لجنة التفكيك.. عملٌ منتظر
محمد الفكي سليمان
عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021 مباشرةً، هجمت جحافل الإسلاميين على الدولة، دون تأخير، وفي ذاكرتهم الثورة وهتافاتها “حرية.. سلام وعدالة”، وفي كوابيسهم لجنة تفكيك نظام الـ30 من يونيو. وقبل توطيد أركان الانقلاب كان همهم استخلاص ما نهبوه من بين أسنان وزارة المالية والتي كانت من نصيبِ أحد “إخوانهم” متنكراً في زي آخر.
مع انطلاق حرب 15 أبريل 2023، التي اندلعت بصورة أساسية لقطع الطريق أمام الاتفاق السياسي الإطاري الذي وضع المواصلة في تفكيك نظام الثلاثين من يونيو في قلب أسئلته الرئيسية بإجماعٍ من كامل أبناء السودان بأنه أحد مطلوبات الثورة الكبرى بجانب السلام واستكمال التحول الديمقراطي. لذلك كانت حرب 15 أبريل نقطة فاصلة في مسيرة النهب الكبير الذي مارسته الحركة الإسلامية لمدةِ ثلاثةِ عقود عبر تقنين القوانين والتلاعب باللوائح، والاستيلاء على جهاز الدولة عبر التمكين المستمر في المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، وأصبحت الدولة خالصةً لوجه التنظيم.
وقد جاء ذلك في اعترافات متواترة لكبار قادة انقلاب الثلاثين من يونيو، وفي محطاتٍ تأريخية مختلفة، تارةً من باب الزهو بامتلاك الدولة والتباهي أمام الإخوان، وتاراتٍ عديدة في إطار الخطاب الداخلي والتنوير في مؤسسات التنظيم الإخواني الذي اندغم في جهاز الدولة وعسُر على كل مراقب التفرقة بينهما.
عقب اندلاع الحرب رمى الكيزان بكل محاذير وطرق التمويه السابقة، وخرجوا للنهب بوجوهٍ سافرة دون حاجةٍ للتذاكي، وذلك لعدةِ أسباب:
أولاً: مجهودات التخفي والتلاعب بالقوانين والكذب والتجمل طوال ثلاثة عقود من 1989 حتى 2019، لم تنطلِ على أحد، وبمجرد تغيير النظام وصلت الدولة إلى كافة المعلومات على الرغم من اتخاذ الكيزان سلسلة طويلة من الإجراءات لإخفاء الأثر. ومع ذلك تمكّن قصاصُ الأثر من الوصول إليهم وضبطهم متلبسين مع المسروقات، ونشر كافة ملابسات عمليات النهب والطرق التي تم اتباعها للاستيلاء على أموال السودانيين والقوانين التي تم التلاعب بها حتى يظن أبناء السودان أن ما حدث تم وفقاً للقانون.
ثانياً: إن ما تم نهبه خلال ثلاثة عقود تم استرجاعه بواسطة اللجنة في أشهرٍ معدودات، لذلك التقط الكيزان نقطة عامل الوقت وعلموا أن الوقت غير مفتوح للأبد، وأن معادلات السلطة قابلة للتغيير في أي وقت، وبالتالي سرقة ما خف وزنه وغلا ثمنه والابتعاد عن العقارات والممتلكات الضخمة إلا ما يمكن تسييله بسرعة، وبالتالي فإن النهب تركز في قطاع الذهب والوقود والسلع الاستهلاكية إضافة للعمولات السريعة.
ثالثاً: لم يقتصر النهب هذه المرة على أموال الدولة فقط، بل تعداه إلى كل ما يمكن نهبه سواء أكان مملوكاً للدولة أو المواطنين الذين فروا تاركين كل ما يملكون من أجل النجاة، وكانت الفوضى عنوان المرحلة وغابت الدولة بأجهزتها الرسمية.
اجتمع كافة لصوص الأرض عند عودة الكيزان محتفلين بالأوضاع الاستثنائية التي وفّرتها الحرب، إذ لا يوجد رقيب أو حسيب، والكرت المرفوع في وجه كل من يتحدث هو “لا صوت يعلو فوق صوت معركة الكرامة”، وكأن كرامة السودانيين تكمن في نهبهم وتشريدهم في أرجاء المعمورة.
