السودان: الفرصة الأخيرة قبل الانقسام

نهلة فاروق أبوعيسى

 

من التشخيص إلى الفعل.. هل نتصرف بفاعلية؟ أم نكتفي بردود الفعل؟ من خلال متابعة المستجدات السياسية والعسكرية خصوصاً ظاهرة الانشقاقات العسكرية التي تتصدر المشهدين السياسي والعسكري في السودان، يبدو أن هذه الظاهرة استوفت قدرًا كبيرًا من التحليل والتعليق لتفسير الأحداث المتسارعة. لكن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل الاكتفاء بالتشخيص؛ بل تتطلب الانتقال إلى سؤال أكثر إلحاحًا: ما الخطوات العملية التي ينبغي اتخاذها لخدمة مصلحة السودان؟

هيمنة التحليل وغياب المشروع العملي

تداعت العقول والأقلام لتحليل ما يجري بقدر كبير من المسؤولية والعمق. وبرغم القيمة الكبيرة لهذه القراءات، ولا سيما ما يتعلق بانشقاقات عدد من قيادات قوات الدعم السريع وانضمامها إلى الجيش، وما يترتب على ذلك سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا واجتماعيًا وقانونيًا، فإن الأوضح في المشهد هو غياب مشروع عملي متكامل يواجه التحديات الداخلية والإقليمية المحيطة بحرب السودان. وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف سنواجه هذا الخطر الماثل أمامنا؟. 

ما وراء المشهد

تكشف التحليلات المتداولة أن ما يجري قد يرتبط بتحركات إقليمية تستهدف إضعاف سيطرة الإسلاميين على الجيش، أو بإعادة ترتيب العلاقة بين الجيش وقوات الدعم السريع عبر دمج عناصر لا تنتمي إلى التنظيم الإسلامي، أو لا تتبنى آيديولوجيته. كما أن بعض هذه القوات تحمل مظالم قديمة أسهمت في تشتيت الولاءات داخلها. وفي الوقت نفسه، يرسِّخ ما يحدث شعورًا بأن حقوق السودانيين في العدالة والإنصاف تتعرض لانتقاص مباشر، في ظل دعم بعض الدول لمليشيات خارجة عن سيطرة الدولة خدمةً لمصالحها أو لتحقيق توازنات إقليمية لا تصب في مصلحة السودان. 

الخلاصة المقلقة أن السودان اليوم يواجه أحد أخطر التهديدات في تاريخه؛ تهديدًا يطول وجوده ووحدة دولته والتحكم فيها من الخارج، مما يدفع البلاد نحو التحول إلى ساحة صراع إقليمي ودولي. وكل ما كشفته التحليلات حتى الآن مخيف ومؤلم، لكن السؤال الحاسم يبقى: ما مسؤوليتنا إزاء هذا الخطر؟. 

التحليل لا ينقذ الأوطان

عند تأمل طبيعة الفكر المسيطر على المشهد السوداني، نلاحظ أن التعليق والتحليل ما يزالان يهيمنان على تفسير ما يجري في مسرح الحرب. ولا ينتقص ذلك من قيمة ما قُدِّم من قراءات عميقة ومسؤولة، لكنه يفرض علينا سؤالًا مشروعًا: هل يكفي الفهم وحده إذا لم يتحول إلى رؤية عملية قابلة للتنفيذ؟ الإجابة: لا. إذاً، كيف تكتمل الصورة؟ ما أنتجه التفكير حتى الآن مهم ومفيد، لكنه غير كافٍ بمفرده. فالصورة تظل ناقصة ما لم يصاحبها تفكير عملي يقدّم بدائل، ويحقق توازنًا بين التحليل والرؤى والحلول اللازمة، والاستفادة من هذا التكامل للخروج من الأزمة. فالأزمات الكبرى لا تُدار بالشرح وحده، بل بخيارات واضحة وخطط قابلة للتنفيذ.

