هل يكفي النجاح الأكاديمي؟
أماني أبو سليم
أحد أصحاب المدارس السودانية في مصر، والمعروفة في السودان، قام خلال العام الماضي بفتح مراكز غير مرخّصة لتدريس المنهج المصري، وهو أمر غير مسموح به قانوناً. ورغم ذلك، وعد أولياء الأمور بحصول أبنائهم على أرقام جلوس تمكّنهم من أداء امتحانات الثانوية العامة المصرية، مع علمه بعدم استيفاء الطلاب لشروط أساسية مثل الإقامة القانونية والسن.
تقاضت هذه المراكز من كل طالب ما يزيد على ثلاثين ألف جنيه مصري. وعندما كُشف الأمر، أنكر المسؤول الرئيسي التهمة مدّعيّاً أن ما حدث تصرّف موظفين انشقوا عنه. إلا أن المحكمة أدانته بالاحتيال، وصدر حكم عليه وعلى ثلاثة آخرين بالسجن ثلاث سنوات.
تداول كثير من السودانيين الخبر باستياء، ليس فقط بسبب الخسارة المادية والمعنوية التي لحقت بالأسر والطلاب، بل لأن الفعل صدر ممن يُفترض فيه، بحكم موقعه التربوي، الالتزام بالأخلاق قبل أي شيء آخر.
ما لفت الانتباه أن عددًا كبيرًا من التعليقات، خاصة من موظفيه ومعلميه، ركزت على نجاحه كصاحب مدارس تحقق نتائج أكاديمية متقدمة. وكأن هذا النجاح يُستخدم لتبرير التهمة، أو لإعفائه من الاعتذار للأسر والطلاب والمجتمع، وعن ضياع عام دراسي. ولا يزال الرجل ينكر الاتهام، ويعرض مشاهد دعم من محيطه المدرسي باعتبارها دليلًا على فضله في التعليم، وكأن ما حدث ليس إلا استهدافًا للناجحين.
النجاح لا علاقة له بقطع الوعود أو التنصل من تحمّل المسؤولية، ولا بإنكار ما ترتّب من خسائر مادية ونفسية للأسر. وكان من الأجدر بالمعلّقين، لا سيما المعلمين، الفصل بين النجاح المهني والمسؤولية الأخلاقية.
فالنجاح، في جوهره، هو تحقيق مؤشرات أداء موضوعة سلفًا. في المدارس مثلًا، إذا وُضع مؤشر لقياس الأداء ارتفاع نسبة الطلاب الحاصلين على أكثر من 90%، وتم تحقيقه، فهذا نجاح أكاديمي. والحق يُقال إن النتائج الأكاديمية لهذه المدارس ممتازة، وقد أثبتت نجاحًا وفق هذه المؤشرات. غير أن هذا النجاح لا يلغي ولا يبرر الإدانة الأخلاقية والقانونية.
أُقيمت محاكمات أخلاقية على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن عمليًا، وفي ظل الواقع المصري وتعقيدات الإقامة، وظروف الحرب وما فرضته من ضيق في الخيارات التعليمية، تظل هذه المدارس من البدائل المرغوبة لكثير من الأسر السودانية.
هنا تتجلّى المفارقة بين الخيار العملي والخيار الأخلاقي. فالخيار العملي غالبًا ما يكون فرديًا، تحكمه الضرورة والخوف من ضياع العام الدراسي. أما الخيار الأخلاقي فهو خيار يؤسس للقيم العامة، ويؤثر في الوعي الجمعي على المدى الطويل.
عندما تختار الأسر الاستمرار في مدرسة أُدين صاحبها بمثل هذه التهمة دون اعتذار أو تحمّل مسؤولية، فإنها تمرر، ولو دون قصد، رسالة تربوية مقلقة لأبنائها: أن الخطأ يمكن تجاوزه إذا كان نافعًا، وأن المصلحة الشخصية قد تُقدَّم على القيم العامة. وقد ينعكس ذلك إما في تطبيع الخطأ، أو في احتقار صامت لمن يُفترض أن يكونوا قدوة، بما يحمله ذلك من أثر نفسي وأخلاقي.
في ظل الحرب وندرة البدائل التعليمية، لا تقف الأسر السودانية أمام قرارات سهلة. كثيرون يُجبرون على اختيار الحل الممكن لا الحل الأمثل، مدفوعين بالخوف من انقطاع المسار التعليمي، رغم إدراكهم للمخاطر التربوية المصاحبة.
غير أن هذا الاضطرار لا يحوّل الخطأ إلى أمر عادي، ولا يُسقط أثره المستقبلي. فكل تسوية أخلاقية تُبرَّر بالضرورة تترك أثرًا في وعي الأبناء، وتعيد تشكيل ما يعتبرونه مقبولًا أو مرفوضًا. ويبقى التحدي قائمًا في الموازنة بين ضغط الواقع والحفاظ على القيم التي يُفترض أن يقوم عليها التعليم والمجتمع.