بنغازي: (ديسمبر)
في شوارع بنغازي، وعند زنقات طرابلس، وداخل أزقة مدن ليبية أخرى، يحصي السودانيون خطواتهم بدقة، يمشون بحذر، ويتلفتون ترقُّباً للمجهول الذي قد يداهمهم في أي لحظة. وجودهم هنا هشّ، محكوم بالترقب والخوف، وكأن كل حركة محسوبة على ميزان النجاة.
هؤلاء ليسوا لاجئين بالمعنى القانوني، ولا مقيمين وفق الأطر الرسمية؛ إنهم مجرد عابرين عالقين في بلد يرزح تحت أزماته الخاصة، لكنه، وللمفارقة القاسية، يحمِّلهم تبعاتها، ويعاملهم كأنهم جزء من المأساة لا ضحاياها.
تشير تقديرات غير رسمية إلى وجود نحو 700 ألف سوداني في ليبيا، فرّوا من نيران الحرب في بلادهم، ليجدوا أنفسهم في جحيم معاناة جديدة داخل بلد لا يرفضهم تمامًا، ولا يفتح لهم أبوابه في الوقت ذاته. ولا يتجلى التناقض في التعاطي الرسمي الليبي فحسب، بل يمتد إلى “الوطن” الذي قذف بهم بعيدًا، ثم أغلق أمامهم أبواب العودة، بعدما بات “المثلث” الحدودي خاضعًا لسيطرة قوات الدعم السريع.
يدفع السوداني ثمن الرحلة من دمه وقلبه ليصل، ثم يكتشف أن ما بلغه ليس سوى رأس جبل الجليد من الألم. ويمكن تقسيم الوجود السوداني في ليبيا إلى ثلاث فئات رئيسية: أولها المقيمون قبل الحرب، أو ما يُعرفون بـ”سودانيي ليبيا”، ممن عاشوا في البلاد لسنوات طويلة أو وُلدوا فيها. وثانيها فئة العابرين، المعروفين بـ”جنقو ليبيا”، الذين ينظرون إلى ليبيا كمحطة مؤقتة في طريقهم نحو أوروبا، وغالبيتهم من فئة الشباب. أما الفئة الثالثة فهي فئة الهاربين من الحرب، الذين قصدوا ليبيا بحثًا عن قدر من الاستقرار بعد اندلاع النزاع في السودان.
ورغم تباين أوضاع هذه الفئات، إلا أن القاسم المشترك بينها هو الاستغلال. فالفئة الأولى تعيش حالة “غربة داخل الغربة”، بينما يتعرض “الجنقو” لاستغلال واسع من قِبل المهربين، في ظل أوضاعهم غير القانونية وغياب سلطة الدولة. أما الفئة الثالثة، التي تضم موظفين وأرباب أسر فقدوا استقرارهم، فتواجه استغلالًا في السكن والعمل والأجور، وتصطدم بتوصيف “براني” الذي يُطلقه الليبيون على الأجانب.
وفي خضم هذه المعاناة، تبرز حملات الترحيل القسري للأجانب تحت شعار “ليبيا لليبيين”. وقد شهدت البلاد في فترات سابقة ترحيلات شملت تشاديين ومصريين، ولم يكن السودانيون بمعزل عن هذه الإجراءات، إذ تُنفذ الترحيلات عبر المعابر البرية، وبالتنسيق مع سفارات الدول المعنية.
في المقابل، وبينما يرغب ليبيون كُثر في مغادرة الأجانب لبلادهم، يحلم السودانيون بتحقيق الطلب ذاته: مغادرة ليبيا. تقول (خالدة)، وهي سودانية التقيناها هناك: “عندما وصلنا إلى ليبيا كان الوضع مقبولًا نسبيًا، لكن مع تزايد أعداد السودانيين الفارين من الحرب بدأت تتصاعد أصوات الرفض ضد المهاجرين، خصوصًا الأفارقة”. وتضيف: “الوضع أصبح صعبًا للغاية. هناك من يهددنا علنًا بالقتل لإجبارنا على المغادرة. نحن كسودانيين لا نريد سوى العودة إلى بلدنا”.
لكن سؤال: كيف نعود؟ يبقى بلا إجابة. فالطرق مغلقة، والطيران مكلف وإجراءاته معقدة، ولم تتبقَّ سوى الصحراء، وهي طريق محفوفة بالموت. طريق المثلث مغلق، والطريق البري عبر مصر شديد الخطورة، إذ قد يواجه العائدون الشرطة أو يُتركوا في عمق الصحراء. السير طويل وقاسٍ، لا يحتمله الأطفال ولا كبار السن.
في ليبيا، يتجسد المعنى القاسي للقول الشعري: “الغربة مِيْتة ممرحلة، والعودة للوطن انتحار”. يقول (إبراهيم)، وهو أحد الراغبين في العودة إلى السودان، إنه لا يتحدث عن الحرب أو غياب الخدمات هناك، بل عن استحالة الوصول أصلًا. يعيد سرد معاناة الطرق المغلقة، والإجراءات المعقدة التي تفرضها السلطات الليبية، والرسوم المطلوبة، فضلًا عن مخاطر طريق مصر، واستحالة توفير ثمن تذاكر الطيران في ظل التزامات الحياة اليومية من طعام وشراب وعلاج وإيجار وتعليم. ويضيف أن رغبة الأسر في تأمين التعليم لأطفالها هي ما يدفعها، paradoxically، للتفكير في العودة إلى أهوال السودان.
“هنا، البحر لا يرحم، لكنه أرحم من برّ البشر”، يقول شاب سوداني وهو يودع رفاقه. يفضل الموت غرقًا على أن يلتهمه الاستغلال على اليابسة. أخبار إيقاف السلطات الليبية لقوارب تقل شبانًا سودانيين نجوا من ابتلاع البحر باتت خبرًا عاديًا في يوميات السودانيين على الأراضي الليبية.
وفي مشهد آخر، تكرر سيدة ستينية سؤالها للمرة العاشرة: “هل من جديد بشأن رحلات العودة الطوعية إلى السودان؟ كفانا هنا، أعيدونا لنموت في بلدنا”. وفي وقت سابق، أعلنت القنصلية السودانية في بنغازي إطلاق مبادرة “العودة الطوعية” لمواطنيها الفارين من الحرب، بهدف إعادة آلاف السودانيين الذين توزعوا على مدن ليبية عدة، من بينها الكفرة وسبها والجفرة ودرنة والبيضاء.
وأوضحت القنصلية في بيان لها أن العملية تبدأ بحصر الراغبين عبر رابط إلكتروني، محذرة من التسجيل في أكثر من منطقة تفاديًا لفقدان حق الاستفادة من البرنامج. وعللت الخطوة بما وصفته بـ”التحسن المطّرد” في الأوضاع الأمنية داخل السودان، إلى جانب تنامي رغبة المواطنين في العودة. غير أن ما يُعلن عنه افتراضيًا تصطدم به الوقائع على الأرض، حيث الازدحام الشديد للمواطنين في انتظار استخراج الأوراق الثبوتية والجوازات المطلوبة من السلطات في شرق ليبيا للحصول على بطاقة الفحص الأمني.
وفي غرب ليبيا، أكملت السفارة السودانية إجراءات أول رحلة للعودة الطوعية عبر البحر، باستخدام باخرة تقل نحو 1200 شخص انطلقت من مدينة مصراتة متجهة إلى بورتسودان في رحلة تستغرق ستة أيام، وعلى نفقة العائدين الخاصة، إذ حُددت قيمة التذكرة بنحو 1200 دينار ليبي (حوالي 220 دولاراً أمريكياً)، وسط إقبال كبير من السودانيين الذين يترقبون تنظيم مزيد من رحلات التفويج.
بين الخرطوم ومدني والفاشر والأبيض، وبين طرابلس وبنغازي والكفرة، التي تحولت إلى سجن سوداني آخر خارج الحدود، حيث لا يمكن مغادرتها نحو الداخل الليبي ولا العودة منها إلى البلاد التي تُركت خلفهم، تدور رحلة السودانيين في حلقة مفرغة. فهم محاصرون بين عالمين لا يعترف أيٌّ منهما بوجودهم، ولا يتبقى لهم سوى التشبث بالحياة، في انتظار معجزة قد لا تأتي أبدًا.