وللإنصاف، ينبغي الاعتراف بأن ثمة عوامل عدة تعرقل التفكير في الحلول، من أبرزها تسارع تطورات المشهد، وتعقيد الواقع على نحو غير مسبوق، وصعوبة التوافق، فضلًا عن الأثر النفسي للإحباط الذي يضعف التفاؤل ويحدّ من الجرأة على طرح البدائل. ومع ذلك، لا يجوز الاستسلام لهذه العوائق؛ فالمطلوب ليس الاكتفاء بفهم المشكلة، بل مواصلة مقاومتها عبر رؤى وحلول مناسبة، حتى وإن بدا أثرها محدودًا في البداية.

ومن هنا يمكن تلخيص المرتكزات الأساسية للخروج من الأزمة في النقاط التالية:

  • تحقيق توازن واضح بين البحث والتحليل من جهة، وبين الرؤى العملية والحلول التفصيلية من جهة أخرى.
  • الإقرار بأن ترك عبء الحل كاملًا على السودانيين من دون دعم فعّال يضع البلاد أمام اختبار صعب، لكنه لا يبرر انتظار حل خارجي كامل.
  • التأكيد أن انتظار الحل من الخارج وحده ليس إلا تأجيلًا للفشل، وأن المبادرة الوطنية تظل شرطًا أساسيًا لأي مخرج حقيقي.
إدارة أزمة السودان كبرنامج.. حين تصبح البدائل واجبًا وطنيًا

تكتسب هذه الفكرة أهميتها من الحاجة إلى التعامل مع الأزمة بمنهج منظم يحدد الأهداف والنتائج والمدخلات بوضوح، بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل المتفرقة.

العقدة المكررة تتمثل في أن الحلول، حتى حين تظهر، غالبًا ما تأتي متفرقة وغير متوافَق عليها، فلا تخدم القضية ولا تعكس تطلعات الشعب السوداني. ومن هنا يبرز السؤال: لماذا تتكرر، في كل محطة تاريخية، الخلافات ذاتها وأنماط التفكير نفسها وأساليب إدارة الشأن العام نفسها، بما يبعدنا في كل مرة عن إنتاج حل مناسب؟. 

ولمنع تكرار هذا الفشل، لا بد من تشخيص أسبابه بوضوح، ووضعها في صدارة أي محاولة للإصلاح. وفي تقديري، يعود جانب كبير من هذا التعثر إلى أسلوب إدارة الأزمات ذاته؛ إذ نواجه مشكلات جديدة بالمدخلات القديمة نفسها، رغم أنها لم تعد مناسبة لوضع استثنائي وغير مسبوق. وكأننا نعيش في عالم متغير، لكننا نصرّ على التعامل معه بالأدوات نفسها، ثم نستغرب تكرار النتائج.

مأزق المدخلات المكررة

المشكلة لا تكمن في غياب الحلول فقط، بل في تكرار الأنماط نفسها؛ في التفكير والتحرك وإدارة الشأن العام، عند كل منعطف تاريخي. لهذا تتعثر الحلول مرة بعد أخرى، وتبتعد تدريجيًا عن خدمة القضية وتطلعات الشعب السوداني.

ولا يقتصر الخلل على تكرار المدخلات، بل يمتد إلى أسلوب إدارة المشكلات نفسه؛ إذ ننشغل غالبًا بتنظيم الاجتماعات، وتحديد المشاركين، واختيار المكان والأجندة، قبل أن نحسم الرؤية المطلوبة أو نحدد النتائج المرجوة بوضوح.. ثم نرضى بالقليل. 

يؤكد علم التخطيط أن الخطة الفاعلة تبدأ بتحديد النتائج أولًا، ثم اختيار المدخلات المناسبة لتحقيقها. لذلك، فإن التعامل مع القضايا انطلاقًا من الحل والرؤية، لا من الإجراءات، يظل الأسلوب الأنجح لأنه يربط الأهداف بالوسائل ربطًا محكمًا. وفي السودان، وعلى امتداد محطاته التاريخية، نتحدث كثيرًا عن التغيير، لكننا نكرر الشخصيات والهياكل والأساليب والأفكار نفسها، فنحصد النتائج ذاتها.

إما مشروع وطني.. أو الانزلاق إلى الهاوية

وبعد هذه المقدمة، نعود إلى التطورات المتسارعة الراهنة، وعلى رأسها انشقاقات قوات الدعم السريع وانضمام بعض قياداتها إلى الجيش كمثال مهم. فهذه التطورات قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتشكّل محطة فاصلة تتطلب خطة موحدة واضحة الأولويات، في مقدمتها التصدي للخطر ومقاومته بكل ما أمكن.. قبل أن يأتي مزيد من التحديات وتتزايد. والسؤال الآن: كيف يبدأ هذا التحرك؟ ومن ينهض به؟. توجد عدة مداخل لبدء هذا التحرك، أولها العودة إلى تجارب الحروب المماثلة في المنطقة، لفهم كيف تعاملت الدول التي واجهت مخاطر مشابهة، وكيف أدارت أزماتها، وما الدروس والمعادلات التي أثبتت فاعليتها أو كشفت محدوديتها.

وما يلي ليس قائمة مكتملة، بل محاولة لدفع التفكير نحو إدارة أكثر فاعلية لهذا الملف الشائك، والوصول إلى حلول عملية قابلة للبناء عليها.

أولًا: من درسي ليبيا واليمن يتضح أن على القوى المدنية أن ترفع صوتها موحَّدًا، بوصفها كتلة مستقلة تقول بوضوح: لا للحرب، لا للتدخل الخارجي، لا لاستغلال السودان نعم لمصلحة السودان أولًا، ونعم لدولة مدنية واحدة. إذ تُظهر الدروس المستفادة من حروب المنطقة، وخصوصًا في اليمن وليبيا، أن الانشقاقات العسكرية ليست ظاهرة معزولة، بل نمط تكرر في البلدين. وفي الحالتين كانت القوى المدنية، بسبب انقساماتها وضعف تنسيقها، الحلقة الأضعف في المعادلة، وهو ما أسهم في تفاقم الأزمة وانفجارها. 

الدرس الأهم للسودان اليوم يتمثل في توحيد القوى المدنية حول موقف رسمي واضح ومتماسك، يحدد بدقة أولويات المرحلة وما يمكن التوافق عليه بشأن الآثار المتوقعة للتطورات الجارية، بدل الاكتفاء بالحديث عنها بصورة عامة في إطار الحرب. فالدعوة إلى وقف الحرب تظل موقفًا أساسيًا، لكنها لا تكفي وحدها؛ إذ إن مواجهة التحديات تقتضي تفكيكها، وفهم أبعادها، وصياغة حلول عملية لها. ومن ثم، ينبغي أن تخاطب القوى المدنية العالم بهذا الموقف عبر المنظمات الدولية والأفريقية، تمثيلًا للشعب السوداني، ومقاومةً لجر البلاد إلى صراعات إقليمية ومنافسات خارجية.

كيف يبدأ هذا المسار؟

يبدأ بصياغة وثيقة موقف موحد تُوجَّه إلى الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، تشرح ما يتعرض له السودان من تدويل للحرب وتمددها، وما تخلّفه من مخاطر أمنية على الإقليم والمجتمع الدولي. ثم ينبغي توظيف هذه الوثيقة إعلاميًا عبر النقاشات والرسائل والتقارير والمقالات، لتسليط ضوء قوي على حقيقة ما يجري. ويقع هذا الدور على عاتق القوى المدنية بكل أطيافها؛ إذ المطلوب أن تتوحد الأحزاب والنقابات والاتحادات ولجان المقاومة وغرف الطوارئ حول برنامج وطني يحمي السودان من الاستغلال في حروب الوكالة، ويؤسس لموقف موحد يرفض التأثير السياسي الخارجي، ويخاطب الجوار بأن مصالحه ترتبط بأمن السودان واستقراره.

التحذير من تكرار التجارب الفاشلة

تُظهر تجربتا اليمن وليبيا أن انقسام القوى المدنية بين أطراف الصراع، والرهان على توظيف الدعم الخارجي لحسم المعركة، لم يؤديا إلا إلى مزيد من التشرذم وتعميق الأزمة. وقد تكون فرصة السودان أفضل من فرصتي طرابلس وصنعاء، لأنه ما يزال دولة واحدة ولم ينقسم رسميًا بعد. لكن هذه النافذة لن تبقى مفتوحة طويلًا؛ لذا فإن بناء برنامج لمواجهة التحديات المتسارعة لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة عاجلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *