التعليم في السودان، بين حافة الانهيار وضرورة الفعل الإستراتيجي الحاسم
عروة الصادق
يقف التعليم العام والعالي في السودان عند نقطة مفصلية فارقة، تتكاثف فيها أزمات الدولة مع اختلالات الإدارة، وتتداخل فيها تداعيات الحرب مع تراكمات طويلة من التسييس والفساد، حتى أصبح الحق في التعليم مهدَّدًا في جوهره، وأضحى ملايين الطلاب رهائن لإجراءات يفترض فيها البساطة والانضباط، في مقدمتها مسألة أرقام الجلوس وضمان الوصول إلى الامتحانات.
تأخير إرسال أرقام الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، خاصة في المناطق التي تُوصَف بأنها حاضنة لقوات الدعم السريع، يمثل تحولًا خطيرًا في وظيفة الدولة من راعٍ للحقوق إلى معطِّل لها، حيث يتحول الإجراء الإداري إلى أداة إقصاء جماعي، ويُدفع الطلاب ثمنًا لصراع لا صلة لهم به، في بيئة تغيب فيها العدالة التعليمية وتتآكل فيها فكرة تكافؤ الفرص، الأمر الذي يفتح الباب أمام تصدعات اجتماعية عميقة يصعب احتواؤها لاحقًا.
في ذات السياق، يواجه الطلاب السودانيون في المراكز الخارجية في مصر وتشاد وغيرها واقعًا لا يقل قسوة، إذ تتعطل إجراءات إرسال أرقام الجلوس، وتتراكم حالة القلق داخل الأسر، ويتحول العام الدراسي إلى مساحة انتظار مفتوحة على المجهول، رغم أن هذه الفئة تعيش أصلًا ظروف نزوح وضغط اقتصادي ونفسي، وكان المتوقع أن تُمنح أولوية قصوى في التيسير والدعم، بما يحفظ الحد الأدنى من الاستقرار التعليمي.
تتفاقم الصورة مع ما يرد من مؤشرات حول ضغوط تمارس على الأسر السودانية في الخارج، تتعلق بإمكانية إغلاق مدارس التعليم الأساسي والمتوسط والثانوي، في محاولة لدفع الأسر إلى العودة القسرية، وهو توجه يحمل في طياته مخاطر إستراتيجية كبيرة، إذ يؤدي إلى كسر استقرار الأسر، ويهدد بانقطاع التعليم عن آلاف الطلاب، ويضع الدولة في مواجهة مباشرة مع أحد أهم حقوق مواطنيها، وهو الحق في التعليم الآمن والمستقر.
هذه الأزمات الآنية لا يمكن فصلها عن بنية أعمق من الخلل داخل قطاع التعليم، حيث تتكشف إفادات من داخل الوسط التعليمي عن وجود منظومات مالية واستثمارية تأسست من استقطاعات المعلمين وحقوقهم، ثم تحولت إلى كيانات مغلقة تدار بعيدًا عن الشفافية والمساءلة، مع غياب واضح لانعكاس عوائدها على القاعدة العريضة من المعلمين.
لقد نشأت، منذ مطلع الألفية، شركة للمعلمين برأس مال ضخم، توسعت لاحقًا لتشمل أصولًا إستراتيجية مثل برج المعلم بالسوق العربي، وصالة المعلم، ومستشفى المعلم، ومدينة المعلم الطبية، وهي مؤسسات ذات عوائد معتبرة، مع استمرار معاناة المعلمين من تدهور أوضاعهم الاقتصادية، وهو ما يعكس خللًا بنيويًا في توزيع الموارد وإدارة الأصول.
كما تشير المعلومات إلى إنشاء مستشفى المعلم بمدني عبر استقطاعات مباشرة من مرتبات المعلمين، واستمرار هذه الاستقطاعات حتى بعد اكتمال المشروع، مع توجيه العوائد لاحقًا إلى جهات محددة، إلى جانب استقطاعات أخرى غير واضحة مثل ما عُرف بـ(المرحمة)، دون تقديم إطار مؤسسي يوضح طبيعتها أو مسارات صرفها، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول الحوكمة والشفافية.
أما ملف المعاشات، فيقدم نموذجًا صارخًا لاختلال العدالة، حيث ساهم المعلمون لعقود في نظام مالي استثماري كبير، بينما يتلقى المتقاعد مبالغ محدودة لا تكفي لتأمين احتياجاته الأساسية، في مفارقة حادة بين حجم الموارد المتراكمة ومستوى العائد الفعلي، وهو ما يعمِّق الإحساس بالغبن ويقوِّض الثقة في المؤسسات.
في هذا الإطار، يصبح ما يجري في ملف أرقام الجلوس والامتحانات انعكاسًا مباشرًا لهذه البيئة المختلة، حيث تتراجع كفاءة الإدارة، وتضعف القدرة على الاستجابة، وتتقدم الاعتبارات السياسية على مقتضيات الخدمة العامة، مما يؤدي إلى تعطيل حق أساسي يمس مستقبل أجيال كاملة.
المطلوب في هذه اللحظة يتجاوز المعالجات الإجرائية المحدودة، ويتجه نحو رؤية إستراتيجية شاملة، تبدأ بضمان فوري وغير مشروط لحق جميع الطلاب في الجلوس للامتحانات أينما وجدوا، وتسريع إجراءات المراكز الخارجية، وتأمين استمرارية المدارس في دول اللجوء، مع وقف أي ضغوط تؤدي إلى زعزعة استقرار الأسر، بالتوازي مع فتح ملفات الفساد في مؤسسات التعليم والمعلمين، وإخضاعها لمراجعة مستقلة تستند إلى معايير الحوكمة الرشيدة.
إن إنقاذ التعليم في السودان يمثل مدخلًا أساسيًا لإنقاذ الدولة ذاتها، إذ يرتبط التعليم بالأمن الاجتماعي، وبإعادة بناء الثقة، وبإنتاج النخب القادرة على قيادة المستقبل، وأي تأخير في هذا المسار يعني تعميق الفجوة، وتوسيع دائرة الخطر، ووضع البلاد أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا.
وعليه، فإن اللحظة الراهنة تستدعي قرارًا وطنيًا شجاعًا، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع التعليم في صدارة الاهتمام، بوصفه القضية التي لا تحتمل التأجيل، والأساس الذي يقوم عليه أي مشروع للاستقرار أو النهوض.