وفّرت الحرب غياب ديوان المراجع العام والنيابة وجهاز الشرطة والصحافة الحرة، بل إنها غيبت حتى المواطن السوداني الذي يرصد بعينه الفاحصة التبدلات التي تحدث على كل مسؤول، وزيادة الأموال والثمرات والفارهات. وبفعل فرار الملايين من السودانيين اختفت حتى مجالس الأنس وصيوانات الأفراح والأتراح التي توفر مصدراً للمعلومات الأولية التي يمكن تطويرها وأخذها رأس خيط، وهي معلومات مهمة جداً.
المناخ الذي وفرته الحرب هو المناخ المثالي للصوص، لذلك أعاد هؤلاء اللصوص استثمار نسبة مقدرة من المنهوبات في تزويد خطاب الحرب الإعلامي داعين لاستمرارها. ويمكن إجراء عملية تحليل بسيطة لكل المنصات الإعلامية التي تدعو لاستمرار الحرب، مع تعقب مصادر تمويلها الذي سيقودك لمحتكر وقود أو مهرب ذهب أو مورد سلع غذائية أو أسمدة، وتعمل هذه المنصات بالتنسيق مع ضباط الأجهزة الأمنية.
مقابل مئات اللصوص الذين يمارسون نهباً منتظماً لموارد السودان، هنالك ملايين السودانيين الأشراف الذين يشاهدون كيف يتم نهب بلادهم بانتظام بعد أن نهبت ممتلكاتهم الشخصية الشحيحة، ويدركون أيضاً أن هنالك خطاب تعمية يضخ بكثافة مثل ستار الدخان الذي يطلقه القاتل المحترف على مسرح الجريمة من أجل إخفاء لحظة التنفيذ.
السوداني صاحب الفطرة السليمة يسمع أحاديث الإعلاميين الكَذَبة صباح مساء، ولكن يرى من الذي قتله الجوع ونقص الدواء، ومن الذي تضخمت ثرواته واشترى عقارات جديدة في عواصم الدنيا المختلفة، يرى زيجات عامة السودانيين وزيجات اللصوص القدامى والجدد وآثار النعمة على الغواني وصديقات المسؤولين. إن تبدلات أحوال الأشخاص تغني عن آلاف المرافعات والخطابات الإعلامية الكاذبة.
جميع السودانيين يعرفون من هم اللصوص، ولكن هذا وحده لا يكفي، لأن هناك جهداً مطلوباً من الجميع بأن تتحول هذه المعلومات إلى أفعال. وإذا كان من الصعب محاكمة اللصوص اليوم، فالعمل القانوني والسياسي أن يكون هذا اليوم قريباً مطلوب، وهو جهد مضنٍ ومتواصل، يبدأ بتجميع المعلومات الأولية ومطابقتها والاستيثاق منها، والمرحلة الثانية بناء القضايا وفقاً للمسار القانوني المعروف والاحتفاظ بها إلى يوم معلوم وقريب.
الجهد السياسي المطلوب بجانب العمل القانوني ويتركز على العمل من أجل إيقاف الحرب، على أن تشمل العملية السياسية بصورة واضحة المحافظة على حقوق السودانيين التي نُهبت طوال السنوات السابقة.
لأن الجهد المطلوب في هذا الجانب كبير جداً ويتداخل مع ملفات عمل وقضايا سابقة، يمكننا القول وبكل ثقة إن لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ومن خلال الملفات الكبرى التي اضطلعت بها والمعلومات التي راكمتها، إضافة للكادر الذي حصل على تدريبٍ مقدر يمكن أن تصلح منصة لابتدار عمل كبير يرتبط بكافة قضايا النهب التي حدثت عقب انقلاب 25 أكتوبر وما تلاها في حرب 15 أبريل. ويمكن أن تمازج اللجنة بين القديم والجديد، مع إضافة كل من يرغب في العمل في الطريق الشاق، لإن الاكتفاء بالحديث عن عملية النهب الكبير والمنظم الذي تقوم به المجموعات المسلحة التي تقاتل على أرض السودان هو بالضبط ما تريده هذه المجموعات امتثالاً للقول العربي القديم : “أوسعناهم سباً ومضوا بالإبل”.
علينا أن نتكاتف جميعاً، ونعلم الجميع بأن لا أحد يستطيع أن يهنأ بمالنا المسلوب.