الإعلام في عهد الإسلاميين: كيف سُطِّح الوعي وصُنعت الكراهية؟

محمد شورة

 

ثلاثون عاماً من حكم الإسلاميين في السودان، امتدت من الثلاثين من يونيو 1989م وحتى لحظة إعلان انتصار ثورة ديسمبر وإسقاط النظام في 11 أبريل 2019م، لم تكن مجرد سنوات حكم ديكتانوري وشمولي فقط، لكنها حقبة تضمنت وشملت بشكل منهجي تغيير الكثير من الثوابت السودانية، بداية من شكل الدولة والممارسة السياسية والقيم الأخلاقية والمناظير التي ينظر بها الناس لأنفسهم ولبعضهم البعض. كل ذلك تغير ولم يعد كما كان. وفي خضم ذلك فإن الإعلام نفسه لم يكن بعيداً عن مشهد التغيير، وربما يمكننا القول بأنه كان حاضراً وفي القلب منه.

عاشت ثلاثة أجيال؛ بعضها ولد وترعرع خلال تلك الحقبة، استمع للغة ومفردات ونبرة ظلت تستند لتصوير ما يحدث في البلاد والعباد بسبب وجود عدو دائم متربص وحاضر بمؤامرات مما يستوجب الدفاع عن الوطن والعزة في مواجهة آخرين يتغيرون دون مقدمات، يتحول الصديق لعدو قبل أن يصبح عدواً مرة أخرى دون تبرير أو منطق أو الإجابة لكيف ولماذا. فالفكرة نفسها ثابتة لكن تتغير الأطراف. وانتقلت الشعارات “من أمريكا روسيا قد دنا عذابها” نحو “الطاغية الأمريكان ليكم تتدربنا”، ثم الانتقال لطلب الحماية من موسكو من رأس النظام على رؤوس الأشهاد والهرولة للخروج من قائمة الإرهاب –التي ظلت تسوَّق باعتبارها قائمة الشرف والفخر لمقاومة الرضوخ لواشنطن- والاحتفاء بأي كلمة إيجابية عن إمكانية التطبيع، وكما أسلفنا تمت كل تلك المتغيرات والتحولات دون الإجابة عن أسباب التحول والانتقال.

 

بات واضحاً أن الإسلاميين الذين استخدموا الإعلام لتقويض الحياة الديمقراطية وتخريبها قرروا توظيفه بعد وصولهم إلى السلطة لتدجين العقول والسيطرة عليها من خلال مصادرة ومنع الصحف وتسخير المؤسسات الإعلامية من إذاعة وتلفويون وصحف ومجلات، والتي كانت تتحرك بشكل منسجم ومتناغم ومتكامل، وحتى في التوصيف حينما تحدث خلافات وسط الفرقاء الإسلاميين “تعتبرها دليل حيوية وديمقراطية”، أما حينما يتصل الأمر بالجهات السياسية والحزبية المعارضة للنظام فتعتبرها “مؤشراً على التشظي والتحلل وانفضاض السامر”..إلخ!!.

من الواضح أن المشكلة لم تقتصر على الانحياز السياسي فقط المتبع من تلك المؤسسات الإعلامية، ولكن ظلت المعضلة الأساسية مرتبطة بمساعي ومحاولات إعادة تشكيل وعي الجمهور بالتعقيد أو التبسيط، حسب ما يقتضي الحال، حتى أن العمل السياسي في بعض الأحيان يتم تبيسطه لدرجة تجعل التفكير المعقد عبئاً غير مرغوب فيه.

 

قُدم المشهد في شكل ثنائيات حادة “وطني/ عميل”، “مؤمن/كافر”، “مع/ضد”، “شريف/خائن”..إلخ، وبهذه المنهجية التي ترسخت بمرور الأيام للتعاطي مع القضايا والمواقف والآراء اعتاد اللغة حتى لو كانت قاسية، وباتت القلوب والعقول تتقبل هذه الصورة النمطية وإن كانت قاسية وظالمة وغير منطقية أو موضوعية.

 

يعتقد البعض أن ما نشهده في حرب أبريل 2023م من خطاب كراهية هو وليد ظروف تلك الحرب وما شهدته، ولكن من ينظر للمشهد المستمر منذ 30 يونيو 1989م يجد أن ما حدث خلالها قوامه تغطية الحرب الأهلية في جنوب السودان ثم لاحقاً في دارفور، وبناءً على ذلك يتم تقديم الآخر كمتمرد وخائن وخارج عن الدين، والانتهاكات تجاهه مباحة ومشروعة لتبرير القتل والعنف، ولا تستوجب تلك الأفعال العقاب والإدانة، بل توجب لمرتكبها الفخر والثناء والجنة في الآخرة.

 

لم يقتصر الأمر على الشأن السياسي، لكنه انتقل لترسيخ الجريمة والفظائع كمادة تطرح ويعتاد عليها. وبلغ تخريب الأخلاق وتجريفها مستوىً غير مسبوق حيث “يتفاخر اللص بالسرقة والنهب، ويوبَخ الشريف على عفة يده”!!. ولعل تلك الحقبة شهدت تعزيز التسطيح وترسيخه بارتفاع توزيع صحف الجريمة رغم ما فيها من وقائع غير حقيقية ومتعمدة في أحيان عديدة، في الوقت الذي كان يتم التضييق على الصحف الداعية للديمقراطية والخير والكلمة الصادقة بالمنع والمصادرة والإغلاق والمحاكمات والبلاغات والسجون والاعتقالات. خلاصة المشهد تجريف وتخريب فضاء العمل الإعلامي والصحفي ليخدم هذه الأجندة والتوجهات.

 

يتحدث المرتبطون بالعمل الصحفي والإعلامي عن مظاهر إضافية لتجريف هذه المهنة وتدجينها من خلال إغراقها بأشخاص من خارجها يقومون بأداء امتحان ممارسة المهنة الذي جعل كثيرين يلجون لهذا المجال. ومن الطرائف المبكية المضحكة ما ذكره الصحفيون أن ضباط الأمن زوار الليل الذين كانوا ينزعون المقالات والأخبار من الصحف كانوا ضمن الواقفين في طابور المشاركين في الاقتراع الخاص بانتخابات ما عرف باسم “اتحاد الصحفيين السودانيين”، أي أنهم يراقبون الصحافة ويقوِّضون حريتها ثم يشاركون في انتخاب اتحاد الصحفيين، مع عدم وجود فرق في الحالتين. ففي الأولى يقوِّضون الحريات الصحفية، وفي الثانية يدجِّنون المؤسسات المناط بها الدفاع عن تلك الحريات في وجه عسف وجور السلطة، أي أن “حاميها هو حراميها”، كما يقول المثل الشائع.

 

نجد أن كثيراً من التفاصيل الإنسانية غابت عن ثنايا الخطاب التعبوي. فالذين شردتهم الحروب وسلبتهم ممتلكاتهم والاستقرار وأحباءهم لم يكونوا حاضرين في المشهد الإعلامي بوصفهم أصحاب حكايات معقدة ومؤلمة، ولم تكن معاناتهم تلك إلا ضمن عناوين وسياقات كلية جعلتهم أدوات لتعزيز أو تأكيد الاتهامات والتخوين.

ورويداً رويداً بدأ هذا الخطاب يتجاوز السياسة نفسها، ليمتد للطريقة التي ينظر بها الناس إلى فواجع وكوارث النزاعات، فعوضاً عن النظر لنتائجها وأثرها بشكل إنساني بات النظر يختزل الموقف منها حسب المناطق والقبائل واللهجات، ولاح في الأفق الخطاب الذي صنع الكراهية بالشحن والتعبئة. صحيح أنه في أحيان عديدة لم يكن هذا التحريض مباشراً واكتفى بالتلميح، إلا أنه مع التكرار بمئات المرات وبأشكال وقوالب مختلفة بدأ يرسخ في أذهان العامة تلك المضامين ويعززها في الوعي. لذلك فإن خطاب الكراهية المتنامي بعد حرب 15 أبريل لم ينبت في تربة الوطن من العدم، ولكنه وجد تربة مهيأة وجاهزة للنمو بعد تزايد وتصاعد لحظات التوتر والانقسام بعد اندلاع الحرب وآثارها الكارثية وأضرارها البليغة على المدنيين. 

 

تلك البيئة ظلت مهيأة منذ سنوات؛ ولغة سياسية قائمة على التخويف، أما الإعلام فيرى الاختلاف باعتباره تهديداً، ومساحة عامة يعلو فيها الصوت الأكثر غضباً، ويتعاطي مع الانتهاكات بسياق جزئي لتكريس وتوظيف مشاعر الظلام لتعميق الكراهية وجعلها الوقود الدافع لاستمرار العنف، رغم أن طريق وقف الانتهاكات يستوجب بداية إزالة السبب بوقف العنف وأعلى تجلياته ممثلة في “الحرب”، لأن استمرار العنف والحرب نتيجته الفعلية “زيادة الانتهاكات”.

 

من المهم الإشارة إلى أن توظيف خطاب الكراهية كأحد مغذيات الحروب لم يقتصر على السودان وحده، لكنه شمل تجارب ونماذج أخرى لعب خلالها الإعلام الدور الأخطر في صناعة الانقسامات. وقد نجد تكراراً لنماذج القصص بذات الطريقة “تبسيط مخلّ، تخويف مستمر، وتحويل البشر إلى صور جاهزة يسهل كرهها”، إلا أن الفرق الأساسي في السودان أن هذه الحصيلة سابقة للصراع والانقسامات، وتراكمت على مر ثلاثة عقود من الممارسة المنهجية المتعمدة للوصول لهذه النتيجة. ولعل أبرز الوقائع التي تثبت هذا الأمر هي طريقة ومنهجية التعامل مع حادثة مصرع ومقتل النائب الأول السابق دكتور جون قرنق التي عُرفت بأحداث يوم الاثنين في الأول من أغسطس 2005م وما تلاها من أحداث وردة فعل متعمدة أمنياً وإعلامياً لتعزيز وترسيخ فكرة القبول بانفصال جنوب السودان الذي كان يسعى له الإسلاميون باعتبار أن جنوب السودان هو المعيق والعقبة الكؤود الأكبر لمشروعهم الآيديولوجي في البلاد، ولذلك وبعد انفصال جنوب السودان قال رأس نظامهم المعزول عمر البشير في خطاب جماهيري “بعد انفصال الجنوب تاني مافي دغمسة.. شريعة عديل”.

 

من المعلوم أن تصور الشريعة المقدم من الإسلاميين هو محل خلاف وتباين مع مجموعات إسلامية تقليدية وصوفية، ولذلك فالمقصد هو فرض تصورهم ونموذجهم الآيديولوجي، وهو ما لم يكن ممكناً في ظل الوحدة، لذلك فقد وظفوا الإعلام لترسيخ وتسويق فكرة القبول بانفصال جنوب السودان. والمدهش أنه بعد حرب 15 أبريل يقدمون فكرة جديدة تدعو للقبول بانفصال دارفور، وهي كلها تصورات تسعى لتعزيز وترسيخ سيطرة الإسلاميين السياسية والعسكرية والاقتصادية دون اكتراث لأي عوامل أو آثار أخرى.

 

بعد انتشار منصات التواصل الاجتماعي وتأثيرها باتت إحدى المجالات التي سعى الإسلاميون للسيطرة عليها بإنشاء غرف إلكترونية تحت مسمى “منصات الجهاد الإلكتروني” لم تقتصر على نقل اللغة المستخدمة في المؤسسات الإعلامية التقليدية وخطابات التخوين والكراهية، وإنما بمحاولات المنع والتخريب بالتهكير للحسابات والتعطيل وإنشاء الحسابات الوهمية وغيرها من الأساليب التي تم تطويرها في شكل غرف ومنصات ومواقع لتحقيق ذات الأهداف، مع ملاحظة أساسية أن السوشيال ميديا تنشهد إيقاعاً أكثر تسارعاً ووتيرة فوضوية أكبر، ونقل الانفعالات القديمة محدودة التعاطي لحيز أوسع وبتسارع أكبر.

ما ذكرناه سابقاً يظهر المشكلة بشكل أكبر، وهي المرتبطة بالتسطيح الممنهج للوعي والبث المتعمد لخطاب الكراهية بترسيخه وتوظيفه، وهو ما جعل الأمر لم يعد مقتصراً على الإعلام غير المهني أو الصحافة المفارقة للحقيقة، وإنما مرتبطة بالوعي المتشكِّل عبر السنوات المتراكمة لأكثر من ثلاث عقود، وما أنتجه من أجيال كاملة اعتادت على الضجيج والنظر للسياسة بوصفها معركة صفرية “فائز وخاسر”، لا مكان فيها للتفكير الهادئ أو الاختلاف والتحاور والتجادل المنطقي، يتم خلالها استخدام أعنف العبارات وتوجيه الاتهامات وإن كانت كاذبة طالما أنها تحقق نتيجة “الفوز”. تفاقم هذا المشهد بعد اندلاع حرب أبريل 2023م وما خلفته من انتهاكات ومرارات وتجاوزات وجدت بيئة مهيأة ومستعدة لاستقبال خطاب الكراهية والعنف والاشتطاط وتبرير القتل الذي رعاه الإسلاميون لثلاثة عقود، وسقوه بالإعلام ومنصاته المختلفة حتى استوى على ساقه وتمددت مساحته داخل كل مدينة وقرية وأسرة وكل عقل.

 

يقودنا هذا التوصيف لسؤال يتعلق بالمستقبل: “هل بعد كل هذا الخراب الممنهج هناك أمل؟!” أعتقد أن هذا الأمل موجود وقائم رغم المشهد القاتم، لكنه يتطلب بداية وقف العنف وإنهاء الأوضاع النفسية الناتجة عنه، ومن ثم إيجاد مساحة تمكن السودانيين والسودانيات من النظر لبعضهم البعض كبشر أولاً، لا كخصوم دائمين في معركة صفرية يجب أن تنتهي “بالانتصار الكامل أو الهزيمة الساحقة”، والنظر للصراع الحالي والصراعات السابقة باعتبارها سلسلة طويلة من الأخطاء التي تحتاج إلى الاعتراف والإقرار والاعتذار وجبر الضرر على المستوى النفسي في المقام الأول، وأحد شروطه ضمان عدم الإفلات من العقاب بحيث يكون شاملاً حتى للذين قدموا وسوقوا خطاب الكراهية وتولوا نشره بين الناس وترويجه. ومن المؤكد إن حدوث ذلك يتيح وجود بيئة ومناخ إعلامي حر يعلِّم حدود مسؤوليته ودوره بما يجعله قادراً على المساعدة في تحقيق هذا التعافي، وإبراء الجراح والتقدم للأمام صوب المستقبل.

 

أما اعتبار ما أشرنا إليه سابقاً ضرباً من ضروب المثالية وتحقيق أمر غير ممكن، فهو افتراض بخلاف إغفاله لتجارب تجاوزت محن الماضي، لكنه يغض الطرف عن تداعيات الاستمرار في تسطيح الوعي وتعميق خطاب الكراهية كبديل لإبراء الجراح والتقدم صوب المستقبل. ولا نحتاج للحديث عن أثره فقد جربناه من قبل في جنوب السودان، ولذلك فإن “من جرَّب المجرب وتوقع نتائج مختلفة من المؤكد ستحيق به الندامة”، وهو ما نعمل على ضمان عدم تكراره والتقدم صوب سودان المستقبل القائم على الحرية والسلام والعدالة وتنتهي فيه الحروب والصراعات والعنف السياسي المسلح إلى الأبد وتصبح من الذكريات، ويحل مكانها حكم مدني ديمقراطي دستوري مستدام يتاح للشعب فيه اختيار من يحكمهم ومحاسبتهم واستبدالهم بآخرين بشكل سلمي رضائي ديمقراطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *