نقطة جباية.. ليست فضيحة، بل طريقة حكم
محمد هاشم محمد الحسن
ليست المشكلة في إعلان إغلاق 55 نقطة تحصيل غير قانونية، بل في أن هذا الإعلان كشف ما كان قائمًا بالفعل. وجود هذا العدد من نقاط الجباية على طرق قومية وفي خمس ولايات ولفترة طويلة لا يمكن تفسيره كخلل محدود أو تجاوز عادي. ما انكشف ليس حادثة، بل طريقة عمل. طريقة لا تقوم على ضبط المجال، بل على تركه مفتوحًا ليُعاد تشكيله عبر القوة والمصلحة.
هذه النقاط لم تكن خفية، ولم تعمل بعيدًا عن الأنظار. كانت جزءًا من المشهد اليومي، تفرض الرسوم، توقف الشاحنات، وتتحكم في حركة السلع والناس. وهذا وحده يكفي لفهم أن المسألة لا تتعلق بغياب الرقابة، بل بوجود بيئة تسمح وتنتج هذا النوع من السيطرة. لأن ما يستمر بهذا الشكل، لا يكون خارج المشهد، بل جزءًا منه.
في هذا السياق، لا تبدو الجبايات انحرافًا عن النظام، بل انعكاسًا له. ما يتشكل هو اقتصاد حرب كامل، تتحول فيه الطرق إلى مصادر دخل، والمعابر إلى نقاط نفوذ، والجباية إلى أداة تمويل. الأموال هنا لا تتحرك كفساد فردي، بل كجزء من شبكة أوسع تعيد توزيع القوة داخل واقع مفكك. ولهذا لا تظهر هذه النقاط كحالات شاذة، بل كامتداد طبيعي لبنية قائمة.
ومن هنا يسقط أصلًا أي حديث عن الإغلاق كمعنى. لأن إزالة المظاهر لا تمس القاعدة التي أنتجتها. ما جرى ليس معالجة، بل ضبط إيقاع داخل نفس البنية. الفوضى لا تُلغى هنا، بل يُعاد تنظيمها عندما تتمدد أكثر من اللازم. الفارق ليس بين وجود الظاهرة وزوالها، بل بين شكل فاضح وشكل أكثر انضباطًا يخدم نفس الغرض.
الأخطر أن هذه المنظومة لا تعمل في فراغ، بل داخل مناخ عام يعيد إنتاجها. وفي هذا السياق، لا تعمل هذه الجبايات كعبء معزول، بل كآلية استنزاف مباشر للموارد. وبينما تُسحب الأموال عبر هذه المسارات، ينهار التعليم، وتتآكل المنظومة الصحية، وتُستنزف البنية الأساسية للحياة نفسها.
ومع ذلك، ينشغل كثيرون بتبرير ما يجري من داخل معسكراتهم الخاصة. خطاب يقدّم الحرب بوصفها معركة كرامة ودحر للتمرد، ويختزلها في شعارات حاسمة من نوع (بل بس)، وخطاب مقابل يراهن على تفكيك دولة 56 واستعادة الديمقراطية عبر كسر موازين القوة القائمة. وفي الحالتين، لا يتوقف النزيف، بل يُعاد تفسيره، وتتحول الكلفة اليومية إلى جزء من رواية أكبر، بينما تغيب الأسئلة الأساسية حول من يسيطر على الموارد وكيف تُدار.
بهذا المعنى، لا تعكس الجبايات مجرد عبء اقتصادي، بل تكشف طبيعة المجال كله. حين يصبح الطريق نفسه مجالًا مفتوحًا للتحصيل القسري، فهذا يعني أن الحدود بين ما هو منظم وما هو منفلت لم تعد قائمة. لم تعد المسألة من يملك القاعدة، بل من يفرض الوقائع.
والمشكلة ليست في 55 نقطة بحد ذاتها، بل في أن هذا الرقم لا يبدو سوى ما طفا إلى السطح. ما انكشف ليس حادثة يمكن احتواؤها، بل نموذج مكتمل. نموذج يقول إن الحرب لم تكتفِ بتدمير المجال العام، بل أعادت بناءه وفق منطقها، بحيث تعمل شبكات الجباية والنفوذ داخله كجزء من تركيبته لا كخروج عليه. وهذه ليست أزمة طريق… هذه مسألة تتعلق بطبيعة ما يُدار أصلًا.
ما انكشف ليس عدد نقاط.. بل طريقة حكم.
وحين تصبح الجباية جزءًا من هذه الطريقة، فإن ما يُغلق اليوم ليس المشكلة، بل جزء منها.