الهوية والذاكرة والانتهاكات المنسية حوار مع سوزان حسين

حوار مع سوزان حسين

كمبالا: (ديسمبر)

 

في وقت تتصاعد فيه وتيرة العنف في السودان، تبقى جبال النوبة/جنوب كردفان واحدة من أكثر المناطق تضررًا، وأقلها حضورًا في الخطاب الدولي والإعلامي. لا تقتصر آثار الحرب في الإقليم على الخسائر البشرية فحسب، بل تمتد لتطال النسيج الاجتماعي، والهوية الثقافية، والبيئة، والذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة.

(ديسمبر) حاورت سوزان حسين الأحمر كوكو ، خريجة الدراسات السكانية والبشرية، المهتمة والمدافعة عن الحقوق الحريات الدينية والثقافية والبيئية، والمتخصصة ومديرة منصات للتواصل الاجتماعي، عما يجري في جبال النوبة، عبر تناول الأسئلة الصعبة حول التعايش، والدين، والثقافة، والبيئة، وأسباب التهميش المستمر.

 

مجتمع جبال النوبة ظل – ولا يزال – حالة فريدة في مستوى التعايش السلمي واحترام التنوع العقائدي. نرى ذلك في أشكال الزواج المختلط بين المسلمين والمسيحيين، وتعدد الديانات داخل الأسرة الواحدة، بل وحتى في تنوع الاتجاهات الفكرية والسياسية

 

ديسمبر: من خلال متابعتك لقضية جبال النوبة، كيف أثّرت الانتهاكات المستمرة على النسيج الاجتماعي والعلاقات بين مكونات المجتمع المحلي؟

برغم وجود الكثير من الدلائل التي تشير إلى أن ما يحدث في جبال النوبة يمكن أن يؤثر سلبًا على النسيج الاجتماعي بين القبائل المختلفة، إلا أن المعارك لا تزال – إلى حد كبير – محصورة بين الأطراف التي تحمل السلاح. هذا لا يعني غياب الصراعات تمامًا، فالتوترات تظهر بشكل خاص خلال مواسم الزراعة والجفاف، حيث تتقاطع المصالح حول الأرض والموارد. ومع ذلك، لا تزال الإدارة الأهلية تقوم بدور مهم في احتواء هذه الهزات الاجتماعية.

المجتمع في جبال النوبة ما زال محافظًا على شكل من أشكال التعايش والعقد الاجتماعي غير المعلن بين قبائل النوبة والقبائل الرعوية. صحيح أن هذا التعايش يتعرض أحيانًا لاختبارات قاسية وصراعات متقطعة، لكنه لم ينهَر بالكامل، وهو ما يعكس عمق التجربة التاريخية للتعايش في المنطقة.

 

ديسمبر: ما هي أبرز التحديات التي تواجه الهوية الثقافية لشعوب جبال النوبة في ظل النزاع المسلح والتهجير القسري؟

أعتقد أن التحدي الأكبر يتمثل في محاولة العسكرة الشاملة للهوية، وزجّ الثقافة نفسها في أتون الحرب. حين تُحمّل الهوية أعباء الصراع العسكري والسياسي، تتحول من مساحة جامعة إلى أداة استقطاب. يضاف إلى ذلك غياب التوثيق الواضح والإنتاج المعرفي الثقافي القادر على إعادة قراءة الهوية بعمق، بعيدًا عن الخطابات السطحية. أما الهجرة القسرية والنزوح الطويل، فهما يخلقان ضغطًا هائلًا على الذاكرة الثقافية، التي تجد نفسها مضطرة للمقاومة في ظروف قاسية، بلا أرض ثابتة ولا فضاء اجتماعي مستقر.

 

ديسمبر: تحدثتِ عن الحقوق الدينية، كيف انعكس الصراع والانتهاكات على حرية المعتقد والممارسات الدينية في الإقليم؟

الصراع حول الحقوق الدينية في السودان ارتبط تاريخيًا بالخلفيات الثقافية والعرقية، وبإرث الاستعمار، ثم بما يمكن تسميته بالاستعمار الإسلامي العربي، الذي حوّل الدين إلى صراع هوية وكرامة، وأفرغه من معناه الروحي.

لكن مجتمع جبال النوبة ظل – ولا يزال – حالة فريدة في مستوى التعايش السلمي واحترام التنوع العقائدي. نرى ذلك في أشكال الزواج المختلط بين المسلمين والمسيحيين، وتعدد الديانات داخل الأسرة الواحدة، بل وحتى في تنوع الاتجاهات الفكرية والسياسية.

في جبال النوبة، الثقافة هي الدين الأول، لا العقيدة. هذا ما خلق نموذجًا عمليًا لما يُعرف بـ”السودان الجديد”، بغض النظر عن الجدل السياسي حول المصطلح. يكفي أن نشير إلى تقديس يوم الأربعاء، وهو رمز لا يمكن فهمه إلا ككسر للجدل الحاد بين الإسلام والمسيحية حول أيام العبادة.

 

ديسمبر: هل يمكن القول إن الانتهاكات ذات الطابع الديني حاضرة بقوة في جبال النوبة؟

في الواقع، الانتهاكات ذات الطابع الديني تكاد تكون معدومة بحسب التقارير المتوفرة، وليس ذلك نتيجة سياسات رسمية واعية بقدر ما هو نابع من طبيعة المجتمع المتعايش نفسه. ربما أكون متحيزة هنا، لكنني أؤمن أن بعض الثقافات قادرة فعلًا على خلق توازن مجتمعي يحمي التنوع، حتى في غياب سياسات تحميه.

 

ديسمبر: إلى أي مدى تأثرت البيئة والموارد الطبيعية في جبال النوبة نتيجة الحرب؟

للأسف، لا توجد تقارير دقيقة ترصد حجم الدمار البيئي الكلي منذ بداية الحروب، لكن آثار هذا الدمار واضحة، خاصة في ملف التعدين. قضايا التعدين في جنوب كردفان مرتبطة مباشرة بالعسكرة وتعدد مراكز القوة، خصوصًا في مناطق مثل هيبان وأبو جبيهة.

استخدام مواد خطرة مثل السيانيد والزئبق أدى إلى تلوث التربة، ونفوق وتشوه المواشي، وظهور تشوهات خلقية في الأجنة، إضافة إلى حالات إجهاض تجاوزت الألف حالة، وأمراض جلدية غريبة وثقها ناشطون محليون بالصور.

ديسمبر: وماذا عن الغطاء النباتي والتنوع البيولوجي؟

هذا الجانب هو الأصعب في التوثيق، بسبب غياب الدراسات العلمية المتخصصة. لكن يمكن القول إن موجات النزوح الطويلة، إلى جانب النمط العسكري في استغلال الموارد الغابية – مثل قطع الأشجار وإنتاج الفحم لتحسين الرؤية العسكرية – أثّرت بشكل كبير على التنوع الحيوي.

الذاكرة الشفاهية لجبال النوبة تحكي عن تنوع هائل للحياة البرية: أسود، ضباع، زرافات، غزلان.. اليوم تكاد المنطقة تخلو منها. وكما انتهكت الحرب البيئة، انتهكت أيضًا أجساد النساء.

 

ديسمبر: برأيك، لماذا لا تحظى انتهاكات جبال النوبة بالاهتمام الدولي الكافي؟

هناك عدة أسباب، أولها صعوبة التوثيق والوصول إلى المعلومات من المتضررين أنفسهم، وغياب الصحافة المستقلة. كما أن عدد الصحفيين من أبناء المنطقة محدود جدًا، نتيجة التهميش المعرفي وضعف المؤسسات التعليمية والإعلامية.

المجتمع المدني السوداني نفسه لديه أولويات أخرى، وغالبًا ما يكون غير منصف في تعاطيه مع قضايا جبال النوبة، ما يجعله – بشكل أو بآخر – شريكًا في هذا التهميش. أما المجتمع الدولي، فينظر أحيانًا إلى جبال النوبة باعتبارها “حركة” لا “شعبًا”، مع التأكيد على أن التعميم ليس دقيقًا دائمًا.

 

ديسمبر: كيف يمكن للثقافة والهوية أن تكونا أداة صمود ومقاومة سلمية؟

الثقافة كانت دائمًا أداة صمود وترابط وتعزيز للانتماء. هي لغة السلام والتعايش، وأحيانًا تقدم حلولًا أعمق من العقائد نفسها. اللغة والهوية هما ما مكّن الناس، ليس فقط أبناء النوبة، من العيش في جبال النوبة.

حفظ الذاكرة الثقافية، وتعزيز الانتماء، وتقديم نموذج للتعايش السلمي، كلها عناصر يمكن أن تنعكس على البرنامج السياسي والعقل الجمعي، وتفتح أفقًا مختلفًا للمستقبل.

 

ديسمبر: ما الدور الذي يمكن أن تلعبه منظمات المجتمع المدني والناشطون؟

الدور الأساسي يتمثل في التوثيق وجمع المعلومات، وتسليط الضوء على الحقوق الثقافية والدينية والبيئية، وجعلها أولوية إعلامية وتمويلية. كما يجب توثيق الذاكرة المجتمعية وسد الفجوة المعرفية في أدوات وأساليب التوثيق، ودمج هذه القضايا ضمن برامج المساعدات الإنسانية.

 

ديسمبر: في الختام، ما رسالتك للمجتمع الدولي ووسائل الإعلام؟

ما يحدث في جبال النوبة ليس جديدًا؛ هو مستمر منذ أكثر من أربعين عامًا. لن نقول مرة أخرى “انظروا إلينا”، بل سنحرص أن تكون أصواتنا وقصصنا حاضرة على طاولاتكم.

جبال النوبة قد تكون منسية، لكن كونها غير مرئية كان خياركم منذ البداية. حان الوقت لإعادة قصصنا ومعاناتنا إلى المشهد من جديد، بكم أو بدونكم، لأنه لم يعد لدينا خيار آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *