حرب أمريكا وإيران في حضن العرب: الغائب الأكبر هو صاحب الدار

على أنقاض الإرادة العربية
حرب أمريكا وإيران في حضن العرب: الغائب الأكبر هو صاحب الدار

بقلم/ رامي عابدون

هو صراع يتجاوز كونه مجرد خلاف تقني حول ملفات عالقة كبرنامج إيران النووي أو الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، ليتحول إلى مواجهة استراتيجية مفتوحة على إعادة رسم ملامح الشرق الأوسط برمته. ما يجري على الأرض العربية اليوم هو تعبير عن صراع إرادات محموم بين مشروعين متناقضين، لكل منهما رؤيته الخاصة لإدارة المنطقة. غير أن المفارقة الأكثر إيلاماً تبقى في موقع الأمة العربية ذاتها من هذه المعادلة، فهي في خضم هذا الصراع الوجودي، وبسبب غياب مشروعها المستقل تتحول من صاحبة القضية الأولى إلى مجرد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وإلى هامش يتحمل وطأة الصراع دون أن يكون طرفاً فاعلاً في رسم مخرجاته، أو حتى في صياغة أسئلته الأساسية.


منذ لحظة انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية دولية واضحة المعالم، تقوم على منع نشوء أي قوة إقليمية مستقلة قادرة على تحدي تفوقها، أو حتى على تعريض أمن حلفائها الرئيسيين في المنطقة للخطر. هذه الاستراتيجية لم تكتفِ بوسائل الردع التقليدية، بل تطورت لتتبنى أدوات أكثر تدخلاً، شملت هندسة الأنظمة السياسية وإعادة تشكيل بنيتها وفق رؤى لا تخدم بالضرورة مصالح الشعوب، بقدر ما تخدم استمرارية السيطرة. وذهبت أبعد من ذلك إلى اعتماد التدخل العسكري المباشر حين تتعارض المصالح، وفرض استراتيجيات اقتصادية خانقة تضمن الهيمنة غير المباشرة عبر أدوات الدين والتبعية.لكن التجربة التاريخية في أفغانستان والعراق وقبلهما في فيتنام، أثبتت أن التفوق العسكري المطلق مهما بلغ جبروته لا يمكنه وحده أن يضمن استقراراً حقيقياً، بل على العكس فإن الهيمنة المفروضة بقوة من الخارج غالباً ما تخلق شرخاً عميقاً في جسد المجتمعات، وتولد مع مرور الوقت مقاومات شعبية لا يمكن التنبؤ بأشكالها ولا بقدرتها على التصعيد، لتتحول بذلك مناطق بأكملها إلى بؤر صراع مفتوح لا ينطفئ.
في المقابل تتحرك إيران في هذه المعادلة من موقع مغاير، فهي تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها الإقليمي عبر استراتيجيات عابرة للحدود تعتمد على استثمار حالة الفراغ والهشاشة التي أصابت بنية الدولة العربية في أكثر من بلد، وهي تمد أذرعها مستفيدة من حالة التفكك وغياب السلطة المركزية القوية لتقدم نفسها كلاعب رئيسي لا يمكن تجاوزه في معادلات النفوذ. غير أن هذا التمدد، الذي يفتقر في كثير من جوانبه إلى احترام مبدأ التوازن والشرعية الدولية، يتحول بسرعة إلى مصدر احتكاك دائم مع المحيط العربي، ويخلق بيئة صراع مفتوح على احتمالات كثيرة تزيد المشهد الإقليمي تعقيداً، وتربك أي محاولة لبناء استقرار حقيقي قائم على الاحترام المتبادل للسيادة والمصالح المشتركة.


ولعل السؤال الأكثر إيلاماً الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: أين هي الإرادة العربية المستقلة من كل هذا؟ إن المعضلة الحقيقية التي تعاني منها المنطقة لا تكمن فقط في قوة الخصوم، أو تناقض المصالح الدولية، بل تكمن بالدرجة الأولى في الغياب المريع لمشروع عربي واعٍ وموحد وقادر على الترجمة الفعلية لمقدرات الأمة إلى قوة ناعمة وصلبة تحمي مصالحها. الأرض العربية المترامية الأطراف، بما تملكه من ثروات هائلة وموقع جغرافي استراتيجي فريد، تتحول في ظل غياب هذه الرؤية الجامعة إلى ساحة واسعة يتبادل فيها الأطراف الخارجيون الرسائل والضربات، ويكتبون معادلاتهم على حساب مقدراتها. نحن إزاء واقع مرير تصبح فيه الأرض العربية مجرد مسرح لأحداث كتبت سيناريوهاتها خارج حدودها، بدلاً من أن تكون هي مصدر الإرادة والفعل وصانعة المعادلات.
الانقسام العربي الراهن والتباين الحاد في الرؤى بين العواصم العربية، وغياب أي شكل جاد من أشكال التكامل الاقتصادي الحقيقي، واستمرار التبعية الأمنية والعسكرية للخارج، كلها عوامل متشابكة تجعل المنطقة رهينة بامتياز لتقلبات المزاج السياسي في كل من واشنطن وطهران. في ظل هذا الفراغ السياسي والاستراتيجي تتحول كل معركة تخاض على الأرض العربية إلى معركة تخص الآخرين بالدرجة الأولى، وتصبح فيها الشعوب العربية مجرد دافع ضرائب دموية أو وقود للحروب، لا أكثر ولا أقل. إنها معادلة قاسية تضع مستقبل الأجيال العربية القادمة رهناً لإرادات لا تعترف في النهاية إلا بمصلحتها الذاتية.


هذا الواقع المركب والمأزق الاستراتيجي العميق يفرضان على القوى العربية الحية ضرورة التحرك العاجل، والانتقال من مرحلة ردود الأفعال المتأخرة إلى مرحلة الفعل الاستراتيجي المباشر والواعي. لم يعد مقبولاً استمرار حالة التشتت وغياب الرؤية، فما تمر به المنطقة من تحولات كبرى يحتم بل يفرض مبادرة عربية شاملة تنطلق من إدراك واضح وبسيط في آنٍ. لا أحد سيتكفل بحماية المنطقة العربية سوى أبنائها بأنفسهم، ولن يبني مستقبلها غيرهم. هذه المبادرة لا يمكن اختزالها في مؤتمرات قمة شكلية تخرج ببيانات سياسية عامة لا ترقى إلى مستوى التحديات، ولا يمكن حصرها في تحالفات سياسية ظرفية تتبخر مع أول تغير في المصالح. إنها تتطلب عملاً تراكمياً عميقاً يعيد صياغة مفهوم الأمن القومي العربي على أسس جديدة وأكثر صلابة، تقوم على عنصرين مترابطين بشكل وثيق؛ الأول هو تحصين الدولة الوطنية من الداخل عبر إطلاق مشاريع تنموية حقيقية وشاملة تجفف منابع التطرف والتفكك والاختراق وتعزز قيم المواطنة والانتماء الجامع الذي يشكل الدرع الأقوى ضد أي تدخل خارجي. العنصر الثاني، لا يقل أهمية بل هو مكمل له، ويتمثل في الانتقال الحتمي من مرحلة التنسيق السياسي الرمزي إلى مشروع تكاملي حقيقي على المستوى العربي، مشروع يحرر القرار السياسي العربي من رِبقة التبعية والابتزاز الاقتصادي والعسكري، وهذا يستلزم العمل الجاد لبناء سوق عربية مشتركة، وتوحيد المواقف والرؤى في المحافل الدولية وصولاً إلى إنشاء آليات دفاع مشترك قادرة على أن تشكل رادعاً حقيقياً لأي مغامرات توسعية على حساب سيادة أي دولة عربية أو مقدراتها.


إن استعادة الاستقلالية السياسية الحقيقية للأمة العربية هي مشروع يبدأ من الداخل أولاً، وقبل كل شيء يبدأ ببناء وعي مجتمعي جمعي يرفض كل أشكال التبعية ويؤمن بقدرة الذات على صناعة الفارق، يبدأ بالقدرة على تنظيم الذات وتوحيد المواقف بعيداً عن سياسات الاصطفاف المذل خلف محاور خارجية لا تعترف في النهاية إلا بمصالحها. لقد حان الوقت لتنتقل الأمة العربية من حالة العجز عن رد الفعل إلى حالة الفعل المُبادئ، ومن أسلوب إدارة الأزمات بشكل يومي مرتجل إلى صناعة توازن إقليمي مستدام قادر على حماية المصالح العربية على المدى البعيد.
في النهاية يبقى التاريخ هو الحكم الأعدل، وهو يعلمنا درساً جوهرياً لا يمكن تجاهله: لا يمكن أن يقوم استقرار حقيقي في أي منطقة من العالم دون وجود مشروع ذاتي قوي يعبر عن إرادة أبنائها، كما أن أي قوة خارجية تسعى لفرض إرادتها بالقوة متجاوزة منطق الشراكة والاحترام المتبادل ستجد نفسها عاجلاً أم آجلاً في مواجهة مقاومة طبيعية من الشعوب التي ترفض الهيمنة. وصراع الإرادات المحموم، الذي يدور اليوم بين الولايات المتحدة وإيران، قد يعيد رسم خطوط النفوذ والسيطرة في المنطقة، لكنه لن يكون قادراً على حسم قضايا المصير والهوية التي تخص الشعوب وحدها.
الإجابة الحقيقية والوحيدة، على معضلة الصراع متعدد الأوجه في المنطقة، تكمن في ميلاد مشروع عربي نهضوي شامل يعيد للأمة ثقتها بذاتها وبقدرتها على الفعل، ويؤهلها لموقع الندية المتكافئة، لا موقع التبعية الذميمة. مشروع يضع قضايا السيادة والتكامل والكرامة والقدرة على المبادرة الاستراتيجية في صلب أولوياته. المستقبل بكل تأكيد سيكون حليفاً طبيعياً لمن يمتلك الجرأة والشجاعة والإرادة على صناعته بنفسه وبيده، لا لمن ينتظر أن يصنعه له الآخرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *