فيلم “الست”: أم كلثوم بين المجد والخوف

فيلم “الست”: أم كلثوم بين المجد والخوف

أماني أبو سليم

 

قبل أن تبدأ في تلك الليلة في كتابة مذكراتها، كان صوتها الداخلي، حسب فيلم “الست”، يقول:

الشقاء قدر من أراد المجد.

يبدأ الفيلم بمشهد حفل أم كلثوم في باريس، ضمن رحلاتها لدعم المجهود الحربي، وهي في قمة مجدها بعد هزيمة عام 1967.

أبرز الفيلم أن هذا الحفل يمثل ذروة مكانتها الفنية. كان الحضور عالميًا؛ جمهورها جاء من مختلف الدول والديانات، وحضور رسمي لسفراء وشخصيات ذات وزن.

في ذروة المجد، يكشف الفيلم خوفًا قديماً لم تهزمه، ليصوغ من حضورهما معًا تناقضًا إنسانيًا شكّلها كفنانة وإنسانة.

يمر أمامها شريط هذا التاريخ، فتستدعي صورة والدها والخوف حين غنّت معه على مسرح تحوّل حضوره  إلى بلطجية يتعاركون. الخوف من العاصفة حين غنّوا على مسرح خالٍ من الجمهور. الخوف حين هدّدهم سكران بمسدس على أول مسرح لهم بالقاهرة. الخوف والرضوخ لشروط أصحاب المسارح.

خوف وانكسار وعدم أمان، لا يزال يطفو على السطح حتى وهي على مسرح البسفور، أحد أكبر مسارح باريس والعالم.

حفل بتلك المكانة الوطنية والقومية والعالمية، وبهذا الجمهور، والأمن الذي سيطر في طرفة عين على من أسقطها على المسرح. وقوة مجدها التي أرغمت صاحب المسرح على الخضوع.

أبدع صُنّاع الفيلم حين اختاروا حفل باريس مشهدًا للبداية؛

بداية تكشف الداخل الإنساني، وتدع التناقض يتجلّى بوضوح. بين الداخل الإنساني الضعيف المدفون، والخارج القوي،

لا كقناع أو مظهر، بل كنتيجة لعمل دؤوب يحاول ردم فجوات النفس. لتظهر أم كلثوم القوية فنياً مع جانب آخر لامرأة عانت الوحدة والخوف وتسرُب حلم الأسرة.

الحوار لا يصرّح بهذا التناقض، لكنه يظهر بصريًا. في مشاهد مثل تعاملها مع المنديل لامتصاص الخوف، أو حركة عينيها التي ركّزت على إظهار ما بداخلها، خاصة عند استدعاء الطفولة.

الإضاءة لعبت الدور الأكبر في توضيح هذا التناقض.

ظلت، تقريبًا طوال الفيلم، خافتة. تظهر نصف وجه أم كلثوم مظلمًا، خاصةً في البيت، في إيحاء واضح بأن الفيلم يدور حول الجانب الآخر غير المرئي من الشخصية.

كأن العمل يحاول القول إن الشخصيات العظيمة تحمل بداخلها مشاعر إنسانية عادية؛ مخاوف ومشاعر مكبوتة لا تُرى خلف ظاهر المجد.

مما يقوله الفيلم إن مكانة الشخصيات العظيمة لا تستدعي التأليه. فهي لا تخلو من المشاعر الإنسانية المتناقضة. لا كمال للإنسان مهما بلغ من مجد، فالمجد في مجال لا يعني مجدًا مطلقًا في كل جوانب الحياة.

هذا التناقض ينسحب بوضوح على علاقتها بأنوثتها.

تعرّضها لإهانة أنوثتها، عند السخرية من ملابسها الرجالية التي فرضها والدها في بداياتها، وهي طفلة وشابة صغيرة، غذّى نقيضين متوازيين:

خجلها من أنوثتها، وتحدّيها لإثبات نجاحها وقوتها في مجتمع يجعل الرجولة شرطًا للقوة والنجاح.

في بداياتها، تحدّت السكران أن يضربها بالمسدس لو كان رجلًا. ولاحقًا، دفعها هذا التحدي إلى ترشيح نفسها، ففازت نقيبةً للموسيقيين، وساهمت في مجلة وكتبت فيها آراءها.

ظل اهتمامها بمظهرها على المسرح، وبمظهر كل من معها، محاولةً لتغطية الشعور القابع في داخلها باحتمال التعرّض للسخرية.

يظهر التناقض الإنساني في محاولاتها تغطية ضعف الخجل والخوف، كامرأة أُهينت أنوثتها، بقوة الفنانة الصاعدة إلى المجد.

هذا التناقض جعلها تتجاوز مشاعرها تجاه الشاعر أحمد رامي: “حيطان البيوت ما تشيلش اتنين طايرين زيِّنا” وتقبل بالملحن محمود شريف،  وحين سألها صحفي إن كانت ستستجيب إذا طلب خطيبها ترك الغناء والتفرغ للبيت، أجابت:

“اللي يقولوا يمشي”.

كانت في قمة مجدها، إلى حد أن رأس الدولة نفسه سأل عن حقيقة اعتزالها. لم تكن إجابة أم كلثوم إلا مجاراةً لإحساس داخلي بحاجتها إلى إعلان الضعف والتبعية، ولو لمرة واحدة.

وعلى عظمة مكانتها في وجدان جمهورها المتجاوز لحدود مصر، ونيلها وسام الكمال من الملك فاروق، عانت أم كلثوم من خيبة الحب، وألم الرفض، وغطرسة الأسرة المالكة.

لتعيش تناقض الشعور بالمكانة العظيمة، مع الخيبة والانكسار.

الإنسان يبلغ المجد على إيقاع التناقض. في حالة أم كلثوم، وحسب الفيلم، كانت رؤيتها الواضحة لمستقبلها الفني سببًا في مجدها الفني. وظّفت قوتها لمغالبة نقيضها: الخوف.

ويظهر ذلك فنيًا، مثلًا، في مشاهد تعاملها مع المنديل.

أما في حياتها الخاصة، ومع الكبر وتأثر الصحة، فقد جعلت ضبابية الرؤية الوحدة تسيطر على حالها.

وسكنها الأسى والخوف، وهما نقيضا القوة والجماهيرية العظيمة.

لا يمكن اعتبار الفيلم سيرة ذاتية، ولا يمكن لفيلم أن يغطي سيرةً كسيرة أم كلثوم.

الفيلم ناقش التناقض الإنساني في المشاعر، وكتلة المشاعر المكبوتة منذ الطفولة، التي تؤثر حتى عند بلوغ المجد، وتطفو على السطح عند محكات الحياة.

الإنسان حالات:

أحيانًا كريم وأحيانًا حريص. أحيانًا متعاطف وأحيانًا قاسٍ، أحيانًا يلتزم وأحيانًا يتجاوز. كلها حالات إنسانية لا تجافي المجد.

وقد أظهرها الفيلم في مواقف أم كلثوم مع أسرتها، والعاملين معها، وفي انتخابات النقابة.

أظهر الفيلم أم كلثوم إنسانةً بلغت المجد، وظلّت بتناقضات الإنسان.

وكلما تكاملت نظرتنا لنقاط القوة والضعف، كلما رأينا الصورة الإنسانية كاملة، وانسحب الظل من نصف الوجه.. أو النفس.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *