إسلاميو السودان: انحناء للعاصفة أم ارتماء في التشدد؟
الطيب ابوكروك
القرار الأمريكي الأخير الذي صنف جماعة الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية في السودان كيانات إرهابية، وضع هذه التنظيمات أمام أحد أصعب اختبارات الوجود في تاريخها الطويل. وهو قرار، حسب اعتقادي، يتجاوز في أبعاده التوصيف القانوني وقد يتحول إلى محرك استراتيجي بإمكانه دفع الحركة نحو مسارين متناقضين تماماً. فمن جهة، أرى أن هذا التضييق الدولي الممنهج قد يولِّد انفجاراً راديكاليًا داخل القواعد الشبابية للحركة، التي قد تجد في “سردية المظلومية” واستهداف الهوية مبرراً كافياً للارتماء في أحضان التشدد، ليس فقط كخيار عقائدي، بل كفعل “نكاية” و( مُكاواة) سياسية وانتقام من الغرب الكافر الذي أغلق في وجوههم أبواب الاعتراف الدبلوماسي. هذا المسار الصدامي يقتات على الشعور باليأس من قواعد اللعبة السياسية الدولية، مما قد يحوِّل الحركة من شريك محتمل في تسويات مستقبلية إلى تنظيم سري يعتمد العنف والعمل المسلح وسيلة وحيدة لإثبات الحضور وانتزاع الحقوق المزعومة.
وعلى الضفة الأخرى من التحليل، تبرز “غريزة البقاء” البراغماتية (الكيزانية) الشهيرة كعامل كبح قد يمنع الانزلاق نحو التطرف الكامل. فالتاريخ السياسي للإسلاميين في السودان يثبت قدرة فائقة على “الانحناء أمام العاصفة” وإعادة إنتاج الذات تحت مسميات وواجهات جديدة تتسق مع المعايير الدولية، لتجنب الملاحقات المالية وتجفيف منابع التمويل. إن الضغط الممارس عبر هذا التصنيف قد يجبر القيادات التقليدية على إجراء مراجعات فكرية وتنظيمية (قسرية) تتضمن فك الارتباط بالأجنحة الراديكالية وتبني خطاب وطني مدني أكثر اعتدالاً، ليس إيماناً بالليبرالية، بل كضرورة تكتيكية للهروب من العزلة وضمان استمرار الوجود التنظيمي والمالي.
وبين هذين المسارين، يظل التساؤل قائماً حول قدرة الحركة على الحفاظ على تماسكها الداخلي في ظل هذه الضغوط. إذ من المرجح أن نشهد حالة من “الانشطار التنظيمي” بين تيار يرى في التشدد رداً طبيعياً على الوصم بالإرهاب، وتيار آخر يرى في الاعتدال المظهري طوق نجاة أخيراً. إن مآلات هذا القرار ستعتمد بشكل كبير على طبيعة التفاعلات الميدانية في السودان، ومدى قدرة المجتمع الدولي على موازنة الضغط بالحوافز السياسية. فإذا استمر الانغلاق، قد تصبح (النكاية والمُكاواة) بالغرب هي العقيدة السائدة، أما إذا وجدت الحركة ثغرة للمناورة، فإن البراغماتية ستنتصر كما فعلت في محطات سابقة، لتثبت أن البقاء في عالم السياسة غالباً ما يتفوق على جمود الأيديولوجيا، ولو بصفة مؤقتة.