فك تجميد عضوية السودان: شرعية مستعجلة وسط الكارثة
فيصل السعيد
في الثاني عشر من فبراير 2026، رفض مجلس السلم والأمن الإفريقي – في اجتماع حاسم بأديس أبابا – اقتراحاً لفك تجميد عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي. القرار جاء رغم الضغوط المكثفة من دول حليفة للجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وأثار سؤالاً جوهرياً: هل يمكن منح الشرعية الدولية لسلطة عسكرية وسط أسوأ كارثة إنسانية في العالم؟
كارثة بلا أفق
الأرقام صادمة ولا تحتمل التأويل: 33.7 مليون سوداني – ثلثا السكان – بحاجة ماسة للمساعدة الإنسانية. 13.6 مليون نازح في أكبر أزمة نزوح عالمية. 21 مليون شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد. مجاعة معلنة في الفاشر وكادوقلي، و20 منطقة أخرى مهددة بالمصير نفسه.
منذ انفجار الحرب في 15 أبريل 2023، لم يتوقف الدمار. أطفال يُقتلون في المساجد والمدارس بضربات الطائرات المسيرة. مستشفيات تُقصف ومخازن الأمم المتحدة تُدمر. نساء يُغتصبن كسلاح حرب. نظام صحي منهار بالكامل – 37% من المرافق الصحية خارج الخدمة – و201 هجوماً موثقاً على المنشآت الطبية.
هذا هو السودان اليوم: ليس دولة في حالة حرب، بل كارثة إنسانية كاملة الأوصاف.
الضغط الإقليمي: شرعية بأي ثمن
في اجتماع 12 فبراير، قادت دول حليفة للجيش السوداني حملة دبلوماسية مكثفة لفك التجميد. الحجة المعلنة: السودان دولة مؤسِّسة للاتحاد الإفريقي، ولا يمكن حرمانها من دورها. الحجة الأعمق غير المعلنة: دعم البرهان وتعزيز موقفه الإقليمي.
وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم طالب بإنهاء التعليق، مستشهداً بعودة “حكومة الأمل” المدنية برئاسة كامل إدريس إلى الخرطوم، ومعتبراً أن “الشرط الأساسي” – تشكيل حكومة مدنية – قد تحقق.
لكن المجلس رفض. ليس عناداً، بل لأن السؤال الحقيقي ليس: هل هناك حكومة مدنية؟ بل: أي حكومة؟ وتحت أي ظروف؟ ومن يتحكم فعلياً في القرار؟.
حكومتان، مبادرة واحدة، وصفر نتائج
الواقع السوداني أعقد من الخطاب الدبلوماسي. “حكومة الأمل”، التي يشير إليها النظام العسكري، عادت فعلاً إلى الخرطوم – بعد ثلاث سنوات من النزوح – لكنها تعمل تحت سقف العسكر وفي ظل حرب مستعرة.
في الوقت نفسه، أعلن “تحالف تأسيس” (المرتبط بقوات الدعم السريع) “حكومة موازية” في نيالا، رفضها الاتحاد الإفريقي فوراً واعتبرها كياناً غير شرعي.
المبادرة الوطنية للسلام التي قدمها كامل إدريس في 22 ديسمبر 2025 – والتي رحب بها مجلس السلم والأمن – تدعو لوقف إطلاق نار شامل وحماية المدنيين وحوار سوداني شامل. لكنها تبقى حبراً على ورق: لا وقف لإطلاق النار، لا حوار حقيقياً، لا حماية للمدنيين.
الأسبوع الماضي فقط، ثمانية أطفال قُتلوا في هجوم على الأبيض. طفلان قُتلا و13 أصيبوا في ضربة طائرة مسيرة على مسجد في الرهد، حيث كانوا طلاباً في المدرسة المجاورة. مدرسة ابتدائية في الدلنج تعرضت للقصف. هذا ليس مساراً نحو السلام – هذا تصعيد ممنهج.
الصوت المدني: لا شرعية لانقلاب
تحالف “صمود” المدني – بقيادة رئيس الوزراء الانتقالي السابق عبد الله حمدوك – أرسل وفداً إلى أديس أبابا لإجراء مشاورات مكثفة مع الدول المؤثرة في الاتحاد. موقفهم واضح وصريح: “السبب الرئيسي للتعليق ما زال قائماً: غياب حكومة شرعية، واستمرار الانقلاب ضد الشرعية”.
الدكتور بكري الجاك، المتحدث باسم التحالف، شدد على أن موقفهم ليس تفكيكاً للدولة السودانية، بل “قراءة موضوعية لأسباب التعليق – والشروط التي أدت إليه ما زالت موجودة”.
نقطتهم الأعمق: منح الشرعية لطرف على حساب آخر لا يساعد في الحلول، بل “يزيد تعقيد الأزمة ويطيل الحرب”. الاتحاد الإفريقي جمّد العضوية في أكتوبر 2021 لأن انقلاب 25 أكتوبر كسر المسار الديمقراطي. اليوم، لم تُعالج أسباب ذلك الانقلاب، بل تفاقمت إلى حرب أهلية.
المعيار الأفريقي: وقف الحرب أولاً
مجلس السلم والأمن لم يرفض فك التجميد عبثاً. في بيانه الختامي، حدد المطلوب بوضوح:
– هدنة إنسانية فورية تؤدي لوقف كامل لإطلاق النار،
– حوار سوداني شامل يعالج الأبعاد الأمنية والسياسية للأزمة،
– استعادة سريعة وكاملة لحكومة مدنية منتخبة ديمقراطياً،
وأضاف بحزم: “لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري مستدام للصراع”.
هذا الموقف يعكس إدراكاً أفريقياً لحقيقة بسيطة: منح الشرعية الدولية الآن يعني مكافأة طرف على الحرب، وإعطاء غطاء دبلوماسي لكارثة مستمرة، وتفريغ المعايير الإفريقية من مضمونها.
التدخلات الإقليمية: وقود على النار
الحرب السودانية ليست محلية الصنع فقط. تقارير موثقة تكشف تدخلات إقليمية ودولية متعددة تغذي الصراع من كل الجهات. وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم اتهم “جهات أجنبية” بتأجيج الصراع عبر توفير أسلحة متقدمة وطائرات مسيرة وتجنيد مرتزقة. لكنه لم يسمِّ هذه الجهات – ولسبب وجيه: بعضها حلفاء رسميون.
المفارقة المرّة: الدول التي تضغط لفك التجميد هي نفسها التي تغذي الحرب بالدعم المتعدد الأشكال.
ثمن الحرب: أطفال السودان
خلف الأرقام الصادمة، هناك وجوه. نصف الـ33.7 مليون محتاج للمساعدة الإنسانية هم أطفال. 5 ملايين طفل أُجبروا على النزوح – ما يعادل 5,000 طفل يُهجّر يومياً. ملايين الأطفال معرضون للاغتصاب والعنف الجنسي – بينهم أطفال في عمر السنة الواحدة.
الأطفال يُقتلون وهم يصلّون، يُقصفون وهم يدرسون، يُغتصبون وهم يهربون، ويموتون جوعاً وهم ينتظرون مساعدة لا تصل.
الخلاصة المرة
الشرعية الدولية ليست ختماً مطاطياً يُمنح عند الطلب. إنها مسؤولية تُكتسب بوقف الحرب، وحماية المدنيين، وإعادة المسار الديمقراطي.
الدول الحليفة تضغط لفك التجميد باسم “الحكمة والبراغماتية”. لكن البراغماتية الحقيقية تقول: لا يمكن بناء استقرار على جثث الأطفال. لا يمكن منح شرعية لسلطة تقصف المدارس وتحاصر المدنيين.
قرار مجلس السلم والأمن في 12 فبراير 2026 ليس عقاباً للسودان – إنه دفاع عن المبادئ الإفريقية. الاتحاد الإفريقي يقول بوضوح:
أوقفوا الحرب أولاً.
أعيدوا المسار المدني.
احموا المدنيين.
ثم تعالوا نتحدث عن العضوية.
البديل؟ تحويل الاتحاد الإفريقي إلى مؤسسة تصادق على الانقلابات وتغطي على الحروب – وهذا تدمير للمشروع الإفريقي نفسه.
السؤال الحقيقي ليس: متى يُرفع التجميد؟
بل: متى تتوقف المجازر؟ متى يعود الأطفال لمدارسهم؟ متى ينتهي عذاب 33.7 مليون إنسان؟.