المراوغة في المنطقة المحرّمة: بورتسودان بين الرباعية والإسلاميين
د.عصام عباس

في الوقت الذي كان ينتظر فيه المجتمع الدولي إشارة إيجابية من حكومة بورتسودان تجاه ما أعلنته دول الرباعية في بيانها الصادر في سبتمبر 2025 حول مبادئ وأسس إنهاء الأزمة السودانية، فاجأت الحكومة الرأي العام بإعلان مبادرة موازية تحت عنوان “إحلال السلام في السودان”. هذه الخطوة لم تكن مجرد اختلاف في التوقيت أو الصياغة، بل أعادت طرح السؤال الجوهري الذي ظل يطارد الدولة السودانية منذ الاستقلال: من يحكم؟ وبأي شرعية؟ ومن يحتكر السلاح؟.
جوهر مبادرة حكومة بورتسودان التي أعلنها كامل ادريس يقوم على افتراض اختزالي مفاده أن الأزمة السودانية تتمحور أساساً حول وجود مليشيا الدعم السريع، وأن تفكيكها ونزع سلاحها يشكّل المدخل الضروري لتحقيق السلام والاستقرار. غير أن هذا التصور، رغم ما فيه من منطق أمني مباشر، يتجاهل عمداً أن الحرب الراهنة ليست حدثاً معزولاً، بل نتيجة تاريخ طويل من الفشل البنيوي للدولة. وهو فشل تغذّى على ثلاثة عوامل مترابطة: سوء نظم الحكم، وتعدد الجيوش، والهيمنة الثقافية. إن القفز فوق هذه العوامل لا يعني تجاوزها فقط، بل يعني إعادة إنتاج الأزمة في صيغة جديدة.
أولاً: سوء نظم الحكم
ارتبط العنف وعدم الاستقرار في السودان ارتباطاً عضوياً بسوء نظم الحكم. فقد أخفقت الدولة منذ الاستقلال في بناء مؤسسات سياسية شاملة وقابلة للمساءلة. وبدلاً من ذلك، ترسّخت أنماط حكم مركزية سلطوية قامت على الإقصاء، وتسييس أجهزة الدولة، وعسكرة الفضاء العام. هذا الخلل البنيوي حوّل السلطة إلى غنيمة تُدار عبر شبكات الولاء العسكري والقبلي والحزبي، لا عبر التفويض الشعبي أو سيادة حكم القانون، ما أدى إلى تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.
ومع غياب اللامركزية الحقيقية، اشتعلت نيران التمرد والعصيان في الأطراف جراء سياسات التهميش وعدم التوازن التنموي، فتحوّل العنف إلى وسيلة تفاوض بديلة عن السياسة. كما أسهم التداخل المزمن بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية في إضعاف الحياة الحزبية وإجهاض كل محاولات الانتقال الديمقراطي. وبدلاً من معالجة جذور النزاعات عبر إصلاح الحكم، لجأت النخب الحاكمة إلى إدارة الأزمات بالقوة أو التسويات المؤقتة، ما راكم مظالم تاريخية وأعاد إنتاج الصراع في دورات متعاقبة. بهذا المعنى، لم يكن سوء الحكم مجرد إخفاق إداري، بل منظومة متكاملة أعادت هندسة العنف بوصفه أداة للحكم والاستمرار.

ثانياً: تعدد الجيوش
لم تندلع الحرب الحالية بوصفها نتيجة مباشرة لوجود مليشيا الدعم السريع وحدها، بل جاءت كتعبير عن فشل متراكم تمثّل في عسكرة السياسة وتسييس المؤسسة العسكرية، وما صاحبه من تفكيك ممنهج لاحتكار الدولة المشروع للعنف. فعلى مدى سنوات، جرى إنتاج وتطبيع وجود قوى مسلحة متعددة تعمل خارج إطار الجيش القومي الواحد، فتحوّل السلاح إلى أداة تفاوض سياسي وإدارة صراع.
إلى جانب الدعم السريع، برزت تشكيلات مسلحة أخرى، مثل القوات المشتركة، وقوات قبلية جرى تسليحها وتنظيمها تحت قيادات محلية كقوات كيكل والأمين داوود وموسى هلال وغيرهم، فضلًا عن كتائب الإسلاميين التي تنشط في ظل تسامح رسمي واضح، والحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو التي تفرض سيطرة فعلية على أراضٍ واسعة خارج سلطة الدولة المركزية، وجيش تحرير السودان جناح عبد الواحد النور الذي يهيمن ويتحكم على مساحات كبيرة في ولاية وسط دارفور واجزاء من شمالها، وما تزال عملية إنتاج وتفريخ الجيوش الموازية مستمرة.
هذا التعدد غير المنضبط لمراكز القوة المسلحة قوّض وحدة القرار السيادي، وأفرغ مفهوم الجيش الوطني من مضمونه، وجعل الدولة نفسها طرفًا ضمن أطراف مسلحة متنافسة. إن تجاهل هذه البنية المركّبة في أي مبادرة سلام لا يؤدي إلى حلّها، بل إلى ترحيل الأزمة وإعادة إنتاجها في أشكال أكثر تعقيدًا.
ثالثاً: الهيمنة الثقافية
لا يمكن فهم تأجيج الصراع في السودان بمعزل عن الهيمنة الثقافية بوصفها آلية بنيوية لإنتاج اللامساواة وإعادة تعريف “المركز” و”الهامش”. فمنذ تشكّل الدولة الحديثة، جرى تكريس نموذج ثقافي أحادي قدّم نفسه باعتباره الهوية الوطنية الجامعة، بينما همّش بصورة منهجية التعدد اللغوي والإثني والتاريخي للسودان.
تجلّت هذه الهيمنة في المناهج التعليمية والإعلام الرسمي وبناء السرديات التاريخية، حيث أُعيد ترتيب الذاكرة الوطنية على نحو أقصى تجارب وأصوات مجتمعات واسعة. لماذا غابت بطولات المساليت في غرب دارفور وهم يصدّون العدوان الفرنسي في كريندق ودروتي؟ وأين ثورة كنتيباي ورايات الاستقلال التي رفعتها؟ ولماذا لا تجد ثورات النوبة المتعددة ضد الاستعمار البريطاني موقعها الطبيعي في ذاكرة أجيالنا، حتى بات معظم صغارنا يجهلون تلك التضحيات الجسام؟.
مارست الدولة إقصاءً ثقافيًا واسعًا ضد معظم الثقافات الإفريقية واللادينية لصالح ثقافة عربية-إسلامية مهيمنة، ما خلق أرضية خصبة للعنف. فمن قال إن الثقافة الغنائية السودانية تختزل في “الحقيبة”، مع تجاهل متعمّد لثقافة الإنقسا، وعظمة الوازا، وتراجع الواندوب، وترانيم البجا، وإجبار الأغنية النوبية على مجاراة فن مفروض قسرًا؟ حتى مكتبة الإذاعة، قبل أن يطالها الخراب، كانت تعجّ بتراث الوسط والشمال، بينما شكل التراث الدارفوري والبجاوي والنوباوي حضوراً هامشياً. هذا الإقصاء الرمزي العميق أسهم في تحويل الاختلاف الثقافي إلى وقود للصراع.
الرباعية: مقاربة بديلة
في مقابل هذه المقاربة الحكومية الاختزالية، يعكس بيان الرباعية الدولية فهمًا أكثر عمقًا لطبيعة الأزمة السودانية. فهو لا يختزل الصراع في معادلة أمنية صفرية، بل ينطلق من رؤية سياسية ومؤسسية تبدأ بوقف شامل لإطلاق النار بوصفه شرطًا إنسانيًا وسياسيًا لا غنى عنه، ثم الانتقال إلى عملية سياسية سودانية واسعة تقود إلى إصلاح جذري للمؤسسة العسكرية والأمنية.
هذا الإصلاح لا يُفهم كإجراء فني أو إداري، بل كعملية سياسية تهدف إلى بناء جيش مهني قومي واحد يحتكر القوة الشرعية وينهي نهائيًا ظاهرة تعدد الجيوش والولاءات المسلحة.
الفارق الجوهري بين مبادرة بورتسودان ومبادرة الرباعية لا يكمن فقط في ترتيب الأولويات، بل في الفلسفة التي تحكم تصور كل طرف لطبيعة الدولة: فبينما تنطلق الأولى من إعادة ترتيب القوة العسكرية لصالح الجيش وحلفائه، تنطلق الثانية من منطق إعادة تأسيس الدولة على أسس مدنية ومؤسسية شاملة.
سياسيًا، يعكس ذهاب الحكومة إلى مجلس الأمن سعيًا لاكتساب شرعية دولية، لكنه في الوقت نفسه وضعها في مواجهة رؤية دولية أوسع ترى أن السلام في السودان لا يمكن أن يتحقق عبر إجراءات أحادية أو شرعنة واقع عسكري قائم. وقد ظهر ذلك بوضوح في مداخلات أعضاء مجلس الأمن خلال الجلسة التي عُقدت بطلب من السودان. لذلك تبدو فرص تبنّي المجتمع الدولي لمبادرة الحكومة محدودة ما لم تُدخل عليها تعديلات جوهرية تجعلها متسقة مع رؤية الرباعية.
خاتمة
ما يعزّز الشكوك حول جدّية بورتسودان في السلام ليس فقط قصور مبادرتها من حيث المضمون، بل السلوك السياسي المصاحب لها. فطرح مبادرة موازية عبر رئيس الوزراء لم يكن فعلًا تكميلياً أو تفاوضياً، بل مثّل عملياً رفضاً سياسياً غير معلن لمبادرة الرباعية ومحاولةً للالتفاف عليها. وقد تزامن ذلك مع إطلاق حملة رفض واسعة، جرى تسويقها باعتبارها “موقفاً شعبيًا”، بينما تقودها في الواقع دوائر موالية لبورتسودان، يتصدرها الإسلاميون، وحلفاء الجيش من بعض حركات دارفور المسلحة، إلى جانب قطاعات من رجالات الإدارة الأهلية التي أُعيد توظيفها سياسياً في هذا السياق.
الأخطر من ذلك أن هذا الرفض لم يترافق مع انخراط جاد أو شفّاف في النقاط التي طرحتها الرباعية، سواء ما يتصل بوقف شامل لإطلاق النار، أو بإصلاح القطاع الأمني والعسكري، أو بالسيطرة على النشاط الإسلاموى الإرهابي، أو بإطلاق عملية سياسية سودانية ذات مصداقية. فحتى الآن، لم تقدّم الحكومة للرأي العام تفسيراً واضحاً لموقفها، ولم تطرح تحفظاتها – إن وُجدت – في إطار سياسي مسؤول، بل اكتفت بتعبئة خطابية ترفض المبادرة في مجملها دون تفكيكها أو مناقشتها بنداً بنداً.
وهنا تبرز تساؤلات مشروعة لا يمكن تجاوزها: لماذا ترفض بورتسودان مبادرة الرباعية؟ ما الذي تراه تهديداً في مقاربة تربط السلام بإعادة بناء الدولة وإصلاح المؤسسة العسكرية وإنهاء تعدد الجيوش؟ وما هي التحفظات الحقيقية التي تعتقد الحكومة أنها منطقية وقابلة للدفاع عنها أمام الشعب السوداني والمجتمع الدولي؟ هل يكمن الاعتراض في مضمون المبادرة؟، أم في ما تفرضه من استحقاقات سياسية تمسّ بنية السلطة القائمة وتحالفاتها العسكرية والأيديولوجية؟.
إن استمرار هذا الغموض، مقروناً بحملات الرفض غير الرسمية والانكفاء عن الحوار الجاد، لا يخدم إلا إطالة أمد الحرب وتعميق عزلة السودان. فالمسؤولية السياسية تقتضي إما الانخراط الجاد في مبادرة الرباعية والعمل على تطويرها من الداخل، أو طرح بديل وطني شامل يعالج جذور الأزمة بوضوح وشجاعة. أما الاكتفاء بالمراوغة في “المنطقة المحرّمة” بين الرفض الضمني والقبول الخطابي، فلن يقود إلا إلى إعادة إنتاج الفشل ذاته، بثمن أفدح يدفعه السودانيون من دمائهم ومستقبل دولتهم.