الأيديولوجيا وسقوط الأنظمة
درس إيران وانعكاساته على السودان
صفاء الزين
النظام الإيراني أثبت أن الأيديولوجيا تتحول إلى أداة قمعية تهدم الدولة من الداخل، فالسلطة التي تُدار وفق رؤية أيديولوجية صارمة، وتستثني كل صوت مخالف، تتحول إلى قيد على المجتمع وتفقد القدرة على التجدد ومواجهة التحولات، والقوة العسكرية والانتشار الإقليمي يعجزان عن تعويض هشاشة الشرعية، وتمنح الدولة صمودًا أمام اختبارات صادمة تكشف محدودية بنيتها، والتاريخ السياسي يؤكد أن الأنظمة التي تعتمد على السيطرة المطلقة تتعرض للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي.
الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر قال: “القوة التي تفرض نفسها على المجتمع بدون مراعاة القانون تتآكل من الداخل قبل أن تنهار أمام الخارج”، هذه المقولة تحديداً تلخص جوهر الأزمات التي تواجه الأنظمة الأيديولوجية، والنظام الإيراني خلال العقود الماضية صاغ ذاته كسلطة مطلقة؛ قمع المعارضة الداخلية، وأدار شبكة من النفوذ الإقليمي عبر جماعات مسلحة، ما زاد توتر البيئة الإقليمية وأعاق الاستقرار طويل الأمد.
إن التجربة الإيرانية أثبتت هشاشة أي سلطة تعتمد على الخوف والتهديد لتثبيت حكمها، وكل محاولة لفرض الهيمنة خارج حدود الدولة أدت إلى زيادة العزلة السياسية، وصعوبة إدارة الملفات الداخلية، وتعقيد التحالفات، وانهيار القيادة العليا في مواجهة صدمات استراتيجية كشف الاعتماد المفرط على مركزية القرار وضعف المؤسسات، وأثبت أن القوة العسكرية والهيمنة الإيديولوجية لا توفران حماية دائمة.
أما السودان الذي يعيش تجربة مشابهة بأشكال محلية، فيه الحركة الإسلامية سيطرت على القرار السياسي لأجيال، وربطت السلطة بالدين وبأيديولوجيا صارمة. هذه الهيمنة حولت الدولة إلى رهينة لمشروع جماعي، وأشعلت الحرب داخل البلاد بهدف العودة للسلطة، ما أدى إلى تدمير المؤسسات، وزعزعة الاستقرار، وإطالة النزاع الاجتماعي والسياسي، وكل أزمة خارجية أو اعتراض داخلي تحول إلى تهديد للنظام، وأظهر هشاشة مؤسسات الدولة وصعوبة إدارة الدولة في ظروف النزاع.
بذلك نجد أن السيطرة الأيديولوجية على السياسة تمنع بناء دولة قوية ومستقرة، وتخلق مؤسسات ضعيفة، شرعية مهزوزة، انقسامات اجتماعية وسياسية عميقة، واستمرار الصراع على الهوية والاتجاه، جميعها انعكاس لهيمنة الفكر الأيديولوجي، وإصرار الحركة الإسلامية على الحفاظ على السلطة بأي ثمن. استمرارية هذه السيطرة أضعفت القدرة على التكيف مع التحولات، وحوّلت كل صدمة خارجية إلى أزمة داخلية، وأظهرت أن القمع والهيمنة المؤسسية لم يحميا الدولة، بل جعلاها أكثر عرضة للانهيار.
الدرس المستفاد أن الاستقرار يبدأ من إعادة بناء الدولة على أسس مؤسساتية قوية، ومشروع وطني شامل يحترم حقوق الناس، ويضع المصلحة العامة فوق أي أيديولوجيا، ويخلق آليات واضحة للمساءلة والرقابة، وأي محاولة لإدارة الدولة بالولاء لمشروع أيديولوجي ضيق تحوّل المجتمع إلى ساحة للصراعات الداخلية والخارجي. والتاريخ يوضح أن الأنظمة التي تسيطر على شعوبها بالقوة والأيديولوجيا تواجه نهايتها عاجلاً أو آجلاً، وسقوطها يتيح فرصة أمام المجتمعات لإعادة التفكير في العلاقة بين السلطة والمواطن، وتصحيح مسار الحكم نحو دولة تقوم على القانون والمؤسسات.
إن تجربة السودان تؤكد أن الاعتماد على المحاور الخارجية لا يوفر حماية طويلة الأمد، والتحالفات القائمة على المصالح المؤقتة أو الإيديولوجية تصبح سريعة الزوال عند تغير موازين القوة، والدولة التي تركز على مصالح حزب أو جماعة محددة على حساب المجتمع ككل تتعرض لضغوط مزدوجة: من الداخل بسبب فقدان الشرعية، ومن الخارج بسبب عدم القدرة على التكيف مع التحولات الإقليمية. وهذا الواقع يوضح أن بناء الدولة يتطلب التركيز على مصالح المواطنين، وتعزيز مؤسسات مستقلة قادرة على الصمود، وضمان مشاركة سياسية عادلة، ورفض الهيمنة الأيديولوجية التي تؤدي إلى صراعات لا تنتهي.
كما أن التحولات الأخيرة في المنطقة تشير إلى بداية مرحلة جديدة، حيث تسقط أنظمة كانت تبدو قوية، ويظهر ضعف مؤسساتها وهشاشة بنيتها الاجتماعية والسياسية. والتجارب تثبت أن الانهيار لا يحدث بسبب فقدان القوة العسكرية فقط، وإنما بسبب فقدان الشرعية والقدرة على التكيف مع الظروف المستجدة، والدروس الإيرانية والسودانية مشتركة في أن الأيديولوجيا القمعية تحول الدولة إلى ساحة نزاع، وتجعل تحقيق الاستقرار بعيد المنال.
أخيرا: السودان اليوم أمام فرصة لإعادة النظر في أسس حكمه، وتحديد مشروع وطني مستقل عن السيطرة الأيديولوجية. فالبلاد تحتاج إلى بناء مؤسسات قادرة على تحمل الصدمات، وضمان حكم عادل وشفاف، وتحقيق التوازن بين السلطة والمجتمع، وإعادة صياغة العلاقة مع القوى الإقليمية على أساس المصالح الوطنية، بعيدًا عن الولاء الأيديولوجي الذي أشعل الحرب ودمّر الدولة. هذا الطريق وحده الذي يحقق الاستقرار الطويل الأمد ويكسر دورة النزاعات المتكررة، ويؤسس لدولة تحترم مواطنيها وتضع القانون فوق كل اعتبار.