نشتاق لأشياء .. تعيدنا إلينا

نشتاق لأشياء .. تعيدنا إلينا

أماني أبو سليم

 

أحياناً في الظروف الصعبة، وعدم المقدرة على مواصلة المشوار، أو التعثر والضيق من الشعور بالعجز، لا نحتاج إلى معجزة كبيرة، بل إلى أشياء صغيرة تعيد ترتيبنا من الداخل. ربما يساعد ذلك في ترتيب الخارج.  أشياء صغيرة تنقذ اليوم. أشياء تجعلنا نشعر أن الحياة قريبةٌ منّا، وأننا ما زلنا جزءاً منها. نشتاق لمشاعر هادئة، طمأنينة تخفف ضجيج التفكير، وخفة تجعل اليوم يمضي دون ثقل الهم، وشيء من الفضول يجعلنا ننتظر الغد، ولو لسبب بسيط.

تسقط منا هذه التفاصيل الصغيرة في زحمة التفكير في المشاكل الكبيرة. حين تمتلئ رؤوسنا بالقلق، تصبح أبسط الأشياء مؤجلة. نفكر كثيراً، فنفقد القدرة على الاستمتاع بالقليل.

أحياناً نظن أن الوقت ليس مناسباً، فنؤجل الفرح حتى تتحسن الظروف. نربط الراحة بنقطة بعيدة، وننسى أن بعض الأشياء يمكن أن تبدأ الآن. الضغط اليومي والمسؤوليات تأخذ المساحة كلها. ننجز، نلحق، نتحمل، ولا نترك لأنفسنا وقتاً صغيراً نختاره نحن.

ونتجاهل أن هذه التفاصيل البسيطة هي ما يصنع الفرق الحقيقي.

مع اشتداد الظروف، يزداد الإحساس بالعجز، فنشتاق لشعورنا حين نحلم، لفرحنا حين يتحقق الحلم، نشتاق لحظات الأمل والانتظار، نشتاق فرحة أن رغبةً قد تحققت. فقدان هذه المشاعر يجعل الإحساس بالعجز يشتد، وتبدو الظروف أكثر قسوة، ويطول انتظار الفرج.

في الأوقات الصعبة، لا يتغير الواقع بسرعة، لكن إذا أخذنا هدنة من التفكير في الحلول الكبيرة، قد تتغير نظرتنا إليه. قد نفتح نافذةً صغيرة تجعلنا نرى ما يمكننا فعله، لا ما نعجز عنه.

يحيا الإنسان بالحلم، بالأمل، أن نرى الغد أجمل. نشتاق للأمل حين يكون حاضرًا دون جهد، وللحلم حين يأتي بسهولة، دون أن نخاف من خيبته. ليس تحقيق الأحلام الكبيرة وحده ما ينقذنا. هناك أشياء صغيرة جداً نحتاجها أكثر مما نظن.

نشتاق لأن نعيش يومًا عاديًا بطريقتنا. أن نعدّ طعاماً نحبه، ونفرح بتفصيلة بسيطة فيه. أن نشتري كوباً جديداً، أو قطعةً نحبها، ونشعر أن هذا الاختيار لنا. نشتاق لأن نرتب زاوية في البيت، فنرى فيها انعكاساً لهدوءٍ ما بداخلنا. أن نمشي في الشارع دون هدف، ودون استعجال. نشتاق لمناسبات صغيرة، لجلسة خفيفة، لضحكة تأتي بسهولة، لكوب قهوة أو شاي نشربه بتروٍّ دون عجل.

هذه التفاصيل لا تبدو مهمة في ظاهرها، لكنها تحمل معنىً عميقاً. هذه المشاعر لا تغيّر الظروف، لكنها تغيّرنا نحن. تمنحنا قدرة على الاستمرار دون أن ننكسر، وتجعلنا نرى الطريق ممكناً، حتى لو كان طويلاً.

تذكّرنا أن الحياة ليست فقط ما ينقصنا، بل أيضاً ما يمكن أن نصنعه. الحلم الكبير يعطينا اتجاهاً، لكن هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعلنا نكمل الطريق. هي التي تعيد إلينا إحساس أن تحقيق الأمنيات ممكن، وتمنحنا مساحة نختار فيها، حتى في أوقات تضيق فيها الخيارات.

ربما لا نحتاج الآن إلى تغييرات كبيرة. نحتاج إلى أشياء قريبة، نستطيع أن نلمسها، ونعيشها، ونشعر بها فوراً. شيء نفعله لأننا نريده، لا لأننا مضطرون إليه. تلك الأشياء الصغيرة التي نشتاقها، حين نقوم بها، تعود معها أجزاء منّا. أجزاء تعرف كيف تهدئنا، وكيف تجعلنا نرى الحياة بشكل أخف.

هذه التفاصيل تصنع فرقاً يُحَس ويُلْمس. تعطينا شعوراً بأن الحياة ما زالت تمشي معنا، لا علينا. تمنحنا لحظات خفيفة وسط أيام ثقيلة.

الحلم الكبير يعطينا اتجاهاً. التفاصيل الصغيرة تعطينا قدرةً على الاستمرار. كل خطوة بسيطة، كل تفصيلة نختارها، تعيد إلينا جزءاً من أنفسنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *