تفكيك إمبراطورية التمكين ومحاسبة صناع الحروب في السودان

بعد تصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً:

تفكيك إمبراطورية التمكين ومحاسبة صناع الحروب في السودان

صفـــاء الزيـــن

 

تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كتنظيم إرهابي يمثل نقطة تحول في التعامل مع أحد أخطر التنظيمات السياسية التي سيطرت على الدولة السودانية خلال العقود الماضية. هذا القرار يفتح باب المساءلة أمام شبكة واسعة من النفوذ السياسي والاقتصادي التي نشأت في ظل مشروع التمكين الذي بدأ منذ انقلاب عام 1989م. كما يضع الجماعة أمام واقع سياسي جديد، ويطرح سؤالاً مباشراً حول المرحلة التالية: كيف تتحول هذه الخطوة إلى إجراءات عملية تعيد للدولة السودانية مؤسساتها ومواردها؟.

التجربة التي عاشها السودان خلال سنوات حكم الحركة الإسلامية تركت أثراً عميقاً في بنية الدولة. تلك المرحلة شهدت عملية منظمة لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة عبر إدخال كوادر التنظيم إلى الخدمة المدنية والأجهزة العسكرية والأمنية والاقتصادية. هذا التغلغل أنتج شبكة نفوذ واسعة حولت الدولة إلى مساحة تتحرك فيها المصالح التنظيمية، فأصبحت الوظائف العامة جزءاً من منظومة الولاء السياسي، وتوجهت الفرص الاقتصادية نحو الدائرة المرتبطة بالتنظيم.

ضمن هذه البيئة ظهرت سياسة التمكين كأداة رئيسية للسيطرة على الدولة. هناك آلاف الموظفين تم إبعادهم من مؤسسات الدولة، واستبدلوا بكوادر مرتبطة بالتنظيم. بهذه الطريقة تشكل جهاز إداري يدين بالولاء السياسي قبل أي اعتبار مهني، وهذه السياسة أحدثت خللاً عميقاً في بنية الدولة السودانية، وأضعفت قدرتها على العمل كمؤسسة وطنية تمثل المجتمع بكل مكوناته.

الوجه الأكثر قسوة في تجربة هذا التنظيم ظهر في إدارة الحروب داخل السودان. فالحرب الطويلة في جنوب السودان شكلت أحد أبرز فصول هذه المرحلة، وخلال تلك السنوات شهدت مناطق واسعة من الجنوب عمليات عسكرية عنيفة شملت حرق قرى كاملة وتهجير السكان من مناطقهم. تلك السياسات عمقت الانقسام داخل البلاد، وأدت في نهاية المطاف إلى انفصال جنوب السودان عام 2011م بعد عقود من الصراع.

لم يكن انفصال الجنوب حدثاً معزولاً في تاريخ تلك المرحلة، فالسياسات التي أدارت بها السلطة الصراع تركت آثاراً عميقة على وحدة الدولة السودانية، وعلى علاقتها بمكوناتها المختلفة. الحرب تحولت إلى أداة سياسية بدلاً من أن تكون أزمة تحتاج إلى حلول سياسية عادلة، وهذا المسار أسهم في تعميق الأزمات داخل الدولة السودانية.

كما أن الحرب في دارفور تمثل واحدة من أكثر الصفحات مأساوية في هذا التاريخ. فمنذ اندلاع الصراع في الإقليم شهدت مناطق واسعة عمليات عسكرية واسعة النطاق، وتعرضت قرى كثيرة للحرق والتهجير، ووجد ملايين المدنيين أنفسهم بين النزوح واللجوء. هذه الأحداث وضعت السودان تحت ضغوط دولية كبيرة، وأدخلت البلاد في واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

إلى جانب إدارة الحروب والاستثمار فيها، عملت الجماعة على بناء منظومة اقتصادية معقدة تحمي نفوذها داخل الدولة. اعتمدت هذه المنظومة على السيطرة على الشركات والاستثمارات والأراضي العامة، وكثير من الأصول جرى تسجيلها بأسماء أقارب القيادات التنظيمية، وأصبح نقل الملكيات إلى الأخ أو الأخت أو الصهر أو أحد أفراد العائلة وسيلة لإخفاء المصدر الحقيقي لهذه الأموال.

هذه الشبكات المالية تحولت مع مرور الوقت إلى اقتصاد موازٍ داخل الدولة السودانية، والشركات المرتبطة بالتنظيم حصلت على امتيازات واسعة في قطاعات التجارة والاستثمار والأراضي. وبهذه الطريقة تشكلت طبقة اقتصادية تتمتع بالحماية السياسية، وتتحرك داخل السوق السوداني بقدرات تفوق الشركات العادية.

أما الأراضي الحكومية والأوقاف فشكلت جزءاً أساسياً من هذا النفوذ الاقتصادي. فهناك مساحات واسعة من الأراضي العامة جرى تخصيصها عبر علاقات الولاء السياسي، وانتقلت ملكية كثير من هذه الأراضي إلى جهات خاصة مرتبطة بقيادات التنظيم أو بأفراد من عائلاتهم؛ واستخدم سلاح الحريق لمحاكم ومكاتب سجلات الأراضي لطمس أصول الملكية. هذه العملية حرمت الدولة من موارد كبيرة، وخلقت اختلالاً واضحاً في توزيع الفرص الاقتصادية داخل المجتمع.

الواقع الذي نتج عن هذه السياسات ترك دولة مثقلة بالأزمات الاقتصادية والإدارية. فالمؤسسات فقدت استقلالها، والاقتصاد أصبح مرتبطاً بشبكات نفوذ سياسية، وهذا الإرث يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه السودان في طريق إعادة بناء الدولة.

إن تصنيف الجماعة كتنظيم إرهابي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في التعامل مع هذا الإرث. لكن القرار يحتاج إلى ترجمة عملية عبر إجراءات قانونية وسياسية واضحة. الخطوة الأولى تتعلق بتتبع الأموال والأصول المرتبطة بقيادات التنظيم داخل السودان وخارجه، ومراجعة الشركات وأسماء الأعمال والعقارات المسجلة بأسماء الأقارب، وهي خطوة أساسية لكشف الشبكات التي استخدمت لحماية الثروة التنظيمية.

الخطوة الثانية ترتبط باسترداد الأراضي العامة التي جرى توزيعها عبر منظومة التمكين السياسي، لأن إعادة هذه الأراضي إلى ملكية الدولة تمثل جزءاً مهماً من عملية استعادة الموارد العامة التي فقدتها البلاد خلال سنوات النفوذ التنظيمي.

ويظل إبعاد كوادر التنظيم من المواقع الحساسة داخل مؤسسات الدولة يمثل خطوة أخرى ضرورية، فالدولة التي تسعى إلى إعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات من الحرب تحتاج إلى جهاز إداري مهني يقوم على الكفاءة والاستقلال، واستمرار الشبكات التنظيمية داخل هذه المؤسسات يعني استمرار النفوذ القديم داخل بنية الدولة.

هناك أيضاً بعد قانوني يتعلق بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي حدثت خلال سنوات الحروب، لأن ملايين الضحايا الذين تأثروا بالصراعات في جنوب السودان ودارفور يستحقون مساراً واضحاً للعدالة، وفتح هذه الملفات يمثل خطوة مهمة في بناء دولة تحترم القانون وتضع حداً لثقافة الإفلات من العقاب.

الحرب التي يعيشها السودان في الوقت الحالي تعكس استمرار الأزمة داخل بنية الدولة، والصراع الذي اندلع في السنوات الأخيرة أعاد البلاد إلى دائرة العنف وعمَّق الأزمة الإنسانية. وترى قوى سياسية عديدة أن شبكات الإسلام السياسي لعبت دوراً في إشعال هذه الحرب وفي إطالة أمدها عبر رفض أي مسار جاد لوقف القتال.

اللحظة التي يعيشها السودان اليوم تفرض مواجهة صريحة مع هذا التاريخ، وإعادة تأسيس الدولة تحتاج إلى تفكيك الشبكات التي تشكلت داخل مؤسساتها خلال عقود التمكين، لأن بقاء هذه الشبكات يعني بقاء الأسباب التي قادت إلى الأزمات نفسها.

الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو كتب أن قوة الدولة تقاس بقدرتها على إخضاع أصحاب النفوذ للقانون، وهذه الفكرة تحمل دلالة عميقة في الحالة السودانية، فبناء دولة مستقرة يحتاج إلى إرادة سياسية قادرة على مواجهة شبكات المصالح التي سيطرت على الموارد العامة لسنوات طويلة.

إن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كتنظيم إرهابي يمثل بداية طريق طويل نحو استعادة الدولة، وهذه الخطوة تكتسب معناها الحقيقي عندما تتحول إلى إجراءات عملية تشمل تجميد الأصول، واسترداد الموارد العامة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والحروب التي مزقت البلاد.

والسودان يقف أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة علاقته بالدولة ومؤسساتها، وهذه الفرصة تحتاج إلى شجاعة سياسية تقطع الطريق أمام عودة شبكات التمكين، لأن الدولة التي تقوم على القانون والمساءلة قادرة على فتح باب الاستقرار بعد سنوات طويلة من الصراع.

الرسالة التي تفرضها هذه اللحظة واضحة: لا مستقبل لدولة يهيمن عليها تنظيم سياسي أو شبكة مصالح ضيقة، ومستقبل السودان يرتبط بدولة عادلة تحمي مواردها وتخضع جميع القوى فيها لسلطة القانون.

ختاماً، إن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً يجب أن يُفهم باعتباره بداية مرحلة تاريخية جديدة في إعادة بناء الدولة السودانية؛ مرحلة تقوم على إنهاء نفوذ التنظيمات الأيديولوجية داخل مؤسسات الحكم والاقتصاد والأمن. والمطلوب في هذه اللحظة مشروع وطني واضح لتفكيك البنية التي نشأت خلال عقود التمكين، واستعادة الدولة من قبضة الشبكات التي حوَّلتها إلى أداة لخدمة مشروع تنظيمي ضيق، وأي تهاون في هذه المهمة سيعني بقاء جذور الأزمة التي قادت إلى الحروب والانقسامات. فالطريق نحو الاستقرار يمر عبر دولة قانون قوية، تخضع فيها جميع القوى السياسية والاقتصادية لسلطة المؤسسات، وتُدار فيها الموارد العامة بشفافية وعدالة، ويُغلق فيها الباب نهائياً أمام عودة منظومات الهيمنة التي قادت البلاد إلى هذا المآل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *