الدولة السودانية: قراءة سياسية في الجذور لا في الأحداث (2)
كيف أُعيد إنتاج الأزمة داخل الهوية والمؤسسة وبنية الحكم؟
بقلم: صفاء الزين
في الجزء الأول من هذه السلسلة، جرى تفكيك أزمة الدولة السودانية من زاوية التكوين، حيث ظهرت الدولة ككيان إداري سابق على تشكّلها كفكرة سياسية متوافق عليها. لم تُبنَ الدولةُ بوصفها مشروعًا جامعًا، إنما وُرثت في صورتها المؤسسية دون إخضاعها لسؤال المعنى والغاية. وفي هذا الجزء ينتقل التحليل من لحظة النشأة إلى مسار الاستمرار، بحثًا في الكيفية التي أُعيدت بها الأزمة نفسها داخل بنية الحكم، وفي تصور الهوية، وفي علاقة السلطة بالمجتمع، حتى تحولت الأزمة إلى نمط ثابت يعيد إنتاج ذاته عبر الزمن.
إن هذا الجزء يتعامل مع التحولات السياسية بوصفها تجليات مختلفة لاختلال واحد ظل حاضرًا منذ الاستقلال: غياب تصور جامع للدولة باعتبارها إطارًا أعلى ينظم الصراع ويحتويه، وفيه عدد من المحاور نفصلها كالآتي:
1/ الهوية السياسية وإشكالية الانتماء: لم تتأسس الدولة السودانية على تصور متفق عليه للهوية السياسية. ظل التعدد الثقافي والديني واللغوي حاضرًا بقوة، غير أنه لم يتحول إلى عنصر تأسيسي لهوية وطنية جامعة، وبقي الانتماء الوطني هشًا أمام انتماءات أخرى أكثر رسوخًا داخل المجال الاجتماعي والسياسي، فتقدمت الهويات الجهوية والدينية والأيديولوجية في لحظات عديدة على الهوية الوطنية.
– تعامل الخطاب السياسي مع الهوية باعتبارها أداة تعبئة وصراع، لا باعتبارها مساحة للتكامل. وقد ظهرت محاولات متعددة لإعادة تعريف الدولة وفق مرجعية واحدة، الأمر الذي ضيّق مفهوم المواطنة وربطه بشروط غير متساوية. وفي هذا السياق، لم تُبنَ العلاقة بين الفرد والدولة على أساس الحقوق المتكافئة، إنما على أساس القرب أو البعد من تعريف السلطة للهوية.
– هذا الخلل جعل الدولة تبدو، في نظر قطاعات واسعة، ككيان لا يعكس وجودها ولا يعترف بتجربتها. مع كل أزمة سياسية يعود سؤال الهوية إلى الواجهة بصورة أكثر حدّة، فيغذي الصراع، بدل أن يشكّل إطارًا لحلّه.
2/ مركز الدولة وأزمة المشاركة: ورث السودان نموذجًا مركزيًا شديد التركيز في إدارة السلطة والثروة. هذا النموذج منح المركز السياسي قدرة واسعة على التحكم في القرار، بينما بقيت الأقاليم في موقع التلقي دون مشاركة فعلية في صياغة السياسات العامة. فالعلاقة بين المركز والأطراف لم تُصَغْ ضمن تصور عادل للشراكة، إنما تشكلت في صورة علاقة غير متوازنة أنتجت شعورًا متراكمًا بالإقصاء.
– هذا الاختلال لم يكن إداريًا فحسب، بل سياسيًا في جوهره؛ واحتكر المركز تعريف المصلحة الوطنية، تولى توزيع الموارد، وحدّد أولويات التنمية وفق رؤيته الخاصة. وفي المقابل عجزت الأقاليم عن التعبير المؤسسي عن مطالبها، فانتقلت هذه المطالب من المجال السياسي إلى مجالات أكثر حدّة.
– مع تكرار هذا النمط، تراجعت صورة الدولة باعتبارها إطارًا جامعًا، وأصبحت تُرى كجهاز منفصل عن المجتمع في أطرافه. فالدولة التي تفشل في إعادة توزيع السلطة بصورة عادلة تعجز عن بناء استقرار طويل الأمد، لأن الإقصاء المتراكم يتحول مع الزمن إلى أزمة شرعية.
3/ المؤسسة العسكرية وحدود الدور: يشكّل حضور المؤسسة العسكرية داخل المجال السياسي أحد أبرز مظاهر غياب فكرة الدولة المستقرة. وفي التجارب السياسية الحديثة، تخضع المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية متفق عليها، يُحدَّد دورها في حماية الدولة لا في إدارة الشأن السياسي. في الحالة السودانية، تداخل الدور العسكري مع المجال السياسي بصورة مستمرة، حتى أصبح جزءًا من بنية الحكم.
– هذا التداخل نشأ نتيجة ضعف البنية المدنية وعجزها عن إنتاج شرعية قادرة على إدارة التعدد السياسي. وفي لحظات الأزمات، تقدمت المؤسسة العسكرية إلى واجهة الحكم باعتبارها الفاعل الأكثر تنظيمًا. غير أن هذا التقدم لم يسهم في بناء دولة مستقرة، إنما رسّخ نمطًا من الحكم يقوم على القوة باعتبارها وسيلة تنظيم.
– مع كل تدخل عسكري، تراجعت السياسة باعتبارها مجالًا للتفاوض والتسوية، وأُعيد إنتاج منطق الحسم. هذا المسار أضعف تطور المؤسسات المدنية، وأبقى الدولة في حالة انتقال دائم دون أفق واضح.
4/ الدستور بين النص والواقع: شهد السودان تعددًا في الدساتير والوثائق الدستورية، غير أن هذه النصوص لم تتحول إلى عقد سياسي نابع من توافق اجتماعي واسع. وقد كُتبت الدساتير في لحظات انتقالية مضغوطة، وجرى تعطيلها أو تجاوزها مع أول أزمة كبرى، ففقد الدستور مكانته باعتباره مرجعية عليا تنظم الصراع السياسي.
– غياب دستور متوافق عليه جعل السلطة أعلى من النص، وأضعف ثقافة الاحتكام إلى القواعد، ولم يُنظر إلى الدستور باعتباره حكمًا بين الفاعلين السياسيين، إنما كأداة مؤقتة تعكس موازين قوى متغيرة. ومع تغير هذه الموازين، تغيّرت القواعد.
5/ الاقتصاد السياسي للدولة الهشة: لا يمكن فصل أزمة الدولة السودانية عن بنيتها الاقتصادية. فالدولة التي لم تتأسس على عقد سياسي واضح، وأخفقت في بناء اقتصاد يعكس مصالح المجتمع بأسره، وقد تركزت الموارد في يد السلطة المركزية، واستُخدم الاقتصاد باعتباره أداة للضبط السياسي، لا باعتباره مسارًا لتحقيق تنمية شاملة.
– هذا النمط عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، وجعل الوصول إلى الموارد مرتبطًا بالولاء السياسي. ومع تراجع الدور التنموي للدولة، ضعفت ثقة المواطنين في مؤسساتها، وتآكلت شرعيتها الاجتماعية.
6/ السياسة باعتبارها انتقالًا دائمًا: اتسمت الحياة السياسية في السودان بطابع انتقالي مستمر، وكل مرحلة قُدمت باعتبارها مؤقتة في انتظار تحول حاسم، غير أن هذا التحول لم يتحقق. ومع تكرار الانتقالات غير المكتملة، أصبحت السياسة إدارة مؤقتة للأزمة، لا مشروعًا طويل الأمد لبناء الدولة.
– هذا الطابع أضعف التخطيط الإستراتيجي، وجعل القرارات رهينة للحظة الراهنة، وأسهم في إضعاف الثقة بين الفاعلين السياسيين.
7/ الدولة باعتبارها سؤالًا مفتوحًا: أزمة السودان تعبير عن غياب الحسم في سؤال الدولة ذاته. فالدولة لم تُبْنَ باعتبارها فكرة متوافَقاً عليها، إنما باعتبارها جهاز سلطة تغيّر شكله دون تغيُّر جوهره. ومع كل محاولة إصلاح جزئية، يعود الخلل البنيوي ليعيد إنتاج الأزمة.
– إعادة بناء الدولة تتطلب نقل سؤال الدولة من هامش الخطاب إلى مركزه: فتح نقاش وطني شامل حول معنى الدولة، شكل الحكم، حدود السلطة، مفهوم المواطنة.
8/ النخب السياسية وإعادة إنتاج العجز: أحد مسارات إعادة إنتاج الأزمة يتمثل في طبيعة النخب التي أدارت الدولة عبر عقود متتالية. هذه النخب تشكلت داخل بنية الدولة القديمة، وحملت تصورًا عن السلطة أكثر مما حملت تصورًا عن الدولة، وظل الهمّ الأساسي هو الوصول إلى الحكم أو الحفاظ عليه، بينما غاب التفكير الجاد في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
– تعاملت النخبة السياسية مع الدولة باعتبارها موردًا للصراع، فتم توظيف المؤسسات لخدمة توازنات ضيقة، وغابت الرؤية طويلة المدى، وصار العمل السياسي أسير ردود الأفعال، مرتبطًا بالأزمات الآنية، غير قادر على بناء مسار تراكمي للإصلاح. هذا النمط عزَّز القطيعة بين الخطاب السياسي وواقع المجتمع، فأصبحت السياسة مجالًا مغلقًا على فاعليه.
9/ الثقافة السياسية وحدود الوعي العام: لم تنجح الدولة في ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على المشاركة الواعية، وظل المجال العام ضعيف التنظيم، محدود التأثير، خاضعًا لسطوة السلطة أو للاستقطاب الحاد، والمواطن لم يُنظر إليه باعتباره فاعلًا سياسيًا كاملًا، إنما باعتباره موضوعًا للتعبئة في لحظات الصراع.
– هذا الواقع أضعف القدرة المجتمعية على الدفاع عن فكرة الدولة نفسها. في ظل غياب وعي سياسي راسخ، تحولت المطالب إلى ردود فعل غاضبة غير قادرة على التحول إلى مشاريع إصلاح. الدولة التي لا تستثمر في بناء وعي مواطنيها تفقد أحد أهم مصادر الاستقرار.
10/ القانون باعتباره أداة سلطة: في التجربة السودانية، لم يتطور القانون باعتباره إطارًا محايدًا ينظم العلاقة بين السلطة والمجتمع، وجرى التعامل معه باعتباره امتدادًا لإرادة الحكم، وتغيرت القوانين بتغير الأنظمة، ففقدت صفة الاستمرارية، وضعفت الثقة في عدالتها.
– إن غياب سيادة القانون عمّق الإحساس بالهشاشة، إذ لم يجد الأفراد حماية مستقرة لحقوقهم، والدولة التي تفشل في ضمان عدالة القانون تفقد قدرتها على بناء ولاء طويل الأمد، لأن الخضوع يتحول إلى خوف مؤقت، لا إلى اقتناع راسخ.
11/ الدولة والمجتمع بعد الحرب: كشفت الحرب الأخيرة هشاشة العلاقة بين الدولة والمجتمع بصورة أكثر وضوحًا، ولم تُنظر إلى الدولة باعتبارها ملاذًا جامعًا، إنما باعتبارها طرفًا في الصراع أو كيانًا عاجزًا عن الحماية، وهذا الانكشاف عمّق أزمة الثقة، وجعل سؤال الدولة أكثر إلحاحًا من أي وقت سابق.
– إن إعادة بناء الدولة بعد الحرب تتطلب تجاوز منطق الترميم؛ تتطلب إعادة تأسيس العلاقة على أسس جديدة تعترف بالتعدد، تضمن المشاركة، وتضع حدًا لتغوّل السلطة، وبدون هذا التحول، تظل الدولة عرضة للانهيار مع كل أزمة جديدة.
12/ نحو أفق مختلف للدولة: الخروج من دائرة إعادة الإنتاج يتطلب شجاعة فكرية قبل أي ترتيبات سياسية؛ شجاعة تضع سؤال الدولة في صدارة النقاش الوطني، بعيدًا عن الحسابات الآنية، والدولة باعتبارها فكرة تحتاج إلى توافق واسع يعيد تعريف السلطة، يحدد دور المؤسسات، ويؤسس لمواطنة متساوية.
– هذا المسار يحمل كلفة، غير أن تأجيله يضاعف الخسائر. والدولة التي تُعاد صياغتها بوعي نقدي تملك فرصة التحول إلى إطار مستقر قادر على احتواء الصراع بدل أن يتحول إلى ساحته.
خاتمة: ما بعد إعادة الإنتاج
ما يعيشه السودان حصيلة تراكم طويل من تأجيل الحسم، فالدولة التي لم يُحسم تصورها ظلت قابلة للاهتزاز مع كل أزمة. تجاوز هذا المسار يتطلب إعادة تخيل الدولة كمشروع سياسي جامع، لا كجهاز إدارة أو أداة سيطرة.
لذلك يُنظر إلى سؤال الدولة باعتباره مدخلًا لإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع على أسس جديدة. وحين يُعاد التفكير في الدولة بوعي تاريخي نقدي، تُمنح فرصة الخروج من دائرة إعادة الإنتاج: الانتقال من إدارة الانقسام إلى بناء الإطار الذي يُحتوى داخله.