تجريم خطاب المظلومية في زمن الحرب

تجريم خطاب المظلومية في زمن الحرب

شرق السودان بين اختلال الدولة وأمننة السياسة

قراءة في خطاب إبراهيم دنيا

خالد محمد طه

 

في سياق الحرب الشاملة التي يعيشها السودان منذ أبريل 2023، لم تعد العلاقة بين الدولة والمجتمع تُدار عبر أدوات السياسة بقدر ما تُختزل في منطق أمني صارم. هذا التحول، الذي يبدو أن الحرب قد فرضته يستند إلى إرث طويل من الحكم السلطوي، ألقى بظلاله الثقيلة على كيفية التعاطي مع خطاب المظلومية والمطالب الاجتماعية، لا سيما في الأقاليم الطرفية. ويأتي الجدل الذي أثاره الخطاب الأخير لإبراهيم عبد الله “دنيا” في شرق السودان بوصفه مثالاً كاشفاً لهذا المأزق البنيوي، حيث جرى الانتقال سريعاً من مناقشة مضمون الخطاب إلى تجريمه وربطه بتهديد الأمن القومي.

 

الحرب وإعادة تعريف المجال العام

أعادت الحرب الجارية تعريف المجال العام في السودان، لا من حيث تقليصه فحسب، بل من حيث إعادة ضبط معايير المشروعية السياسية. ففي ظل الانهيار المؤسسي وتفكك أجهزة الدولة، باتت أي مطالب اجتماعية تُقرأ عبر عدسة الشك، ويُنظر إليها باعتبارها قابلـة للاستثمار من قبل أطراف الصراع المسلحة. هذا المنطق، وإن بدا مفهوماً في سياق هش، إلا أنه يؤدي عملياً إلى تجفيف السياسة وتحويلها إلى ملف أمني، بما يحول دون معالجة الأسباب الفعلية للاحتقان.

في هذا الإطار، لم يُقارب خطاب إبراهيم دنيا باعتباره تعبيراً عن أزمة تمثيل وتنمية في شرق السودان، بل جرى إدراجه ضمن خطاب “اللا استقرار” و”التحريض”، في استمرار لنمط تاريخي تعاملت به الدولة السودانية مع الأطراف منذ الاستقلال، حيث يُفسَّر الاحتجاج بوصفه خروجاً، لا مطالبة.

 

شرق السودان: تهميش بنيوي في سياق دولة منهكة

يكتسب خطاب المظلومية في شرق السودان دلالته الخاصة من كونه يصدر عن إقليم ظل لعقود خارج دوائر التنمية الفعلية، رغم مركزيته الاقتصادية والجيوسياسية. وقد فاقمت الحرب هذا الوضع، عبر تعطيل الموانئ، وقطع سلاسل الإمداد، وارتفاع معدلات الفقر والهشاشة، ما جعل المنطقة أكثر حساسية تجاه أي انسداد سياسي.

من منظور الاقتصاد السياسي، فإن الحرب لم تُنتج مظلومية الشرق، لكنها عرّت بنيتها ووسّعت فجوة الثقة بين المجتمع المحلي والدولة.

وعليه، فإن قراءة أي خطاب احتجاجي بمعزل عن هذا السياق المركب تُعد اختزالاً مخلاً، يعفي الدولة من مساءلة دورها التاريخي في إنتاج الاختلالات.

 

أمننة المظلومية: من الفشل التنموي إلى الاتهام السياسي

يعكس التعاطي التجريمي مع خطاب المظلومية انتقال الدولة – أو ما تبقى من أجهزتها – من الاعتراف الضمني بالفشل التنموي إلى تحميل الفاعلين الاجتماعيين مسؤولية الأزمة.

فبدل مساءلة السياسات العامة، يجري التشكيك في النوايا، وربط الخطاب بالمؤامرة أو التفكيك، وهو ما يشكّل آلية دفاعية لدولة عاجزة عن تقديم حلول.

ففي الأدبيات السياسية، تُعد “أمننة المطالب” مؤشراً على ضعف الشرعية، لا قوتها، إذ تلجأ السلطة إلى القانون والخطاب السيادي لتعويض غياب الإجماع السياسي.

وفي الحالة السودانية، يتضاعف هذا الخطر لأن الحرب نفسها قامت جزئياً على فشل الدولة في إدارة التنوع والتنافس على الموارد بوسائل سلمية.

 

الحرب كذريعة لإغلاق النقاش العام

تُستخدم الحرب، في هذا السياق، بوصفها ذريعة أخلاقية وسياسية لإغلاق النقاش العام، عبر استدعاء أولوية “الوحدة” و”الاصطفاف”، دون تحديد مضمون هذه الوحدة أو شروطها العادلة.

غير أن التجربة السودانية تُظهر أن تجاهل المظالم باسم الحرب لا يؤدي إلى تماسك الجبهة الداخلية، بل يفاقم الإحساس بالإقصاء، ويُضعف أي إمكانية لبناء دولة ما بعد الحرب.

إن تجريم خطاب المظلومية في شرق السودان لا يحصّن الدولة، بل يضعها في مواجهة مباشرة مع مجتمعات محلية تشعر أصلاً بأنها خارج معادلة القرار، ما يخلق بيئة مواتية لتدويل الأزمة أو عسكرة المطالب، وهي نتائج تناقض الهدف المعلن للاستقرار.

 

بين النقد والتجريم: حدود المقاربة القانونية

لا ينفي هذا التحليل الحاجة إلى نقد أي خطاب قد ينزلق نحو التعميم أو الإقصاء أو توظيف الهويات، غير أن النقد السياسي يختلف جذرياً عن التجريم القانوني. فالأول يفترض وجود مجال عام مفتوح وقابل للتصحيح، بينما الثاني يُغلق هذا المجال ويدفع الخطاب إلى الهوامش، حيث يتغذى على الإحساس بالاضطهاد.

تُظهر خبرات الأقاليم السودانية المختلفة أن القمع لا يُنهي المظلومية، بل يعيد إنتاجها في صيغ أكثر راديكالية، وهو درس لم تستوعبه الدولة السودانية حتى الآن، رغم كلفته الباهظة.

 

نحو استعادة السياسة في زمن الحرب

إن الخروج من هذا المأزق يقتضي الاعتراف بأن الحرب، مهما كانت قسوتها، لا تُلغي الحق في التعبير عن المطالب، بل تجعل التعامل العقلاني معها أكثر إلحاحاً. فبناء دولة ما بعد الحرب لا يبدأ بإسكات الأصوات، بل بفتح قنوات تمثيل حقيقية، وإعادة تعريف الأمن بوصفه نتاج العدالة والتنمية، لا نقيضهما.

يكشف الجدل حول خطاب إبراهيم دنيا في “شمبوب” و “همشكوريب'” عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة السودانية في لحظة الانهيار: دولة تُجرّم المظلومية بدل تفكيكها، وتستعيض عن السياسة بالأمن.

وفي السودان، الذي أنهكته الحرب، فإن استمرار هذا النهج الإقصائي لا يهدد الشرق وحده، بل يقوّض أي أفق لبناء سلام مستدام ودولة جامعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *