معتمد.

هذه اللقاءات تظل ذات طابع أمني أو استخباراتي، أو محاولات ضغط غير رسمية، ولا ترقى بأي حال إلى اعتراف دبلوماسي. وهي تعكس استعداد بعض الدول للتعامل البراغماتي مع الوقائع، لا قبولاً سياسياً أو أخلاقياً. هذا على الرغم من بعض النجاحات الدبلوماسية التي حققها الدعم السريع خلال العام الأول من الحرب بما في ذلك زيارات حميدتي إلى دول منها إثيوبيا ويوغندا وكينيا ورواندا واستقباله من رؤساء هذه الدول. وأيضاً ذهاب الدعم السريع إلى جنيف وتخلف حكومة العسكروإسلاميين عن الحضور. والملاحظ أيضاً تبني الدعم السريع سياسة قبول (من باب السخرية cynically) المبادرات الدولية، مثل وقف إطلاق النار… إلخ… بطريقة أحادية استناداً على سياسة الغباء والرفض الدائم والتي تبنتها طغمة بورتسودان. اعتماد الدعم السريع على التمويل الأجنبي واستعانته بالمرتزقة الأجانب كمجموعة فاغنر والكولومبيين والتعامل مع شركات عابرة للبحار (كما ورد في تقرير صحيفة الغارديان في الأيام القليلة الماضية) يشكل عاملاً كبيراً في إضافة مقدراته كفاعل دبلوماسي.

 

سابعاً: ممثل حكومة الدعم السريع في نيويورك – حدود الدور والفعالية

تعيين “ممثل” لحكومة الدعم السريع في نيويورك لا يمنحه أي صفة قانونية، ولا يتيح له الجلوس في الأمم المتحدة أو التحدث باسم السودان. اعتقد أن هذا التعيين محاولة بائسة للحصول على شيء من الاحترام أو الاعتراف الأدبي من المجتمع الدولي. ويقتصر دوره على التواصل غير الرسمي، والضغط الإعلامي، ومحاولة إرباك المشهد الدولي. وهو أقرب إلى نشاط لوبي سياسي لجماعة مسلحة، لا تمثيل دبلوماسي لدولة. من المهم التذكير بأن هذا الممثل في الغالب لن يتمكن من الدخول للولايات المتحدة في الوقت الراهن إلا إذا كان مواطناً أمريكياً أو من حملة القرين كارد. وطبعاً إذا كان مواطناً فلن يتمتع مواطن بأي حصانات دبلوماسية في بلاده وقد يخضع لضوابط قانونية قد تحد أكثر من نشاطه مثل العمل من أجل مصالح حكومة أجنبية أو ما يعرف باللغة الإنجليزية بـ(FARA).

 

ثامناً: الفاشر، الجرائم، والارتداد الدبلوماسي

شكّلت الفظائع الأخيرة في الفاشر نقطة ارتداد حاسمة. فقد:

  • أعادت تسليط الضوء على الطبيعة الإجرامية للدعم السريع؛
  • قوّضت أي محاولة لتقديمها كبديل مدني؛
  • وأضعفت قدرتها على تحقيق اختراق دبلوماسي، رغم نشاطها الإعلامي وشبكاتها الخارجية.

فالظهور المكثف في وسائل التواصل الاجتماعي لا يعوّض عن سجل حافل بالانتهاكات، ولا يمكن أن يصنع شرعية أو احتراماً دولياً، ولن تنفع الدعم السريع مسرحية حميدتي الخاصة بتشكيل لجنة التحقيق الخاصة بأحداث الفاشر والتي خلصت في النهاية إلى اتهام البرهان بارتكاب مجازر الفاشر.

 

تاسعاً: سمعة دولية ملوثة منذ 2003

منذ الإبادة الأولى في دارفور عام 2003، مروراً بقمع الثورة في 2019، والانقلاب في 2021، والحرب الحالية، تشترك الحكومتان الحاليتان في سجل إجرامي واحد. وهذا يجعل أي خطاب دبلوماسي يصدر عنهما فاقداً للمصداقية، مهما تغيّرت التسميات أو الشعارات.

 

الخاتمة: بحكم القانون وبحكم الأمر الواقع — ولا شرعية لأحد

لا حكومة بورتسودان الإسلاموعسكرية، ولا حكومة RSF المزعومة تملكان شرعية شعبية. الأولى قد تستند إلى توصيف (de jure) بحكم القانون، والثانية تقترب من توصيف (de facto) بحكم الأمر الواقع، لكن أياً من التوصيفين لا يمنح شرعية ثورية او شعبية او سياسية أو أخلاقية.

في نهاية المطاف، السياسة الخارجية ليست سوى مرآة الداخل.

والداخل تحكمه البنادق والجرائم، لا يمكن لركبتي البعير (كما قال عمر الدقير) أن تُنتج دبلوماسية تحظى بالاحترام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *