فولكر تورك يختتم زيارته للسودان
إدانة للانتهاكات، ومطالبة بوقف الحرب والعودة للحكم المدني
جنيف/ بورتسودان/ نيروبي: (ديسمبر)

أنهى المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أول زيارة له للسودان منذ اندلاع الحرب. ووصف المسؤول الأممي الرفيع الوضع في السودان بأنه يشكل إحدى أخطر أزمات الحماية في العالم، وقد أدت إلى أكبر نزوح سكاني في العالم، وتشهد الاحتياجات الإنسانية ارتفاعاً بشكل غير مسبوق.
وتُشير تقديرات الأممية إلى أن 30.4 مليون شخص من أصل جملة السكان البالغ 46.8 مليون في السودان بحاجة إلى المساعدة الإنسانية. علاوة على ذلك، فإن السودان يواجه أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث يُقدّر عدد النازحين بسبب القتال المستمر بنحو 13.6 مليون شخص.
وخلال زيارته التي امتدت من 14 إلى 18 يناير 2026، التقى المفوض السامي بالسلطات في بورتسودان، فضلاً عن ممثلي المجتمع المدني وفريق الأمم المتحدة القطري. وقوبلت الزيارة بانتقادات من حكومة “تأسيس” التي دعت المسؤول الأممي الرفيع لزيارة مناطق سيطرتها أسوة بزيارته لبورتسودان.
ومن ناحية أخرى قام المفوض السامي بزيارة دنقلا عاصمة الولاية الشمالية والتقى بوالي الولاية، كما تبادل مع الشركاء في المجال الإنساني، العاملين في مواقع النزوح، وجهات النظر حول التحديات التي يواجهها النازحون واحتياجاتهم نتيجة للعنف الجسيم في إقليمي دارفور وكردفان.
لقاء موسع مع منظمات المجتمع المدني
وعقد المفوض السامي اجتماعاً مع أكثر من خمسين ممثلاً لمنظمات المجتمع المدني. وقال تورك: “لقد جاؤوا بحلول – فهم أول المستجيبين، وهم أساسيون في تأمين مستقبل السودان. يجب أن يكون هناك جهد شامل، داخل السودان ومن قبل المجتمع الدولي، وأن تُوفَّر لهم الحماية المطلوبة ويُيسَّر عملهم حتى يتمكنوا من تقديم المساعدة الإنسانية الضرورية المطلوبة في ظل هذه الظروف.”
وأضاف تورك: “إن ما يخبرونني به هو المحنة الرهيبة التي يمر بها كثير من الناس، وكثير من الناجين من هذه الحرب المروعة، كل يوم. لقد كانوا واضحين بشأن حجم الأزمة والطريق إلى الأمام. ليس لديهم أماكن إيواء كافية لأولئك الذين نزحوا داخلياً، بعضهم لمرات عديدة. لا يوجد حل مناسب للنساء اللواتي تعرضن للعنف الجنسي لأن المكان غير متوفر. ولا يُولى الاهتمام الكافي للأشخاص ذوي الإعاقة”.
واعتبر تورك أن المجتمعات المحلية في السودان تكافح للتعامل مع الاحتياجات الهائلة التي أوجدتها الحرب في البلاد، إذ تفتقر إلى الملاجئ الكافية للنازحين داخلياً، والمساعدة للنساء اللاتي تعرضن للعنف الجنسي، والدعم للأشخاص ذوي الإعاقة. وتؤوي الولاية الشمالية وحدها حوالي 200 ألف نازح.
مع النازحين في “معسكر العفاض”
ومن ناحية أخرى، قام المفوض السامي بزيارة النازحين داخلياً في معسكر العفاض، والذي يؤوي حوالي 24 ألف نازح، وتصل إليه يومياً حوالي 35-40 عائلة من النازحين. والتقى المفوض السامي وفريقه أثناء الزيارة مع أشخاص نزحوا بسبب العنف الجسيم من إقليمي دارفور وكردفان. وقال بأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاع منتشر وشائع في السودان، ويؤثر على النساء والفتيات والرجال والفتيان. وقد التقى المفوض السامي ببعض هؤلاء الضحايا واستمع إلى شهادات عن المعاناة المؤلمة لهؤلاء النساء.
وقال المفوض السامي: “التقيت بتسع نساء وفتيات، جميعهن ناجيات من العنف الجنسي، وقد روين لي قصصاً مروِّعة. لم أرَ في حياتي أشخاصاً بهذه الدرجة من الصدمة. ما أخبرنني به كان عن الاغتصاب الجماعي في الفاشر. وعندما حاولن الهرب، أخبرنني عن الرجال الذين أُخرجوا وقُتلوا أمام أعينهن؛ إخوانهن وأبنائهن. ثم أُخذ بعضهن – نساء أكبر سناً، وأخريات أصغر سناً – واقتدن بعيداً، وأحياناً احتُجزن مقابل فدية، وتعرَّضن للاغتصاب الجماعي لأيام في بعض الحالات. إن الصدمة التي مررن بها لا توصف.
ولا يسعني إلا أن أنقل أصوات هؤلاء النساء إلى انتباه المجتمع الدولي، لأننا لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي ونرى هذا يتكرر مرة بعد مرة، لأن هذا سلاح من أسلحة الحرب- يُستخدم العنف الجنسي كسلاح في الحرب. إنه جريمة حرب. وهو جريمة ضد الإنسانية”.
كما أُبلِغ تورك عن عمليات إعدام خارج نطاق القضاء، وحالات اختفاء قسري، واحتجاز تعسفي، والاستخدام المتعمد لتكتيكات الحصار، بما في ذلك منع إمدادات الغذاء، مما أدى إلى ما وصفه بـ”مجاعة من صنع الإنسان”. وحذر قائلا: “تتكشف أمام أعيننا فصول من القسوة”، داعياً جميع ذوي النفوذ – بمن فيهم الجهات الفاعلة الإقليمية وموردو الأسلحة – إلى التحرك فورا لإنهاء الحرب.
العنف الجنسي كسلاح في الحرب
ومنذ اندلاع النزاع، وثَّقت المفوضية السامية لحقوق الإنسان استخدام العنف الجنسي- بما في ذلك الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والاختطاف والاسترقاق الجنسي- كسلاح في الحرب، وغالباً ما يُرتكب ذلك على أساس الهوية العرقية أو الانتماء المفترض إلى طرف معارض.
وتقول المفوضية إن للعنف الجنسي آثاراً دائمة على الناجين وأسرهم والمجتمع، لكنه يظل إلى حد كبير غير مُبلَّغ عنه. ويواجه العاملون في المجال الإنساني والمدافعات عن حقوق الإنسان من النساء تحديات متزايدة في العمل بأمان واستدامة أثناء دعم الناجين من العنف الجنسي. ولا يزال الوصول إلى خدمات الدعم الطبي والقانوني والنفسي الاجتماعي مقيداً بشدة بسبب تأثير النزاع على أنظمة الصحة وسيادة القانون وغياب المساءلة.
مؤتمر صحفي في بورتسودان
وفي ختام زيارته الأحد الماضي، عقد المفوض السامي مؤتمراً صحفياً في بورتسودان قال فيه “إن روح النضال من أجل السلام والعدالة والحرية لدى الشعب السوداني لم تنكسر”، رغم ما يقارب ثلاث سنوات من حرب وصفها بـ”الوحشية ضد المدنيين”. وشدد المفوض السامي على أن البلاد تواجه “تزايد عسكرة المجتمع من قبل جميع أطراف النزاع، بما في ذلك من خلال تسليح المدنيين وتجنيد الأطفال”.
وأكد المفوض السامي أن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق المدنيين في السودان، بواسطة مليشيا الدعم السريع، بما في ذلك الهجمات على البنية التحتية المدنية والعنف الجنسي والقتل خارج نطاق القانون، قد ترقى إلى جرائم حرب. وشدد على دور الشباب والمتطوعين ومنظمات المجتمع المدني في تقديم الخدمات الإنسانية والدعم القانوني لضحايا الانتهاكات.
وأعرب المفوض السامي عن قلقه إزاء الهجمات المتكررة بطائرات مسيرة على سد مروي ومحطة توليد الكهرباء، والتي أدت إلى انقطاع التيار الكهربائي عن المستشفيات وتعطيل الري وإمدادات المياه النظيفة، محذراً من أن استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني.
تحذيرات من مجاعة قادمة
كما تورك حذر من تدهور الأوضاع الإنسانية والأمن الغذائي، مشيراً إلى وجود ظروف تنذر بمجاعة في كادقلي وخطر مجاعة في مناطق أخرى بينها الدلنج، في ظل استمرار حصار المليشيا. وسلط المفوض السامي الضوء على شهادات مروعة لضحايا الحرب، من بينهم أطفال ونساء نازحات تعرضن للقصف والنهب والعنف الجنسي، أثناء هروبهن من الفاشر، مؤكداً أن استخدام العنف الجنسي كسلاح يُعتبر جريمة حرب.
كما أشار إلى روايات عن إعدامات ميدانية واحتجاز آلاف المدنيين التي نفذتها مليشيا الدعم السريع في الفاشر، مطالباً بالإفراج عن المحتجزين المدنيين والبحث عن المفقودين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المناطق المتضررة.
ومؤتمر صحفي في نيروبي
وغادر المفوض السامي بورتسودان الأحد 18 يناير 2026 إلى نيروبي حيث عقد مؤتمراً صحفياً ثانيا استعرض فيه أبرز الملاحظات والاستنتاجات من مهمته. واعتبر فولكر تورك أن الحرب أغرقت البلاد في هاوية لا يمكن تصور أبعادها لأنها تؤثر على كل البلاد وكل الناس، وأشاد في ذات الوقت بعمق روح المجتمع المدني وحيويته وديناميكيته، لا سيما الشباب والنساء الذين قادوا ثورة 2018 معتبراً أنه وبعد ما يقرب من ثلاث سنوات من الحرب، لم تنكسر روح النضال من أجل السلام والعدالة والحرية.
وتحدث المفوض السامي لحقوق الإنسان عن لقاءاته بشباب “هم أول المستجيبين الأساسيين لاحتياجات مجتمعاتهم.. ينظمون ويوزعون المساعدات، وغالباً في مواجهة عقبات بيروقراطية هائلة ويخاطرون بالاعتقال والعنف”، مشيداً بالشباب السوداني الذي يقف في الصفوف الأمامية لتقديم الخدمة لأولئك الذين هم في حاجة إلى المساعدة الإنسانية.
ونوه فولكر تورك إلى لقائه بمنظمات تقودها نساء تقدم المساعدة القانونية والإنسانية مجاناً للنساء ضحايا الانتهاكات والتجاوزات المرتبطة بالحرب، مع تعريض أنفسهن لمخاطر جسيمة. وأضاف: “لقد تم تحويل أجساد النساء والفتيات إلى أسلحة. هذه جريمة حرب. لقد وثق مكتبي في السودان أنماطاً واسعة من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع. إن هذا الأمر واسع الانتشار ومنهجي”.
تكرار مأساة الفاشر
واعتبر المسؤول الأممي في مؤتمره الصحفي أن علامات التحذير مما كان سيحدث بالفاشر كانت واضحة بالفعل قبل أشهر من سقوط المدينة، ومع ذلك، لم يُؤخذ بهذه التحذيرات، وارتُكبت فظائع شنيعة.
وحذر من حدوث نفس الأفعال في كادقلي، داعياً جميع أطراف النزاع، وكخطوة أولية، إلى ضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية وضمان المرور الآمن للمدنيين لمغادرة مناطق النزاع النشط، بما في ذلك كادقلي والدلنج، وكذلك ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. وأضاف: “إذ لم تكن لدينا القدرة على إيقاف الحرب، ولكننا سنفعل ما نستطيع لإبقاء المدنيين على قيد الحياة”.
وندد المفوض السامي لحقوق الإنسان بالهجمات بالطائرات المسيرة التي أطلقتها قوات الدعم السريع على سد مروي ومحطة الطاقة الكهرومائية والتي تسببت في انقطاع الكهرباء الضرورية عن المستشفيات، وأعاقت ري المحاصيل، وقطعت الوصول إلى المياه النظيفة، مما ساهم في انتشار الأمراض.
وقف الاعتداءات على الأعيان المدنية
ودعا فولكر تورك قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية إلى إيقاف الهجمات غير المحتملة على الأعيان المدنية التي لا غنى عنها للسكان المدنيين، بما في ذلك الأسواق والمرافق الصحية والمدارس والملاجئ. وشدد على أن الهجمات على البنية التحتية المدنية الحيوية تمثل انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب.
وطالب المسؤول الأممي جميع الذين لهم أي نفوذ، بمن فيهم الفاعلون الإقليميون وخاصة أولئك الذين يمدون هذه الحرب بالسلاح ويجنون منها مكاسب اقتصادية، بأن يتحركوا بشكل عاجل لوضع حدٍ لها. معتبراً أنه من السيئ أن تُنفق مبالغ طائلة من الأموال على اقتناء أسلحة متطورة بشكل متزايد وهي أموال كان ينبغي أن تُستخدم لتخفيف معاناة السكان.
وعبر المفوض السامي لحقوق الإنسان عن شعوره بقلق بالغ إزاء تزايد عسكرة المجتمع من قبل جميع أطراف النزاع، بما في ذلك تسليح المدنيين وتجنيد الأطفال واستخدامهم.
ضرورة محاسبة الجناة
وشدد فولكر تورك، في مؤتمره الصحفي، على عدم السماح لمرتكبي هذه الانتهاكات والفظائع المروعة بالإفلات من العقاب، بغضِّ النظر عن انتمائهم. وتساءل عما الذي يريد أن يحققه أولئك الذين يخوضون هذه الحرب؟ ولماذا يخاطر أي عاقل بحياة هذا العدد الكبير من الناس؟.
وأشار المسؤول الأممي الرفيع إلى اعتقال آلاف المدنيين، بمن فيهم نشطاء المجتمع المدني والمحامون والصحفيون، بتهم “التعاون” مع الطرف المعارض في النزاع. كما نوه لتعرض الصحفيين لقيود تحد بشدة من قدرتهم على أداء عملهم، ويستهدَفون بحملات تشويه وعمليات اختفاء وعنف من كلا الجانبين.
وحذر فولكر تورك من أن غياب الإعلام الحر والمستقل لا يؤدي إلا إلى استمرار النزاع وخطاب الكراهية، الذي لا يزال يترك أثراً ضاراً، إذ يجرد الناس من إنسانيتهم ويغذي الانتهاكات الوحشية. وطالب بتسهيل وحماية عمل الصحفيين والمجتمع المدني الأوسع.
وحث المفوض السامي لحقوق الإنسان جميع الأطراف المعنية على تنحية المواقف المتصلبة ولعب الأدوار السلطوية، والمصالح الشخصية جانباً، والتركيز على المصالح المشتركة للشعب السوداني، مؤكداً أن تنفيذ تدابير عملية لبناء الثقة وتعزيزها يمكن أن يمهد الطريق نحو إنهاء هذه الحرب المروعة وصنع سلام شامل والعودة إلى حكم مدني شامل.
تعتبر الحالة الوحيدة التي أشار التقرير لوجود اختلاف في الروايات حول جهة الاعتقال هي المتصلة بالصحفي مصعب الهادي التي حدثت في الثاني من أكتوبر بولاية شمال كردفان. وحول الملابسات ذكر التقرير أن “المعلومات متضاربة ولا تتوفر معلومات مؤكدة حول مصيره أو مكان احتجازه”.
اعتقالات طويلة وقصيرة
أشار التقرير لوجود (4) حالات اعتقال طويلة الأمد؛ ثلاث حالات منها بولاية القضارف شملت ثلاثة صحفيين هم (عمار الضو، خويلد عبد العظيم، ومحمد حسن كبوشية) الذين تم اعتقالهم بواسطة قوات الشرطة بولاية القضارف، حيث تم اعتقالهم واحتجازهم معاً لأسابيع دون توجيه تهم أو تقديمهم لمحاكمة قبل أن يتم إطلاق سراحهم لاحقاً.
الحالة الرابعة هي الخاصة بالمراسل المتعاون مع قناة (الجزيرة) بالفاشر معمر إبراهيم، المعتقل بواسطة الدعم السريع منذ 26 أكتوبر 2025م بعد سيطرتها على المدينة، وتم القبض عليه أثناء محاولته مغادرة المدينة حيث قامت القوات التي اعتقلته بتصويره ونشر فيديوهات وهو تحت قبضتها قبل أن تودعه سجن نيالا.
بالنسبة لحالات الاعتقال والاحتجاز المؤقتة والبالغ عددها (9) حالات تلاحظ أن (8) منها وقعت في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش، وسجلت حالة واحدة في مواجهة الدعم السريع، وشهد شهر أكتوبر تسجيل ثلاث حالات منها.
واعتقلت الجهات الأمنية بمحلية التضامن بولاية النيل الأزرق في الثامن من أكتوبر الصحفي إبراهيم صالح على خلفية كشفه لقضايا فساد محلي. وفي التاسع من ذات الشهر قامت قوة شرطية بالقبض على الصحفية هاجر سليمان من منزلها بشرق النيل واحتجازها لعدة أيام ونقلها لبورتسودان على خلفية مقالات كتبتها عن تجاوزات لمحافظ البنك المركزي السابق برعي الصديق قبل إقالته من منصبه، وتم الافراج عنها بكفالة مالية بعد عدة أيام.
وشهدت مدينة الفاشر في الثلاثين من ذات الشهر بعد سيطرة الدعم السريع عيلها ظهور صورة للمصور الصحفي إبراهيم جبريل بابو المفقود ضمن أشخاص قيل إنهم أسروا، وتم إطلاق سراحه بفدية ولم يتم التعرف على هويته الصحفية.
قام جهاز المخابرات بالولاية الشمالية في العاشر من مايو باعتقال منير التريكي من منزله بعد نشره مقالاً صحفياً، وتم إطلاق سراحه بعد (48) ساعة من احتجازه. وشهدت مدينة الأبيض حادثتين؛ أولاهما تعرض فيها الصحفي نيازي محمد علي في التاسع من يناير للاحتجاز والاستجواب من قبل أفراد في الأجهزة النظامية خلال تغطيته لختام امتحانات الشهادة السودانية، وتم بعدها حذف مواده الصحفية ومنعه من التغطية. وكانت الثانية في 25 سبتمبر باعتقال الشرطة للصحفي عمر ود أبوبكر على خلفية نشره منشوراً بالفيسبوك انتقد فيه أداء شرطة المباحث.
شهدت مدينة كسلا في 19 أبريل اعتقال الصحفية بصحيفة (الجريدة) امتثال سليمان خلال توجهها لمدينة بورتسودان، حيث عُصبت عيناها واحتجزت لثلاثة أيام قبل أن يطلق سراحها وتقيد حركتها وتمنع من مغادرة المدينة.
وفي 25 مايو تم اقتياد الإعلامي عبدالجليل محمد عبدالجليل من منزلة بطريقة أقرب للاختطاف قبل أن يطلق سراحه لاحقاً. فيما قامت قوة أمنية بمدينة القضارف في 25 يونيو باعتقال الصحفي محمد عثمان الرضي وأودعته الحبس ثم رحّلته إلى بورتسودان، قبل أن يطلق سراحه لاحقاً بالضمان.
الانتهاكات العابرة للحدود
وثق التقرير (8) حالات انتهاك طالت صحفيين سودانيين في دول اللجوء، توزعت بين الاعتداءات الجسدية، والتهديدات الأمنية، والاستدعاءات غير القانونية، والإخفاء القسري المؤقت، وهو ما اعتبره التقرير “يعكس هشاشة أوضاع الصحفيين السودانيين في المنافي، ويضاعف من المخاطر التي يواجهونها نتيجة نشاطهم المهني أو مواقفهم العلنية من الحرب”.
رصد التقرير (3) اعتداءات جسدية تعرض لها صحفيون وإعلاميون في مصر، أولها للمصور الصحفي إبراهيم نقدالله في 14 مايو بمنطقة الجيزة بتعرضه لاعتداء جسدي عنيف من قبل شباب سودانيين مؤيدين للحرب مما تسبب له في جروح عميقة، وشهد 27 سبتمبر اختطاف الصحفي يوسف يعقوب من مجموعة على متن “ركشة” وتعرضه للضرب المبرح مما أدى لإصابته بجروح استدعت تدخلاً جراحياً وخياطة بتسع غرز، كما تعرض الصحفي ومنتج البرامج التلفزيونية عمر خضر لاعتداءات وتهديدات متكررة على خلفية استضافة ضيوف سياسيين في سياق عمله الإعلامي.
أشار التقرير لتعرض صحفية –تم حجب الاسم- للاستدعاء في مصر والاختفاء القسري المؤقت لمدة أربعة أيام على خلفية إعدادها تحقيقاً إعلامياً قبل أن يفرج عنها دون توضيح قانوني للإجراءات التي اتخذت بحقها، بجانب واقعة ثانية حدثت في مدينة صرمان الليبية تعرض فيها منزل الصحفي مصعب محمد علي للهجوم من قبل سكان محليين وسط غياب الحماية الأمنية “مما اضطره إلى تغيير محل سكنه حفاظاً على سلامته”، طبقاً لما جاء في التقرير.
ملاحقات وتهديدات
وثق التقرير استخداماً واسعاً للقانون وأدوات العدالة لتجريم العمل الصحفي وإسكات الأصوات الرافضة للحرب. حيث وردت أسماء (4) صحفيين ضمن قائمة متهمين بارتكاب جرائم ضد الدولة تصل عقوبتها للإعدام وبدأت محاكمتهم في شهر يناير الجاري. وشملت القائمة كلاً من (رشا عوض، صباح محمد الحسن، شوقي عبدالعظيم وماهر أبو جوخ). وأشار التقرير إلى أن هؤلاء الصحفيين يعرِّفون أنفسهم كدعاة للتحول الديمقراطي ورافضين للحرب، ويؤكدون بأن هذه الاتهامات تمثل “تسييساً للقضاء وتوظيفاً للقانون الجنائي لإسكات الأصوات الرافضة للحرب”.
أشار التقرير لـ(19) حالة تهديد مباشر وخطاب كراهية وحملات تشهير وتحريض ممنهجة استهدفت صحفيين وصحفيات على خلفية عملهم المهني، تضمنت حملات تشهير وتحريض ضد الصحفيتين لينا يعقوب ومها التلب، وشملت الاتهام بالعمالة ونقل الإحداثيات، كما تم توثيق “تحريض منهجي عبر المنصات الرقمية” استخدمت فيه لغة الكراهية والتخوين، ودعت بشكل غير مباشر إلى استهدافهم، أورد التقرير نماذج لعدد منهم على سبيل المثال لا الحصر (عبد الباقي جبارة، طاهر المعتصم، أنور شمبال، رشا عوض، شوقي عبد العظيم، ماهر أبوجوخ، شمائل النور وآخرين وأخريات).
تعرض طاقم برنامج “غناوي الثورة”، ممثلاً في كل من سعيد علي إسماعيل وهشام محمد إبراهيم، لتهديدات مباشرة متكررة عبر الهاتف وتطبيق الواتساب على خلفية المحتوي الإعلامي الذي يقدمه البرنامج. كما تم توثيق تلقي عدد من الصحفيين لتهديدات مباشرة بالقتل أو الإيذاء الجسدي لهم ولأسرهم عبر المكالمات الهاتفية أو الرسائل النصية، مع غياب “أي حماية فعلية أو آليات واضحة للمساءلة”.
في ما يتصل بالانتهاكات المؤسسية فقد أشار التقرير لوجود (3) أنماط رئيسية منها خلال العام 2025م تمثلت في (سحب التراخيص)، (فرض قيود إجرائية على التغطية الإعلامية) و(التدخل في العمل النقابي).

تدهور غير مسبوق
خلص التقرير لحدوث تدهور غير مسبوق لحرية الصحافة بالسودان خلال العام 2025م بلغ حد الاستهداف المباشر والمنهجي للصحفيين باعتبارهم أطرافاً في النزاع، لا مدنيين محميين بموجب القانون الدولي الإنساني، وتوسع رقعة الانتهاكات وامتدادها لخارج الحدود الوطنية في ظل غياب المساءلة وسيادة ثقافة الإفلات من العقاب.
طالب التقرير أطراف النزاع بحماية الصحفيين باعتبارهم مدنيين والإفراج عن المعتقلين منهم، والكشف عن مصير المختفين، بجانب مطالبة السلطات المدنية والأجهزة النظامية بوقف التضييق على العمل الصحفي واحترام استقلالية النقابة، وحث المجتمع الدولي على ممارسة ضغوط جادة لوقف الانتهاكات وتوفير برامج حماية عاجلة للصحفيين السودانيين، بجانب مطالبة الدول المستضيفة بضمان حماية الصحفيين السودانيين على أراضيها والتحقق من الانتهاكات التي تطالهم.