الدولة السودانية: قراءة سياسية في الجذور لا في الأحداث (7)

الدولة السودانية: قراءة سياسية في الجذور لا في الأحداث (7)

الشرعية وإعادة بناء الثقة: نحو عقد سياسي جديد

بقلم: صفاء الزين

 

أظهرت الأجزاء السابقة أن هشاشة الدولة السودانية لم تكن نتيجة ظرف عابر، بل نتاج بنية سياسية تشكلت دون عقد جامع، وأُعيد إنتاجها عبر المركزية، الإقصاء، وضعف المؤسسات. ومع تحول هذه الهشاشة إلى عنف متكرر يبرز سؤال جوهري يتعلق بكيفية إعادة بناء الشرعية واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.

الشرعية لا تُختزل في الاعتراف القانوني بالسلطة، وإنما تتأسس على قبول مجتمعي واسع بقواعد الحكم وآليات تداول السلطة وإدارة الخلاف. في التجربة السودانية تعاقبت أنظمة مختلفة مدنية وعسكرية، غير أن أساس الشرعية ظل هشاً. فبناء السلطة لم يستند إلى تمثيل شامل أو مشاركة متوازنة، وإنما ارتكز على تحالفات ضيقة وتوازنات قوة قابلة للتبدل، وكلما تبدلت تلك التوازنات تآكلت الشرعية بسرعة.

إعادة بناء الثقة تبدأ بالاعتراف بأن الدولة فقدت، عبر مراحل عديدة، قدرتها على تمثيل جميع مكوناتها بصورة عادلة، والثقة لا تُستعاد عبر شعارات سياسية أو اتفاقات ظرفية، وإنما عبر إصلاح مؤسسي يعيد صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم على قواعد واضحة ومستقرة تضمن الاستمرار.

العقد السياسي الجديد يتطلب تعريفاً دقيقاً لطبيعة الدولة ووظيفتها. فالسؤال الجوهري هنا يتعلق بكونها أداة سيطرة مركزية أو إطاراً جامعاً لإدارة التنوع، والإجابة تحدد شكل النظام السياسي وحدود السلطة وآليات الرقابة والمساءلة. ومن دون وضوح في هذه الأسس تظل مؤسسات الحكم معرضة للاهتزاز عند كل أزمة.

من ركائز الشرعية المستدامة بناء مؤسسات تمثيلية حقيقية تعكس التنوع الاجتماعي والسياسي وتمنح الأقاليم دوراً مؤثراً في صناعة القرار، إلى جانب قضاء مستقل قادر على حماية الحقوق وضبط العلاقة بين السلطات، مع إطار دستوري واضح يحدد اختصاص كل مؤسسة دون تداخل أو تضارب.

الشفافية عنصر محوري في إعادة بناء الثقة، فإدارة الموارد العامة في دولة تواجه اختلالاً اقتصادياً عميقاً تحتاج إلى نظم رقابة فعالة تضمن عدالة التوزيع وتحد من الفساد. وعندما يشعر المواطن بأن الدولة تدير موارده بمسؤولية تتعزز قابليته لقبولها بوصفها إطاراً شرعياً.

المصالحة المجتمعية تمثل بُعداً مركزياً في مسار استعادة الثقة. فالصراعات المتكررة تركت آثاراً اجتماعية عميقة، وأنتجت انقسامات واسعة، ومعالجة هذه الآثار تتطلب آليات عدالة انتقالية توازن بين المساءلة والاستقرار، وتتيح إعادة دمج الفاعلين في العملية السياسية ضمن قواعد متفق عليها.

صياغة عقد سياسي جديد لا تُعد عملية تقنية فقط، وإنما مسار تفاوضي واسع يشمل القوى السياسية والمجتمعية كافة. نجاح هذا المسار يعتمد على قدرته على الانتقال من منطق تقاسم السلطة بين النخب، إلى منطق بناء مؤسسات تحكمها قواعد ثابتة تتجاوز الأفراد والتحالفات الظرفية.

السودان يقف أمام مسارين؛ أولهما: استمرار إدارة الأزمات عبر تسويات قصيرة الأجل تعيد إنتاج الهشاشة. وثانيهما: الشروع في إعادة تأسيس شاملة تضع أسساً واضحة للشرعية والمساءلة والمشاركة. يتطلب المسار الثاني إرادة سياسية وقدرة على تجاوز الحسابات الضيقة لصالح استقرار طويل المدى.

لذلك فإن بناء دولة مستقرة لا يتحقق عبر تغيير الوجوه في قمة السلطة، وإنما عبر إعادة هيكلة قواعد الحكم نفسها. وعندما تُبنى الشرعية على تمثيل واسع ومؤسسات قوية وعدالة في توزيع السلطة والثروة، يمكن للدولة أن تتجاوز دائرة الهشاشة المزمنة وتتجه نحو استقرار مؤسسي قابل للاستمرار.

وعليه أؤكد أن الطريق نحو عقد سياسي جديد في السودان يتطلب تحولاً واعياً من إدارة الصراع إلى بناء نظام حكم قادر على إنتاج استقرار مستدام. هذا التحول لا يتحقق عبر ترتيبات سياسية جزئية، وإنما عبر رؤية استراتيجية تُعيد تعريف الدولة بوصفها مشروعاً جماعياً يستوعب التعدد ويُنظم التنافس ويُحوّل الطاقة المجتمعية إلى قوة بناء.

هذه الرؤية المستقبلية تحتاج إلى إطار وطني يحدد أولويات واضحة، مثل بناء اقتصاد قادر على خلق فرص متوازنة، وتطوير مؤسسات أمنية منضبطة بمحددات دستورية، وتوسيع قاعدة المشاركة عبر آليات تمثيل تضمن حضور مختلف المكونات في صناعة القرار. كما يتطلب الأمر مشروعاً اجتماعياً يعيد الثقة عبر إصلاح طويل المدى في التعليم والإدارة المحلية والعدالة الانتقالية، ويعيد صوغ القيم العامة على أساس المواطنة والإنصاف والتعدد. وهذا المسار يشكل نقطة ارتكاز لبناء دولة تملك القدرة على امتصاص الصدمات، ومواجهة الضغوط، وتحويل التنوع إلى مصدر قوة، لتنتقل من دائرة الاضطراب إلى أفق استقرار مؤسسي قادر على الاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *