هل تتشابه الأمهات؟
أماني أبو سليم
شلوخ أمي كانت رقيقة وخفيفة. في طفولتي كنت أنظر إلى الشلوخ على وجوه النساء وأحسب مقدار ألمهن من تلك الجروح. أحمد الله أن ألمها كان خفيفاً بقدر خفة شلوخها.
كنت أطيل النظر في شلوخ ماما عشة في فقرتها في جنة الأطفال، وأقول لنفسي “كم تألمَّتْ”.
كنت أجد من الغريب التغزل في الغناء في تلك الجروح، بآثارها العميقة والباقية طول هذه السنوات، وأظن أن من تغنّى للخدود السادة أكثر إنسانية وشعوراً بالجمال.
مع الزمن والتعود على الشلوخ، ما عدت أحسب آلام الأمهات بمقدار طولها وعمقها. توقفت عن ذلك دون أسباب، ربما التعوّد، وربما ملاحظتي تصالحهن مع الأمر.
عند انتشار السوشيال ميديا زاد الاهتمام بصور الأمهات، بالذات في عيدهن. بت أراهُن يتشابهن، شيئٌ ما يجمع بين هذه الوجوه.
بعد رحيل أمي، بدأت تشدني الشلوخ، تثير الحنين، وأشعر بالود والألفة مع صاحباتها، حتى من لا أعرفهن.
ظننت أن الشلوخ سر الشبه. لكن مع مرور السنوات وتوالي الأجيال، قلّت نسبة صور صاحبات الشلوخ، ولا تزال عيني تلاحظ الشبه بين الأمهات.
أشك، ربما لا يتشابهن، وإنما هو السمت العام لنساء من ذات الجيل، فتشابهن كما يتشابه أبناء نفس الجيل.
أعِد النظر في صور الأمهات التي يشاركها الأبناء من الأجيال التالية والسابقة. الجبين، الابتسامة والخدود، بشلوخ وبدونها، كلها تتشابه. ذات الروح والإحساس يشع من مختلف وجوههن. إنها.. ملامح أمهات.
خدودهن تتشابه، بالشلوخ وبدونها، على امتلائها أو طولها أو دائريتها، كأن ما يجمعها أثر الأيدي الصغيرة التي مرّت عليها في أُولى أيام استكشافها للعالم الجديد.
وجدت نظراتهن تتشابه، عيون طيبة، صافية، يملؤها الرضا، صفاءٌ يبدو كأنه مرّ من قلوبهن أولاً، ثم استقر في العيون.
ذات الجبين المرتاح، حتى بتجاعيده، واسع،
كأنه ترك لكل ما مرّ به مكاناً ثم هدأ.
كلهن يرسمن ذات الابتسامة، ثغرٌ مفرود، كأنك تعرف ما ينوي أن يقول، ابتسامة تعرفها حتى لو رأيتها لأول مرة.
كلها صورٌ شاركها الأبناء، بأصابع تحمل الشوق والامتنان،
دافئة، كأنها تلمس وجوههن نفسها. حبٌ يسيل من عيون الأبناء، يستقر على الصور، يرسم الابتسامة نفسها، يمنح العيون ذلك الصفاء ويُحيّي في الوجوه جمالاً متجدداً.
كل عام وكل الأمهات بخير، بهذا الشبه الأخّاذ الذي يربط بين قلوبنا ووجوههن.