جبال النوبة وجنوب كردفان بين الحرب والنزوح وانهيار الدولة

الفظائع المنسية: شهادة عن كارثة إنسانية تتفاقم بصمت

كمبالا: (ديسمبر)

 

في ظل تصاعد العمليات العسكرية في إقليم جنوب كردفان، وتحديداً في مناطق جبال النوبة، تتكشف واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في السودان، مأساة توصف اليوم بأنها “منسية” بفعل ضعف التغطية الإعلامية وتراجع الاهتمام الدولي.

في هذا الحوار الصحفي، يضعنا كومن سعيد، أحد العاملين ميدانياً في غرف طوارئ جنوب كردفان، أمام صورة قاتمة للوضع الإنساني، كاشفاً عن حجم النزوح، وانعدام الغذاء والدواء، والمخاطر التي تحيط بالمدنيين والمتطوعين على حد سواء.

 

الدولة “انهارت كلياً” في الإقليم، لا توجد أي خدمات تقدمها الحكومة للمدنيين، لا في الصحة ولا التعليم ولا الحماية الاجتماعية. هذا الفراغ الكامل جعل المجتمعات المحلية تعتمد بشكل شبه كلي على غرف الطوارئ والعمل الطوعي لسد جزء يسير من الاحتياجات المتزايدة

 

نزوح جماعي وحصار خانق للمدن

يصف كومن سعيد الوضع الإنساني الحالي في مناطق النزاع بجنوب كردفان بأنه “كارثي من الدرجة الأولى”، مشيراً إلى موجات نزوح غير مسبوقة طالت آلاف المدنيين. ويقول إن مدينتي الدلنج وكادقلي شهدتا نزوحاً واسعاً نحو مناطق سيطرة الحركة الشعبية، قبل أن يمتد النزوح إلى معسكرات خارج الإقليم، مثل معسكر إيدا، كاكوما، أجوانق، إضافة إلى معسكرات في شمال كردفان ومدينة الأبيض.

ورغم حديثه عن “انفراج محدود” في مدينة الدلنج عقب دخول عدد قليل من قوات الجيش عبر منطقة هبيلا، إلا أنه يؤكد أن المدينة لا تزال محاصرة، وأن هذا التحسن النسبي لم ينعكس فعلياً على حياة المدنيين أو وصولهم للخدمات الأساسية.

الجوع والمرض والإيواء.. احتياجات بلا إجابة

عند الحديث عن أكثر الاحتياجات الإنسانية إلحاحاً، لا يتردد كومن في التأكيد على أن الغذاء والمياه والإيواء تمثل الأولوية القصوى. ويضيف: هناك حالات واسعة من سوء التغذية، بعضها يتطلب تدخلاً عاجلاً لإنقاذ الأرواح، خاصة وسط الأطفال وكبار السن. كما يشير إلى أن الإجلاء من مناطق النزاع إلى مناطق أكثر أمناً أصبح ضرورة ملحة، لكنه يواجه عقبات كبيرة، أبرزها التكلفة العالية، خصوصاً بالنسبة للأسر الكبيرة التي لا تملك أي مصدر دخل بعد فقدان سبل العيش.

 

الحرب تقتل الزراعة.. والمجاعة تتمدد

يشرح كومن أن مجتمعات جبال النوبة هي في الأساس مجتمعات زراعية تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للغذاء والدخل. ويستعرض جذور الأزمة، موضحاً أن الحرب في الإقليم بدأت منذ عام 1992، لكنها بلغت ذروتها بعد اندلاع الحرب الثانية في عام 2011، حين تحوّل مشروع هبيلا الزراعي – أحد أكبر المشاريع الزراعية في السودان – إلى منطقة نزاع، ما حرم آلاف المزارعين من أراضيهم.

ومع توسع رقعة الحرب في السنوات الأخيرة، لم يعد المزارعون قادرين حتى على زراعة المساحات الصغيرة التي تضمن الاكتفاء الذاتي، الأمر الذي أدى إلى انتشار المجاعة في الإقليم. ويشير إلى أن الحركة الشعبية أعلنت رسمياً المجاعة في مناطق سيطرتها، التي تمثل أكثر من 70% من أراضي جبال النوبة – جنوب كردفان.

 

انهيار الدولة وغياب الخدمات

يؤكد كومن سعيد أن الدولة “انهارت كلياً” في الإقليم، موضحاً أنه لا توجد أي خدمات تقدمها الحكومة للمدنيين، لا في الصحة ولا التعليم ولا الحماية الاجتماعية. هذا الفراغ الكامل جعل المجتمعات المحلية تعتمد بشكل شبه كلي على غرف الطوارئ والعمل الطوعي لسد جزء يسير من الاحتياجات المتزايدة.

 

التطوع تحت القصف.. تضييق واعتقالات

لا تقتصر التحديات التي تواجه غرف الطوارئ على شح الموارد فقط، بل تمتد إلى الاستهداف المباشر للمتطوعين. يوضح كومن أن السلطات قامت باعتقال متطوعين في مدن ومحليات عدة، من بينها كادقلي، التضامن، قدير، أبو كرشولا، أبو جبيهة، فقط بسبب قيامهم بعملهم الإنساني ومساعدة أهلهم خلال هذه الفترة الحرجة.

إلى جانب ذلك، تعاني غرف الطوارئ من ضعف التمويل والإمكانيات، ما يجعل الاستجابة للحاجات الهائلة شبه مستحيلة، خاصة في ظل العمليات العسكرية المستمرة. ويكشف كومن عن فقدان أكثر من ثلاثة متطوعين خلال شهر واحد فقط نتيجة القصف والاشتباكات أثناء أدائهم لمهامهم الإنسانية.

 

تراجع الدعم الدولي.. فراغ قاتل

يتحدث كومن بمرارة عن أثر تقليص المساعدات الدولية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة خفّضت دعمها للسودان بنسبة تقارب 70%، كما أعلنت دول أوروبية، من بينها بريطانيا، نيتها تقليص الدعم الإنساني. ويرى أن هذا التراجع يعكس عدم اكتراث المجتمع الدولي بما يحدث في السودان، مضيفاً: “بات واضحاً أن عبء هذه الحرب يقع على السودانيين وحدهم”.

 

تنظيم قاعدي لضمان وصول المساعدات

رغم كل هذه التحديات، يشرح كومن آلية عمل غرف الطوارئ، مؤكداً أنها تنظيمات قاعدية نابعة من المجتمعات المحلية نفسها. تبدأ العملية بتكوين غرف على مستوى الأحياء، ثم انتخاب مكاتب ديمقراطياً لتشكيل مجلس المحلية، ومنه يتم ترشيح ممثلين للمستوى الولائي، وصولاً إلى مجلس التنسيق القومي. هذا الهيكل، بحسب كومن، يضمن أن تكون المساعدات موجَّهة بدقة للفئات الأكثر تضرراً واحتياجاً، بعيداً عن المحاباة أو التسييس.

 

مخاطر العمل الإنساني: الموت والاعتقال

يؤكد كومن أن العمل في مناطق العمليات يعرِّض المتطوعين لمخاطر جسيمة، مشيراً إلى أن السودان فقد أكثر من 150 متطوعاً منذ اندلاع الحرب. وتتراوح هذه المخاطر بين القتل أثناء العمليات العسكرية، والاعتقال والتوقيف والتضييق من قبل السلطات، ما يجعل العمل الإنساني في حد ذاته فعلاً محفوفاً بالمخاطر.

 

رسائل لا تجد آذاناً صاغية

عن الرسائل التي تُنقل للجهات الحقوقية والإعلامية، يقول كومن إن التركيز ينصب دائماً على حماية المدنيين والمتطوعين، وضرورة قيام المجتمع الدولي بدوره في الضغط لوقف الحرب. ورغم صعوبة إحداث تأثير ملموس، يؤكد أن المناصرة مستمرة أملاً في أن تجد هذه النداءات صدى لدى الفاعلين الدوليين والإقليميين.

 

في ختام حديثه، يقول كومن إن الدافع الأساسي للاستمرار هو ما يراه يومياً من موت ونزوح وتشرد بين أهله. ويضيف أن الدعم المعنوي من أصدقاء حول العالم، إلى جانب التقدير الدولي – مثل الترشيح مرتين لجائزة نوبل، والفوز بجائزتي رافتو وRight to Livelihood – يمثل حافزاً إضافياً.

ويوجه رسالته الأخيرة للمجتمع الدولي وصناع القرار:

“نطالب بمواصلة الضغط لحماية المدنيين والمتطوعين، والأهم من ذلك وضع حد نهائي لهذه الحرب عبر إجبار الأطراف المتحاربة على وقف القتال، والتوصل إلى حل سياسي عادل ينهي هذه المعاناة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *