لواء شرطة (م) د.عصام الدين عباس أحمد
مستشار تكنولوجيا المعلومات ونظم تحليل البيانات
مقدمة
بعد ثلاثة عقود من العزلة الدولية التي فرضتها حقبة حكومة الإنقاذ السابقة (1989 – 2019)، عاد السودان، عقب ثورة ديسمبر المجيدة، إلى وضعه الطبيعي كدولة ذات إرث حضاري يمتد لآلاف السنين، وكأحد البلدان الفاعلة في العالمين العربي والأفريقي. فقد مثّلت الثورة ميلاد وبعث استعادة السودان لوجهه المدني والتاريخي، وفتحت الباب أمام انفتاح دولي غير مسبوق أعاد دمج البلاد تدريجياً في المجتمعين الإقليمي والدولي.
خلال الفترة الانتقالية المدنية، استطاع السودان أن يستعيد علاقاته السياسية والدبلوماسية والاقتصادية مع العالم، وعاد إلى المنظومة المالية الدولية بعد سنوات طويلة من العقوبات والعزلة. بلغ هذا الانفتاح ذروته بزيارة رئيس البنك الدولي للخرطوم في 2021 وإطلاقه خطابه المعنون “التنمية في عصر التحولات والاضطرابات Development in a Time of Upheaval” من داخل قاعة الصداقة قبيل الاجتماعات السنوية للبنك وصندوق النقد الدوليين، كما بدأت إجراءات إعفاء ديون السودان وانضمامه إلى مبادرة (الهيبك) للدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، في مؤشر واضح على عودة الثقة الدولية. تحولت الخرطوم آنذاك إلى واحة دبلوماسية نشطة، وحرص رؤساء الدول وكبار المسؤولين على زيارتها، بينما كانت العواصم العالمية تفتح ذراعيها بحفاوة لاستقبال رئيس وزراء الفترة الانتقالية، بصفته رمزاً لتحول ديمقراطي ملهم في أفريقيا والعالم العربي.
لكن لم تجر الرياح كما يشتهي الشعب السوداني. فقد تعرّض هذا المسار لانتكاسة عقب انقلاب الجيش والدعم السريع في أكتوبر 2021. فعاد السودان إلى دائرة العزلة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية. فقد تسبب الانقلاب في تجميد الدعم الدولي، وتعليق مسارات إعفاء الديون، ووقف العديد من برامج التعاون الاقتصادي، وأعاد إحياء الشكوك الدولية حول مستقبل أي انتقال ديمقراطي. ثم جاءت الحرب المدمرة في أبريل 2023 بين شريكي الانقلاب لتعمّق الانهيار، وتدفع السودان إلى واحدة من أسوأ أزماته في تاريخه الحديث، محوّلة إياه مرة أخرى من دولة كانت تستعيد مكانتها إلى دولة معزولة ومحاصرة سياسياً ودبلوماسياً، وغائبة عن التحولات الكبرى التي يشهدها الإقليم والعالم.
في ظل هذه العزلة المتصاعدة، بدت التحركات الخارجية المحدودة للسلطة القائمة عاجزة عن استعادة مكانة السودان أو كسر الطوق الدبلوماسي المفروض عليه. فجاءت جولات رئيس الوزراء كامل إدريس، سواء مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن (MSC-2026) في فبراير 2026، أو زيارته للفاتيكان (مايو 2026)، أو ظهوره في ندوة بجامعة أكسفورد (مايو 2026)، دون مستوى الزخم السياسي والإعلامي الذي يليق برئيس وزراء دولة بحجم السودان.
لم تشهد تلك الزيارات لقاءات مؤثرة مع قادة الدول، أو تحقق اختراقات دبلوماسية حقيقية، كما غابت عنها التغطية الإعلامية والاهتمام الدولي الذي كان يرافق تحركات القيادة المدنية عقب ثورة ديسمبر. وليس هذا فحسب، بل إن السودان غاب أو أُبعد عن مؤتمرات دولية وإقليمية ناقشت الشأن السوداني نفسه في باريس ولندن وبرلين، بينما تواصل استبعاده وتهميشه في قمم دولية كبرى في أفريقيا وأوروبا، عُقدت لرسم وبناء شراكات في الإقليم والعالم. وهكذا، انتقل السودان في سنوات قليلة من دولة يحجُّ إليها قادة العالم وتشارك في صناعة الأجندة الإقليمية والدولية، إلى دولة تُناقَش أزماتها في غيابها، ويُنظر إليها كملف إنساني وأمني أكثر من كونها شريكاً سياسياً ودبلوماسياً فاعلاً.
غياب السودان عن قضاياه المصيرية
يتجلى التراجع الدبلوماسي السوداني بوضوح عند مقارنة مؤتمري برلين (2020) وباريس (2021) بمؤتمرات باريس (2024) ولندن (2025) وبرلين (2026). جاء مؤتمر برلين 2020 لدعم السودان خلال الفترة الانتقالية كواحد من أهم المحطات الدبلوماسية والسياسية في تاريخ السودان الحديث، حيث مثّل منصة دولية لحشد الدعم الاقتصادي والسياسي للحكومة المدنية عقب ثورة ديسمبر. انعقد المؤتمر والسودان يخطو بثبات نحو استعادة ثقة المجتمع الدولي بعد عقود طويلة من العزلة والعقوبات والانهيار الاقتصادي خلال حكم الإسلامويين. وتعاملت دول العالم والمؤسسات الدولية مع السودان آنذاك باعتباره نموذجاً واعداً للتحول الديمقراطي في أفريقيا والعالم العربي، وتجربة تستحق الدعم والحماية لإنجاح الانتقال المدني ومنع عودة البلاد إلى دائرة الانقلابات والفوضى.
وبرغم انعقاده افتراضياً بسبب جائحة كورونا إلا أنه شهد مشاركة واسعة من الدول والمؤسسات الأممية والمالية الكبرى، بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلى جانب عدد كبير من الدول الأوروبية والعربية والأفريقية. كما أن مشاركة السودان التي قادها افتراضياً رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك وأدار أنشطتها وزير المالية آنذاك البروفيسور إبراهيم البدوي، وزير المالية، قد وجدت اهتماماً سياسياً ودبلوماسياً واسعاً، وتناولتها كبرى المؤسسات الإعلامية والمراكز البحثية، وقدم السودان نفسه كشريك يسعى إلى إعادة بناء الدولة وتحقيق السلام وإصلاح الاقتصاد والانفتاح على العالم بعد سنوات من القطيعة.
وفي باريس 2021، استضاف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤتمراً دولياً رفيع الحضور حول السودان الذي بدأ يستعيد موقعه الطبيعي كفاعل اقتصادي واعد. شهد المؤتمر مشاركة واسعة من رؤساء الدول والمؤسسات المالية الدولية، وحظي رئيس الوزراء الانتقالي ووفده بمن فيهم قائد الانقلاب لاحقاً باستقبال رفيع المستوى، وعقد لقاءات مباشرة مع قادة العالم وكبار المستثمرين. وأسفر المؤتمر عن دعم قوي لمسار الانتقال الديمقراطي، وتسريع خطوات إعفاء الديون، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية.
لكن المشهد انقلب رأسًا على عقب بعد انقلاب 2021، ثم اندلاع حرب أبريل 2023، فلم تعد المؤتمرات الدولية تُعقد لدعم الانتقال الديمقراطي، أو إعادة دمج السودان في الاقتصاد العالمي، بل أصبحت مخصصة لإدارة الكارثة الإنسانية واحتواء تداعيات الحرب ومنع انهيار الدولة بالكامل. ففي مؤتمرات باريس 2024، ولندن 2025، وبرلين 2026، التي خُصصت لمناقشة الأزمة السودانية وحشد الدعم الإنساني والسياسي، بدت سلطات الأمر الواقع في السودان غائبة أو مُغيّبة عن القضايا التي تتعلق مباشرة بمصيره، بينما تولت القوى الدولية والإقليمية والمنظمات الأممية إدارة النقاش حول مستقبل البلاد ووقف الحرب والإغاثة وحماية المدنيين. وهكذا تحولت الحكومة السودانية من شريك رئيسي كان يُستقبل قبل سنوات قليلة في العواصم الكبرى باعتباره ممثلًا لتجربة انتقال ديمقراطي واعدة، إلى طرف عاجز يُناقش العالم أزمته في غيابه، دون قدرة حقيقية على التأثير في القرارات أو صياغة المبادرات المتعلقة بمستقبل السودان.
وفي موازاة هذا التراجع، جاءت التحركات الخارجية المحدودة لرئيس الوزراء كامل إدريس لتعكس عمق العزلة التي تعيشها السلطة القائمة. فقد بدت مشاركته في مؤتمر ميونخ للأمن (MSC-2025) في فبراير 2026 باهتة وهامشية، دون لقاءات مؤثرة أو حضور سياسي يوازي مكانة السودان التاريخية، أو حجم أزمته الراهنة. كما اقتصر نشاطه الخارجي على جولات شرفية محدودة في الفاتيكان وجامعة أكسفورد، دون أن يتكرم أي من كبار المسؤولين في الدولتين المضيفتين أو المؤسسات المرتبطة بهما بعقد لقاء رسمي ذي وزن سياسي معه، الأمر الذي عكس بوضوح حجم الفتور والتجاهل الدولي تجاه السلطة القائمة في السودان. وهكذا انتقل السودان خلال سنوات قليلة من دولة كانت تتنافس العواصم العالمية على استقبال قيادتها المدنية ودعم تجربتها الانتقالية، إلى دولة تُطرح قضيتها في المحافل الدولية باعتبارها واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية والأمنية في العالم، بينما يقف ممثلوها على هامش المشهد الدولي بلا تأثير يُذكر.
العزلة الدولية في ظل إعادة تشكيل الشراكات العالمية
لم يقتصر الأمر على المؤتمرات التي عقدت بشأن السودان وغاب أو غيب عنها، بل امتد إلى كثير من الفعاليات الدولية والإقليمية. فبينما كان السودان غارقاً في الحرب والعزلة، كانت أفريقيا والدول العربية وأوروبا تعيدان رسم خرائط الشراكات والتحالفات عبر قمم كبرى تعكس تحولات النظام الدولي. فجاءت القمة الأوروبية الأفريقية في لواندا (نوفمبر 2025) في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي على أفريقيا بعد الحرب الأوكرانية، وتزايد أهميتها في ملفات الطاقة والمعادن والهجرة. سعت أوروبا من خلالها إلى الانتقال من نموذج المساعدات إلى شراكات اقتصادية واستراتيجية أكثر توازناً، في مواجهة التمدد الصيني والروسي.
وفي السياق نفسه، انعقدت القمة التشاورية الأوروبية العربية في قبرص (2026)، في ظل تزايد أهمية شرق المتوسط كمركز للطاقة والتجارة والأمن البحري، ومع تصاعد أزمات متشابكة في غزة والسودان وليبيا وسوريا والهجرة غير النظامية. ركزت القمة على تعزيز التعاون في الطاقة والغاز والربط الكهربائي والأمن الإقليمي، وما أحوج السودان لمثل هذه الأنشطة الاقتصادية.
أما القمة الأفريقية الفرنسية في نيروبي (2026)، فمثلت محاولة فرنسية لإعادة التموضع داخل أفريقيا بعد تراجع نفوذها في الساحل وغرب أفريقيا، مع اختيار كينيا (الناطقة بالإنجليزية) بدل الفضاء الفرانكفوني التقليدي، مما يشير إلى صعود شرق أفريقيا كمركز دبلوماسي مؤثر. ركزت القمة على الشراكات الاقتصادية في الابتكار والتحول الرقمي والطاقة الخضراء، بدل المقاربة العسكرية التقليدية.
وبينما كانت هذه القمم تعكس إعادة تشكيل موازين النفوذ، كان السودان، الذي كان قبل سنوات قليلة محوراً للاهتمام الدولي، غائباً بصورة مؤلمة عن هذه التحولات، لا يشارك في صياغة الأجندة الجديدة، ولا يجد موطئ قدم داخل الترتيبات السياسية والاقتصادية التي تُبنى من حوله.
الخلاصة: من شريك دولي إلى ملف إنساني – الطريق إلى العودة
خلاصة القول إن المسار المركَّب الذي اجتازه السودان خلال أقل من عقد من الزمن – من عزلة إلى انفتاح واعد، ثم العودة مرة أخرى إلى عزلة أشد – لم يكن محض صدفة أو نتيجة حتمية لظروف خارجة عن الإرادة، بل هو انعكاس مباشر لصراع حاد بين مشروعين متناقضين؛ مشروع مدني ديمقراطي يسعى لدمج السودان في منظومة القيم والمؤسسات الدولية، ومشروع إسلاموي-عسكري هشّ لا يملك رؤية للدولة ولا أدوات للتعامل مع تعقيدات العالم المعاصر، ويكتفي بالبقاء على هامش التاريخ والجغرافيا السياسية. وبينما كانت هذه القمم تعكس إعادة تشكيل موازين النفوذ، كان السودان، الذي كان قبل سنوات قليلة محوراً للاهتمام الدولي، غائبا بصورة مؤلمة.
إن ما يعيشه السودان اليوم من عزلتَين متداخلتَين – عزلته عن محيطه الإقليمي، وعزلته عن التحولات الكبرى التي يعيد بها العالم رسم خارطته – ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة لسياسات مغامِرة وخيارات قاتلة قادت البلاد إلى الهاوية. فالانقلاب ثم الحرب لم يدمِّرا المدن والبنية التحتية فقط، بل دمَّرا صورة السودان الذهنية في عقول صانعي القرار الدوليين، وأعادا إنتاجه كـ”دولة فاشلة” تدار أزماتها لا كـ”دولة شريكة” تُبنى معها الشراكات.
وإذا كانت الثورة قد فتحت نافذة أمل بإعادة الاعتبار للسودان، فإن استمرار العزلة الحالية يعني إغلاق تلك النافذة إلى أجل غير مسمى، وخسارة فرصة تاريخية ربما لا تتكرر. ولن يكسر السودان طوقه الدبلوماسي إلا باستعادة مسار انتقال مدني حقيقي، يوقف الحرب، ويعيد بناء الثقة مع العالم من الداخل أولاً، لأن أي انفتاح خارجي يظل مستحيلاً ما دامت البلاد أسيرة الانقسام والصراع.