التركي والمتّورك

أفق بعيد

 

التركي والمتّورك

 

هذه ظاهرة إنسانية عالمية، موجودة في كل المجتمعات، أن يلبس شخص مقلِّد أو موكَّل بعمل ما لَبوس سيد العمل الأصلي، ويبالغ في ذلك، حتى يبدو أكثر إخلاصاً وحرصاً على إنجاز العمل من صاحب العمل الأصلي. وفي أحايين كثيرة يكون هذا المقلد والموكل بالعمل، أكثر قسوة مع بني جلدته وأهله من  صاحب العمل.

في فترة الحكم التركي للسودان استطاع السودانيون سودنة المثل الذي يصف شخصاً من هذا النوع بأنه “ملكي أكثر من الملك”، فصار المثل السوداني “التركي ولا المتّورك”، ويقال لبعض بني جلدتنا وبعض أشقائنا من الجنسيات الأخرى  الذين عملوا في خدمة الحكم التركي، فكانوا أكثر قسوة على أهلهم وأكثر عنفاً وظلماً، وكانوا يظنون أن ذلك يثبت ولاءهم ويجلب لهم منافع أكثر.

وهناك كثير من النماذج في واقعنا السياسي السوداني، حيث يبذل بعض الملحقين بالأنظمة الشمولية جهوداً أكبر لينالوا رضا أسيادهم، حتى يصيروا مثاراً للسخرية، حتى من الأسياد. ويكتب بعضهم مدافعاً عن هذه الأنظمة وممارساتها بطريقة يمكن أن يخجل منها أصحاب الجلد والرأس، كما يقولون.

في النطاق العالمي انظُر للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وهو مهاجر ابن مهاجر، وكما قال زهران ممداني، عمدة نيويورك، فإن اثنتين من زوجات ترمب من المهاجرين. رغم هذا يظهر ترمب أكثر قسوة وعنفاً من كل السياسيين الأمريكيين، سواء السكان الأصليين أو أحفاد الآباء المؤسسين للدولة الحديثة في أمريكا.

في بريطانيا يبدو المنظر كوميدياً وساخراً من أي واقع يمكن أن يتخيله البعض. فالوزيرة المسؤولة من ملف الهجرة والتي تعمل على سنِّ قوانين معادية للمهاجرين اسمها شابانا محمود، وكما هو واضح من اسمها فهي مهاجرة من أصول آسيوية مسلمة. وزعيمة حزب المحافظين اليميني الأكثر عداءً للمهاجرين هي أيضاً مهاجرة من أصل نيجيري.

يحدث هذا في حين يقف سياسيون من أمثال جيمي كوربن مع حقوق اللاجئ والمهاجر. صحيح أن هذا الموقف جزء من عقيدته السياسية اليسارية، لكنه أيضاً من جانب آخر هو إنجليزي قح لا يحتاج أي نفاق سياسي أو اجتماعي ليثبت ولاءه للمجتمع الإنجليزي، كما يفعل البعض.

هذه الظاهرة تحتاج لدراسات معمقة تتناول أبعادها التاريخية والسياسية والاجتماعية والنفسية، فهناك دوافع أكثر تعقيداً من مجرد المكافأة أو الربح المادي   تدفع هؤلاء لأخذ مثل هذا الموقف. هناك دوافع الأنانية، والحقد الاجتماعي والرغبة في الانتقام من المجتمع لأسباب مختلفة والهروب من الواقع والذات..إلخ

تلفَّتْ حولك وستجد عشرات النماذج وعشرات الأسباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *