(الآلية الأممية) بديلاً لأطراف الحرب
شوقي عبد العظيم
قبل (24) ساعة من عقد جلسة بخصوص الشأن السوداني في واشنطن كان رأي كثيرين أن مبادرة الرباعية في طريقها للفناء، وأنها لحقت بالمبادرات التي سبقتها. لكن الجلسة التي نظمتها وزارة الخارجية الأمريكية الثلاثاء الماضي كشفت العكس، وهو أن مبادرة الرباعية ظلت باقية وتعمل بصمت ومتمسكة ببلوغ أهدافها، وهذا ما عبر عنه صراحة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية عندما قال خلال الجلسة: “المجموعة الرباعية أمضت 3 أشهر في إعداد خطة سلام شاملة للسودان تقوم على 5 محاور رئيسية تشمل: الجانب الإنساني، حماية المدنيين، وقف إطلاق النار، إطلاق عملية سياسية تقود إلى تشكيل حكومة مدنية، وإعادة الإعمار”.
ولا يفوت على أحد أن نشاط “الرباعية” وتدارس خطتها لم يكن بعيداً عن طرفي الحرب؛ الجيش وقوات الدعم السريع، أي أن الجميع كان منخرطاً في نقاش الحل التفاوضي على الرغم من تصريحات المنابر. غير أن الجدير بالنقاش ملامح (خطة سلام السودان الشاملة) التي أشار إليها مستشار ترمب، خاصة التوافق على آلية الأمم المتحدة كجهة مسؤولة عن التنفيذ.
الحاجة إلى آلية أممية
منذ أن قدمت آلية الرباعية خطتها في 12 سبتمبر 2025 كانت العقبة الكؤود هي الاتفاق على الجهة التي تشرف على التنفيذ والمراقبة، فالتنفيذ مرتبط بـ(الهدنة الإنسانية)، والهدنة تعني أن يلتزم كل طرف بوقف إطلاق النار. ويمكن استذكار عدد الهدن التي انهارت منذ اندلاع الحرب في الخرطوم، وأنتجت ملاومة بين الطرفين بعد أن يتهم كل طرف الآخر بالخرق.
الآلية الأممية تعني، من جهة أخرى، أنها نتاج تعنت الجيش من جهة، والدعم السريع من جهة أخرى، وتمسكهما بالمناطق التي يسيطران عليها، وعدم سماح أي طرف للآخر بدخول مناطقه تحت أي مسمى، وإن كان تقديم المساعدات الإنسانية أو لجان تحقيق. وفي هذه الحالة تصبح الحاجة إلى طرف ثالث محايد ومقبول ضرورية.
ومعلوم أن لكل طرف تحفظات تجاه دولة من دول “الرباعية”، وهذا يصعِّب تشكيل الدول التي أشرفت ورعت على الاتفاق على قوة (مشتركة) تقوم بتنفيذ الاتفاق. وأخيراً الانتقادات التي ظلت توجَّه إلى مبادرة الرباعية من رافضي الاتفاق، خاصة من جماعة النظام البائد لكون المبادرة غير ملزِمة استناداً إلى عدم تفويض الدول التي خلفها. هذه الأسباب مجتمعة جعلت إسناد تنفيذ خطة سلام السودان الشاملة خطوة ضرورية في اتجاه انجاحها.
مخاوف العرقلة
عرض خطة سلام السودان على مجلس الأمن الدولي تكتنفه مخاوف تتعلق بالاعتراض عليها أو التصويت برفضها من قبل عدد من الدول الأعضاء في المجلس، وبالذات من دول تحتفظ بحق “الفيتو” مثل روسيا والصين. وإن شئنا الدقة فإن المخاوف تتمحور حول روسيا أكثر من غيرها لأسباب عديدة، في مقدمتها أن المبادرة أمريكية ونجاحها يفتح نوافذ جديدة لأمريكا في المنطقة، خاصة في منطقة البحر الأحمر وسواحله التي يحوز السودان على شواطئ ممتدة فيه، وتتنافس عليها كثير من الدول وفي مقدمتها روسيا وأمريكا.
ومن الأسباب الباعثة على القلق التقارب المعلوم بين روسيا الرسمية والجيش السوداني، أو بالأحرى بين روسيا والنظام القديم. ويذكر الجميع التقارب الذي حدث بين الرئيس المخلوع عمر البشير في آخر سنوات حكمه والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتؤكد شواهد كثيرة على تعاون كبير بين النظام البائد وروسيا في مجال الذهب والسلاح والتدريب العسكري، وظلت روسيا تقدم السند السياسي للنظام إلى حين سقوطه. وعندما طرحت هذه المخاوف على مسعد بولس خلال مقابلة تلفزيونية حاول التقليل منها، وقال: “فيما يتعلق بالتصويت على قرار السلام، أود أن أقول إن أي قضية أو نزاع أو مبادرة يتم تبنيها من قبل مجلس السلام ستحظى بزخم كبير، وفي رأيي، ستكون مكمّلة بالتأكيد لأي جهود تتم تحت مظلة الأمم المتحدة”.
ويرى خبراء أن الولايات المتحدة ومن معها من دول الرباعية حصلوا بالفعل على ضمانات دولية من داخل مجلس الأمن للمضي في استخدام الآلية الأممية، وضمنوا كذلك التصويت بالقبول على الخطة من قبل أعضاء المجلس، خاصة أن رفضها من قبل الدول صاحبة كارت “الفيتو” محرج ومكلف لتلك الدول، خاصة دولة مثل روسيا التي تنظر إلى الرئيس الأمريكي كفاعل وحيد في أزمتها مع أوكرانيا. كما أن تصريحات مسعد ذاتها تشير من طرف إلى هذه الضمانات، حين قال: “نحن هنا اليوم، ولدينا جميع المتطلبات التقنية جاهزة، سواء كانت آلية الأمم المتحدة المتعلقة بالجانب الإنساني والمتعلقة بالانسحاب من بعض المدن، أو نزع السلاح”، وما لا خلاف عليه أن تبنيها من قبل مجلس الأمن يمنحها قوة ومصداقية وقابلية للتنفيذ والنجاح.
الآلية الأممية وسحب القوات
إضافة لكل ما سبق هناك مؤشرات كثيرة تؤكد أن سحب القوات العسكرية من المدن وحماية المدنيين تجعل من وجود آلية الأممية ضرورة وفكرة ذكية من شأنها أن تحول خارطة الرباعية من قبل وخطة سلام السودان الشامل الحالية إلى خطط واقعية قابلة للتنفيذ، خاصة بعد موافقة طرفي الحرب عليها، على حد تصريحات مسعد بولس. وفي تقدير كثير من المحللين والخبراء السياسيين فإن “آلية الأمم المتحدة” والموافقة المبدئية عليها من الجيش والدعم السريع أهم ما جاء في تصريحات مسعد بولس وريما بندر، سفيرة المملكة العربية السعودية لدى الولايات المتحدة الأمريكية، خلال جلسة دعم السودان في واشنطن، إذ قال بولس: “هناك آلية تابعة للأمم المتحدة تتعلق بسحب القوات من بعض المدن ذات الأولوية”، ومضى قائلا: “الأطراف بموجب هذه الآلية اتفقت مبدئياً على الانسحاب من المدن”، وسمى الدعم السريع ومدينة الفاشر في تصريح منفصل للتأكيد على الدور القوى المتوقع للآلية. وقال بحسب ما جاء في قناة الشرق “إن التواصل مع قوات الدعم السريع مستمر، وإنها مستعدة للمضي قدماً في هذه الآلية الإنسانية، خاصة في مدينة الفاشر”، مؤكداً حصولهم على الموافقة من حيث المبدأ.
ومعلوم أن وجود قوات أي طرف من الطرفين داخل المدن يضعها ضمن أهداف الطرف الآخر العسكرية، وبطبيعة الحال يجعل ذلك السكان المدنيين في دائرة الخطر، وهو ما يحدث اليوم بكثافة، كما أن السكان سوف يظلون تحت رحمة المسلحين من الجيش أو الدعم السريع الموجودين بين المدنيين، وتصبح الأوضاع الأمنية رهينة بتطورات الحرب والسيطرة العسكرية. ولكن في ظل وجود آلية عسكرية أممية محايدة ومهنية يمكن عودة الحياة وتعافيها تدريجياً حتى تكتمل خطة السلامة المقدر لها بإدارات مدنية وإنهاء المظاهر العسكرية، إلى أن تتولى الشرطة مهام الأمن في داخل المدن.
القوات الأممية: تجارب مريرة
لا يمكن تجاهل تجارب الأمم المتحدة المريرة عبر قوات حفظ السلام أو قوات السلام، أو أي مسميات أخرى، إذ تسببت في أزمات أكثر من تحقيق حلول في المناطق التي حلت بها. وأشهر التجارب في القارة الإفريقية تجربة قوات مونسكو (MONUSCO) التي دخلت دولة الكونغو في 1999 وظلت باقية إلى اليوم، وسط سخط شعبي عليها واتهامات بالفشل والفساد.
وحظي السودان بتجربة مماثلة، وإن كانت أقل عمراً في دارفور إبان العملية المشتركة للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة في دارفور المعروفة بـ(قوات يوناميد UNAMID)، فقد كانت أحد نتائج تعنت نظام المؤتمر الوطني وتمسكه بحل أزمة دارفور عسكرياً. دخلت بعثة (يوناميد) السودان في (2007) وكان تفويضها (12) شهراً غير أنها مكثت ما يزيد على (13) عاماً، وتعد أكبر بعثة أممية تحت البند السابع في العالم، وكان الصرف عليها يتعدى (100) مليون دولار شهرياً. والحقيقة أن إقليم دارفور شهد استقراراً نسبياً بعد اتفاق السلام الذي يعرف باتفاق سلام جوبا في (2020). والجدير بالذكر أن بعثة (يوناميد) في دارفور نفسها لم تسلم من الاتهامات بالفشل والفساد وقلة الفاعلية. وبالعودة للآلية الأممية المناط بها تنفيذ خارطة سلام السودان الشامل والتي تحدث عنها مسعد بولس فمن المهم أن تتعامل معها القوى المدنية تحديداً بحذر شديد، واستصحاب المخاوف والتجارب السابقة في التعامل معها حتى لا تتحول من فزع إلى وجع.
هل الهدنة الإنسانية قريبة؟
وفقاً للتحركات الإقليمية في الأشهر الماضية والتصريحات الأخيرة، فإن الهدنة الإنسانية أقرب من أي وقت مضى، ومن الواضح أن عملاً دؤوباً وسرياً كان يجري لحمل الأطراف الموافقة على الهدنة. وقال بولس: “أمضت الرباعية 3 أشهر في إعداد خطة سلام شاملة للسودان”. ومعلوم أن طبيعة الحرب والمتحاربين تفرض على المجتمع الدولي التدخل في الأزمة من مدخل إنساني وحماية المدنيين، والقبول بهذا المدخل من أطراف الحرب سيدفع إلى إنهاء الحرب، بعد تحرر الجيش من ممانعة الإسلاميين في وضع حد للحرب قبل نجاح مشروعهم السياسي القائم على شيطنة القوى السياسية والمدنية وانفرادهم بالمشهد بعد دفع كتائبهم للمشاركة في الحرب. وقال بولس: “لذا، لنبدأ بالقضية الإنسانية من خلال تطبيق الآلية الأممية، والانطلاق منها لتحقيق خطوات عملية ملموسة”.
غير أن العامل الأكثر تأثيراً في هذه المرحلة هو ميدان الحرب في حد ذاته، والذي يؤكد أن بسط السيطرة الكاملة لطرف من الأطراف عبر القوة العسكرية أمر مستحيل، وأن استقرار المدن لا يمكن أن يكون والأعداء على التخوم يمسكون بالطائرات المسيرة والمدفعية بعيدة المدى.