من الفن للهتاف: مقاومة بلا أسلحة
أماني أبوسليم
من الملاحظ أنه رغم حالة الحرب وتداعياتها، تشهد مناطق تجمع السودانيين خارج السودان، والمناطق التي لا تشهد معارك داخل البلاد، نشاطًا فنيًا وغنائيًا ملحوظًا، مما يثير استغراب الكثيرين. كيف لأناس تعيش بلادهم بين المعارك والقصف الجوي أن يتحملوا الغناء والرقص والطرب؟ هل يمكن أن يكون هذا طبيعيًا، وهل من الظلم الحكم عليهم بعدم المبالاة أو حبهم للهو؟
بنفس القدر، لا يواجه تشجيع فرق كرة القدم نفس النقد، رغم ما يتضمنه من رقص وغناء ومتابعة حماسية عن بعد، رغم أنه يبدو في مجمله لهوًا وانفصالًا عن حالة الحرب.
هل يمكن أن يكون الغناء والرقص، بالإضافة إلى تشجيع الكرة، طرقًا من المقاومة النفسية والثقافية في مواجهة الحرب؟.
التجارب المشتركة للشعوب في الحروب، وما تشير إليه العلوم الإنسانية حول آليات مقاومة الصدمة، تؤكد أن جسد من تشتعل الحروب في بلادهم يمتلئ بالخوف والحزن والغضب، وأن كثيرًا من هذه المشاعر تظل مكبوتة يصعب التعبير عنها. هذه المشاعر تشكل طاقة ثقيلة تضغط على الأجساد، يتخلص منها الإنسان عبر علاج ذاتي بالحركة. الإيقاع والرقص هما من طرق الجسد لاستعادة الإحساس بالحياة وسط الخراب، لأن الحرب تُدخِل الإنسان في دائرة من الخوف والسكون والتجمّد العاطفي. الغناء والرقص يعيدان الحركة إلى الجسد والروح معًا، وعندما يتحرك الجسد مع الإيقاع، يشعر الإنسان أن الحياة التي هُزِمت في محيطه لم تُهزم داخله، وأنه لا يزال حيًا.
كذلك، التشجيع الهستيري للفرق الرياضية يتيح تفريغ هذه الطاقة دون عنف. إنه صرخة جماعية في وجه القهر ولحظة نادرة للفرح. حتى مباراة عادية للمنتخب قد تصنع صراخًا، بكاءً، قفزًا، رقصًا، أو ما يمكن أن نسميه أملاً جماعياً. حين يفوز المنتخب أو حتى يلعب بشجاعة، يشعر الناس أنه إذا استطاع اللاعبون أن يتحَدّوا، يمكننا نحن أيضًا أن نتجاوز الحرب. إنه أمل رمزي، لكنه مهم جدًا لبقاء النفسية الجماعية للشعوب.
الشعور بدمار البلاد يجعل الخوف من ضياع الهوية مسيطرًا عليهم، فيسعون لتأكيد بقائها من خلال الأغاني التراثية، رقصات الأعراس، والإيقاعات الشعبية، لأنها ترتبط بالأرض والذاكرة الجماعية. وتشجيع الفرق الرياضية يساعد على استعادة الشعور بالانتماء الوطني، إذ تصبح الهوية موحدة حول رمز جماعي، مثل المنتخب الوطني، الذي يجمع الناس رغم الانقسام. الهتاف الجماعي يصبح إعلانًا صريحًا: لا يزال هناك ما يوحّدنا، ولا يزال هناك وطن رغم الحرب.
الحرب تكسر العلاقات الاجتماعية بتشتت أفرادها، لكن الغناء والرقص الجماعي يخلقان دفئًا اجتماعيًا وإحساسًا بالترابط، ومشاركة الحزن، كأنهم يقولون لبعضهم: “لن نسمح للحرب أن تأخذ أرواحنا أيضًا، فلننجُ معًا. إذا استطعنا أن نغني اليوم، يمكننا أن نعيش غدًا ونحافظ على ذاكرتنا من المحو.” حين تتشرد المجتمعات، يصبح الفن والرياضة الوعاء الذي يحمل تاريخها. الأغاني تحمل أسماء القرى، الحكايات، العادات، وقصص الأجداد، وبذلك يصبح الغناء مقاومة ضد النسيان.
عندما يغني المنفيُّ أو اللاجئُ أغنيةَ بلاده، فهو يُعلن: “أنا ما زلت أحمل انتمائي لبلدي، الأرض التي فقدتها لم تفقدني.” بهذا، يمكن القول إن الغناء والرقص ليسا لهوًا أو ترفًا في زمن الحرب، بل هما آلية بقاء، ومساحة نفسية آمنة، وطريقة لاستعادة التوازن والكرامة والأمل. كما أن التشجيع الهستيري للفرق الكروية يمكن اعتباره شكلًا أصيلاً من مقاومة الحرب، ويشبه الغناء والرقص من حيث الوظيفة النفسية والاجتماعية، بل أحيانًا يكون أكثر تأثيرًا لأنه يجمع ملايين الناس في لحظة واحدة خلف رمز واحد.
في نهاية المطاف، يصبح الغناء والرقص، وتشجيع الفرق الرياضية، وكل الأعمال الثقافية والفنية، أكثر من مجرد لهو أو تسلية؛ فهي أشكال حية من المقاومة النفسية والثقافية، ورسائل صمود في وجه الخراب. هذه الأنشطة تمنح الإنسان القدرة على التعبير عن مشاعره المكبوتة، واستعادة الشعور بالانتماء، وتجديد الأمل، والحفاظ على الهوية الجماعية. إنها تؤكد أن الروح قادرة على الصمود، وأن الحياة يمكن أن تنتصر في أصغر تفاصيلها، سواء في أغنية تعلو، أو خطوة رقص، أو هتاف جماعي، أو أي فعل ثقافي يرفض أن يُمحى. الفن والثقافة بهذا المعنى يصبحان سلاحًا في مواجهة الحرب، وطريقة للحفاظ على الإنسان في أحلك الأوقات.