الدولة السودانية: قراءة سياسية في الجذور لا في الأحداث (6)
من الهشاشة إلى العنف: كيف تتحول الأزمة البنيوية إلى صراع متكرر؟
بقلم: صفاء الزين
في الجزء السابق تم تناول علاقة المركز بالأقاليم بوصفها أحد المفاتيح البنيوية لفهم هشاشة الدولة السودانية، وكيف أُعيد إنتاج الإقصاء عبر مركزية السلطة وغياب المشاركة. وفي هذا الجزء يتم الانتقال خطوة أبعد لفحص كيفية تحول الهشاشة المؤسسية من حالة كامنة داخل بنية الحكم إلى عنف متكرر، وكيف يصبح الصراع نتيجة لمسار سياسي مختل.
الدولة الهشة تتآكل تدريجيًا مع فقدان قدرتها على إدارة التنوع، وتوزيع الموارد بعدالة، واحتكار العنف بصورة مشروعة. وفي الحالة السودانية كان العنف انعكاسًا لبنية حكم لم تُؤسَّس على عقد اجتماعي جامع، ولم تُبنَ على مشاركة متوازنة بين مكوناتها المختلفة.
عند إغلاق قنوات التعبير السياسي، وتحول القرار العام إلى دائرة ضيقة في المركز، تتراكم المطالب دون آلية استيعاب مؤسسية، ومع تراجع الثقة في عدالة الدولة ينتقل الصراع من المجال السياسي إلى المجال الأمني. وفي هذه المرحلة يصبح العنف نتيجة لتآكل المسار المدني وعجز المؤسسات عن إدارة الخلاف بصورة سلمية.
الإشكالية تتجلى في أن الدولة لم تطور مؤسسات وسيطة قادرة على امتصاص التوترات، مثل أحزاب وطنية راسخة، ونقابات مستقلة، ومجالس محلية فاعلة، وقضاء يتمتع بسلطة فعلية. وجرى التعامل مع الأزمات عبر تسويات ظرفية، أو معالجات أمنية قصيرة الأمد أعادت إنتاج الأزمة، فيتحول الاحتجاج إلى تمرد، والتمرد إلى صراع مسلح، ثم إلى اتفاق سياسي هش يعيد ترتيب النخب، دون تغيير جوهر البنية المختلة.
العنف المتكرر في السودان يرتبط بغياب شرعية مستقرة. فالشرعية لم تُبنَ على تمثيل واسع أو مشاركة حقيقية، وإنما على توازنات قوة متغيرة، ومع تغير موازين القوة يتزعزع البناء السياسي، وتتحول الدولة إلى ساحة صراع بين مراكز قوى، بدلاً من أن تكون إطارًا جامعًا يدير الاختلاف.
عسكرة المجال السياسي أسهمت في تحويل الخلاف إلى صدام، ومع تداخل المؤسسة العسكرية مع المجال المدني وتوسع أدوارها خارج الإطار الدستوري تتعقد عملية بناء سلطة مدنية مستقرة، ويتحول التنافس السياسي إلى تنافس على أدوات القوة، ويتعمق ضعف مؤسسات الدولة.
من أخطر مظاهر الهشاشة فقدان احتكار العنف المشروع، ومع تعدد مراكز السلاح وضعف قدرة الدولة على ضبطه، ضمن إطار قانوني موحد، يتراجع الإحساس بالأمان وتتآكل الثقة في المؤسسات. ومع كل جولة صراع تتراجع البنية الإدارية والاقتصادية، وتدخل الدولة في دائرة متكررة من الضعف وعدم الاستقرار.
التجربة السودانية توضح أن معالجة العنف عبر اتفاقات سياسية جزئية دون إعادة بناء شاملة لعلاقة الدولة بالمجتمع تؤدي إلى تهدئة مؤقتة. فالاتفاق الذي لا يعالج جذور الإقصاء، ولا يؤسس لمشاركة متوازنة، ولا يعيد توزيع السلطة بصورة عادلة، يبقى عرضة للانهيار مع أي تحول في موازين القوى.
الانتقال من الهشاشة إلى الاستقرار يتطلب إعادة تأسيس العقد السياسي على أسس واضحة، ويتطلب ذلك بناء مؤسسات تمثيلية حقيقية، وتعزيز استقلال القضاء، وضبط العلاقة بين المدني والعسكري، وإقرار لامركزية فعلية تقوم على توزيع واضح للسلطات والموارد، مع آليات رقابة فعالة تمنع إعادة تمركز السلطة في دائرة ضيقة.
استمرار الأزمات المتراكمة دون معالجة مؤسسية شاملة يعمّق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، ويجعل أي انتقال سياسي عرضة للانتكاس، وغياب رؤية استراتيجية لإعادة بناء مؤسسات الحكم يترك المجال مفتوحًا لإعادة إنتاج الصراع في صور مختلفة، سواء عبر تنافس مسلح أو صراعات سياسية حادة تعطل عملية الاستقرار، وبناء دولة مستقرة يتطلب إعادة هيكلة العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص، مع ترسيخ قواعد حكم واضحة تقلل من احتمالات الانفجار الدوري للأزمات. ودون هذا التحول البنيوي ستظل الدولة عرضة لدورات متكررة من عدم الاستقرار، ويتحول الصراع إلى عنصر دائم في المشهد السياسي بدلاً من أن يكون استثناءً مؤقتًا.
في الجزء القادم سنتناول مسألة الشرعية وإعادة بناء الثقة، مع بحث إمكانية صياغة عقد سياسي جديد يؤسس لدولة تتجاوز الهشاشة، وتنتقل إلى استقرار مؤسسي مستدام.