حكومة أرض الصومال وحكومة (تأسيس) في غرب السودان

حكومة أرض الصومال وحكومة (تأسيس) في غرب السودان

“مقاربات التكوين، ومخاوف الانفصال”

د.محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

(1)

ما بين القلق المشروع والقياس الملتبس

يعيد التداول والجدال الإقليمي والدولي حول اعتراف إسرائيل بحكومة أرض الصومال، ويفتح نقاشات أوسع حول دلالات الاعتراف الجزئي بالكيانات غير المعترف بها دولياً، وما إذا كان ذلك قد يشكل سابقة قابلة للتوظيف في سياقات أخرى مضطربة، وعلى رأسها السودان.

يبرز هذا النقاش (القلق) بالتزامن مشاريع سياسية–عسكرية داخل السودان، من بينها ما يُعرف بـ”حكومة تأسيس” في غرب البلاد، الأمر الذي غذّى مخاوف من أن يقود هذا التوازي الزمني إلى شرعنة مسارات انفصالية، أو إلى إعادة تعريف حدود الدولة الوطنية السودانية.

غير أن هذا القلق، على أهميته، يستدعي مقاربة تحليلية أكثر اتزاناً، تفرق بين التشابه الظاهري والاختلاف البنيوي، وتفصل بين منطق الخوف السياسي ومنطق التحليل المقارن، فليس كل اعتراف محتمل بكيان غير معترف به دولياً يعني بالضرورة فتح الباب أمام إعادة إنتاج التجربة في سياقات مغايرة.

 

(2)

سياقات التكوين واختلاف البدايات

1/ تكوين أرض الصومال: نتاجاً لفراغ الدولة

 

نشأت أرض الصومال في سياق انهيار كامل للدولة الصومالية المركزية مطلع تسعينيات القرن الماضي. وقد مثّل هذا الانهيار لحظة انقطاع جذري في السلطة، ما أتاح للنخب المحلية والعشائرية أن تتقدم لملء الفراغ، ليس بوصفها قوة متمردة على دولة قائمة، بل كبديل اضطراري لدولة غائبة.

هذا السياق أفرز عدداً من الخصائص: غياب سلطة مركزية تنازع الكيان الناشئ شرعيته، تحوّل التوافق الاجتماعي إلى أداة أساسية للحكم، وبناء مؤسسات محلية تدريجية حافظت على قدر من الاستقرار.

2/ تكوين حكومة غرب السودان: مشروع في قلب الصراع على الدولة

 

في المقابل، يتشكّل مشروع حكومة “تأسيس” في غرب السودان، داخل دولة ما زالت قائمة قانونياً، رغم ضعفها وانقسامها، وهو مشروع مرتبط مباشرة بمليشيا مسلحة نشأت داخل بنية الدولة نفسها، ثم انقلبت عليها في سياق صراع دموي مفتوح.

هنا، لا يوجد فراغ دولة بالمعنى الكلاسيكي، بل تنازع عنيف على السلطة ما يجعل أي كيان منبثق عن هذا الصراع جزءًا من الأزمة، لا حلاً لها.

 

(3)

تباين الشرعية بين القبول الاجتماعي والقسرية المسلحة

1/ الشرعية النسبية في أرض الصومال

 

رغم غياب الاعتراف الدولي، استطاعت أرض الصومال أن تبني شكلاً من الشرعية الداخلية، قائماً على: القبول النسبي من المجتمع المحلي، وانتظام الحياة السياسية بدرجات متفاوتة، وتقديم نفسها كبديل للاستقرار في محيط مضطرب.

هذه الشرعية لا تجعلها دولة مكتملة الأركان، لكنها تفسر سبب تعامل المجتمع الدولي معها بوصفها، (حالة خاصة).

2/ أزمة الشرعية في مشروع “تأسيس” في غرب السودان

 

أما في حالة الدعم السريع، فإن السيطرة على الأرض لا تقابلها شرعية اجتماعية موازية. فوجود المليشيا في مناطق واسعة من دارفور وغرب السودان يرتبط، في الوعي الجمعي، بالخوف والانتهاكات لا بالتفويض الشعبي.

وبالتالي، فإن أي حديث عن كيان سياسي مستقر يصطدم بأزمة شرعية بنيوية، لا يمكن تجاوزها عبر الخطاب السياسي أو الدعم الخارجي.

 

(4)

الاعتراف الدولي وحدود البراغماتية

غالباً ما يُساء فهم الاعتراف الدولي باعتباره عملية تقنية أو سياسية بحتة، بينما هو في الواقع (تقدير مركب) يشمل: السياق القانوني، والكلفة الأخلاقية، والتداعيات الإقليمية.

حتى في حالة أرض الصومال، فإن أي اعتراف محتمل – بما فيه الاعتراف الإسرائيلي – يبقى اعترافاً جزئياً لا يرقى إلى إجماع دولي، ولا يغير من موقف المنظمات الدولية الأساسية.

أما الاعتراف بكيان ناتج عن مليشيا متهمة بجرائم واسعة داخل دولة قائمة، فيحمل كلفة أعلى بكثير، ويصطدم بخطوط حمراء في النظام الدولي، حتى لدى الدول الأكثر براغماتية.

 

(5)

مخاوف الانفصال وإعادة ضبط النقاشات

من المهم جداً هنا التمييز بين (الخوف من التفكك) بوصفه شعوراً سياسياً مشروعاً، و(حتمية التفكك) بوصفها نتيجة تحليلية.

فالتحليل المقارن يذهب الى أن اختلاف سياقات التكوين لا يؤدي بالضرورة إلى النتائج نفسها. فغياب الشروط التي سمحت لأرض الصومال بالبقاء ككيان أمر واقع يقلل من احتمالات تكرار السيناريو في السودان، لا العكس.

وبذلك، فإن استدعاء نموذج أرض الصومال في الحالة السودانية يعكس في كثير من الأحيان (قلقاً من الداخل) أكثر مما يعكس تهديداً خارجياً قابلاً للتحقق.

 

(6)

المقاربة الأكثر طمأنينة وواقعية إعادة توجيه النقاشات

لا يعني ما سبق التقليل من خطورة الأزمة السودانية، أو الاستهانة بمخاطر التشظي، بل يعني إعادة توجيه النقاش نحو: جذور الأزمة الوطنية، أزمة الدولة والشرعية، والحاجة إلى مشروع سياسي جامع يعيد تعريف العلاقة بين المركز والهامش.

إن التركيز المفرط على سيناريوهات الانفصال، دون معالجة هذه الجذور، قد يتحول من أداة تحذير إلى عامل إعادة إنتاج للخوف.

 

(7)

خلاصة: ضمانة استعادة السياسة من قبضة السلاح

يخلص هذا المقال إلى أن المقارنة بين حكومة أرض الصومال ومشروع “تأسيس” في غرب السودان، رغم حضورها القوي في الخطاب السياسي، تفتقر إلى الأسس التحليلية الصلبة.

فالاختلاف في سياقات النشأة، وأطر الشرعية، وحدود الاعتراف الدولي، يجعل من غير المرجح أن يقود المساران إلى النتيجة نفسها.

وعليه، فإن تهدئة مخاوف الانفصال لا تتحقق بإنكارها، ولا بتضخيم النماذج الخارجية، بل بترسيخ قناعة تحليلية مفادها أن تفكيك الدولة ليس قدراً محتوماً، وأن استعادة السياسة من قبضة السلاح تظل الخيار الأكثر واقعية لضمان وحدة السودان واستقراره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *