تحالف المال والسلاح والأيديولوجيا
كيف أعاد اقتصاد الحرب تشكيل الصراع في السودان؟
د.عصام الدين عباس
أفرزت الحرب في السودان، التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، واقعاً اقتصادياً مشوَّهاً، زاد من التعقيدات التي كان يعاني منها مسبقاً من خلال تمدد “اقتصاد الحرب” الذي أصبح حقيقة ماثلة أمام كل متابع، بل صار رافعة يستند عليها الصراع. يتمدد فضاء هذا الاقتصاد في استخراج وتجارة الذهب، الجبايات العشوائية، تجارة السلاح، واستغلال المساعدات الإنسانية، ويتقاطع مع المال والسلاح والأيديولوجيا، حيث يستخدم الجيش والإسلاميون خطاب “الكرامة والدفاع عن الدولة”، والدعم السريع خطاب “مظالم الهامش وتفكيك الهيمنة التاريخية”، كغطاء للمصالح الاقتصادية.
أنتجت ديناميكيات الحرب تحولات، وقادت إلى نشوء تحالفات جمعت خصوماً سابقين مما يطيل أمد النزاع الذي أسفر عن مقتل عشرات الآلاف، نزوح ما يقارب 14 مليون شخص، وأزمة إنسانية هي الأكبر عالمياً، مع تمويل إنساني متراجع. إن إنهاء الصراع واستدامة السلام في السودان يتطلب تفكيك بنية اقتصاد الحرب لصالح اقتصاد الدولة في نظام مدني مساءل، بعيداً عن نفوذ السلاح والمال.
مقدمة
لم تعد الحرب في السودان، التي قاربت إكمال عامها الثالث، مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش والدعم السريع على السلطة، بل تحولت إلى نظام متكامل لإنتاج الثروة والنفوذ في ظل الفوضى وغياب الدولة المركزية. نشأ “تحالف اقتصاد الحرب” الذي يجمع بين مصالح اقتصادية كبرى، مدعومة بتهريب الذهب والموارد عبر الحدود، والعنف المسلح. يُغلَّف هذا التحالف بسرديات بعضها أيديولوجي إسلاموي، وبعضها خطاب مظالم جهوية لتعبئة القواعد، لكنه في جوهره يعيد تشكيل الصراع والتحالفات وفق منطق الربح الذي جمع بين خصوم تاريخيين مثل الجيش والإسلاميين مع بعض الحركات الدارفورية التي لطالما ناصبتهم العداء منذ نشأتها الأولى وحتى انخراطها في السلطة عقب اتفاقية جوبا للسلام في 2020.
هذا التحول جعل استمرار النزاع شرطاً لبقاء شبكات غير رسمية، محولاً السودان إلى ساحة صراعات إقليمية ودولية تهدد بتقسيمه إلى كيانات اقتصادية متنافسة، وسط كارثة إنسانية غير مسبوقة. يستعرض هذا المقال كيف انعكست المعادلة من “حرب السياسة” إلى “سياسة الحرب”، وكيف أصبحت الأيديولوجيا واسترداد المظالم أداة وظيفية تخفي الطابع الاقتصادي الحقيقي للصراع.
من حرب السياسة إلى سياسة الحرب
في المراحل الأولى من صراع أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، ارتبط العنف بسعي الطرفين للسيطرة على السلطة وفرض إرادتهم، يجمع بينهما قاسم مشترك هو إنهاء أمل الشعب السوداني في دولته المدنية الديموقراطية، ويتفقان في إقامة ديكتاتورية تحتكم الي البندقية وتمجدها، وبالتالي كانت الحرب هي رافعة السياسة. اليوم، وبعد مرور أكثر من عامين على الحرب، انعكست المعادلة تماما: أصبحت السياسة أداة لاستدامة الحرب، وأضحى استمرار النزاع شرطاً أساسياً لبقاء شبكات اقتصادية كاملة، نشأت وتوسّعت في ظل الفوضى وغياب الدولة المركزية، حيث تحول الاقتصاد إلى “اقتصاد حرب” يعتمد على الاستغلال المنهجي للموارد لتحقيق أرباح هائلة. اقتصاد الحرب في السودان صار نشاطاً اقتصادياً موازياً ويشكل جزءاً أساسياً من الدخل القومي، يقوم على السيطرة على مناجم الذهب وتهريبه عبر الحدود، كما يشمل تجارة السلاح غير الشرعية. بالإضافة إلى ذلك، لم يقتصر اقتصاد الحرب على تجارة الذهب والسلاح فحسب بل نشطت، وبسبب تفكك الدولة، تجارة البشر من خلال الإتجار باللاجئين والنازحين عبر الحدود الدولية، الجبايات القسرية على التجار والمزارعين عبر نقاط التفتيش العسكرية في الطرق التجارية عبر الولايات، مما أدى إلى تضخم أسعار السلع بنسب كبيرة جداً، والتلاعب بالمساعدات الإنسانية، حيث تتم سرقة أو إعادة بيع المساعدات الدولية في الأسواق السوداء، خاصة مع انخفاض تمويل العمل الإنساني للأمم المتحدة لعام 2025 إلى 35.4% فقط. ويشمل أيضاً تفكيك مؤسسات الدولة لصالح شبكات غير رسمية، مثل الشركات الوهمية التي يسيطر عليها أمراء الحرب، مما يعمق الانهيار الاقتصادي.
الجيش والإسلاميون: من بقاء الدولة إلى اقتصاد البقاء
شكّل التحالف بين الجيش السوداني والحركة الإسلامية، الذي بدأ مع انقلاب عمر البشير في 1989، الأساس لعسكرة الدولة وتديين السياسة، حيث سيطرت الجماعات الإسلامية على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، مستخدمة الدين كأداة لتعزيز السلطة والسيطرة على الموارد مثل النفط والزراعة، مما أدى إلى عقود من الصراعات الداخلية في دارفور وجنوب السودان. غير أن هذا التحالف، بعد سقوط نظام الإنقاذ في 2019 إثر ثورة ديسمبر المجيدة، لم يعد يسعى لبناء دولة أيديولوجية بقدر ما انكفأ نحو “اقتصاد البقاء”، حيث تحول التركيز إلى الحفاظ على الشبكات الاقتصادية المتراكمة خلال ثلاثة عقود، مثل الشركات التجارية التي يسيطر عليها الإسلاميون، والتي تتمدد في قطاعات الزراعة، التعدين، والتجارة، مع تقديرات تشير إلى أن هذه الشبكات تمتلك أصولاً تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات. ففقدان السلطة السياسية المباشرة دفع هذه الشبكات إلى حماية الامتيازات الاقتصادية المتراكمة، من خلال عرقلة أي مسار قد يفتح ملفات الفساد والجرائم، وهذا ما يفسر سر عدائهم الشديد للجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، واستخدام الحرب الحالية كأداة لإعادة التموضع واستعادة النفوذ، حيث يدعم الإسلاميون الجيش في مواجهة الدعم السريع للعودة إلى السلطة بعد الحرب. في هذا السياق، لم تعد الأيديولوجيا هي المحرّك الرئيسي، بل أصبحت غطاءً يُستدعى عند الحاجة لتعبئة أنصارهم أو شرعنة العنف، كما في استخدام خطاب “الدفاع عن الإسلام”، بينما تحكم المصالح الاقتصادية القرار الفعلي.
الدعم السريع والحركات الدارفورية: من خطاب الهامش إلى منطق السوق
نشأت الحركات المسلحة في دارفور، مثل حركة تحرير السودان (SLM)، وحركة العدل والمساواة (JEM)، في أوائل الألفية الجديدة معتمدة على خطاب المظالم، والتهميش السياسي والاقتصادي، مطالبة بالعدالة الاجتماعية، تقاسم السلطة والثروة، وإنهاء التمييز ضد السكان غير العرب في الإقليم. ولكبح تمرد حركات التحرر الدارفورية، قام الإسلاميون في السودان بتقنين جماعات النهب الكبرى في دارفور والمعروفين باسم الجنجويد في قوة شبه نظامية أسموها “الدعم السريع”، ووفروا لها السند القانوني والسياسي والمالي، مما جعل المنطقة تعاني من صدام مستمر بين المكونات السكانية في الإقليم. أدت سنوات الحرب الطويلة (منذ 2003)، واتفاقيات السلام الجزئية مثل اتفاق أبوجا (2006) والدوحة (2011)، وثورة ديسمبر 2018 التي أطاحت بالدكتاتور عمر البشير ونظامه، ثم اتفاقية جوبا (2020)، إلى تحول بنيوي في الصراع الدارفوري، وأصبح الدعم السريع وجزء كبير من الحركات فاعلين اقتصاديين مسلحين يسيطرون على مناجم الذهب (الذي يشكل مصدر تمويل رئيسياً للحرب)، وطرق التهريب عبر الحدود مع تشاد وليبيا، ويشاركون كمرتزقة في حروب وصراعات الإقليم، ويفرضون الأتاوات على التجار والمزارعين عبر نقاط التفتيش، ويستغلون الموارد الطبيعية مثل الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية.
بلغ التحول ذروته في الحرب الحالية (منذ 2023)، حيث انحازت فصائل موقعة على اتفاق جوبا، مثل حركة تحرير السودان والعدل والمساواة، إلى الجيش، بينما انحازت فصائل أخرى أو انشقت عنها للانضمام إلى الدعم السربع أو تحالفاته السياسية مثل “تأسيس”، مدفوعة بمصالح سياسية واقتصادية مشتركة. هذا التحوّل جعل التناقض التاريخي بين هذه الحركات والمؤسسة العسكرية المركزية أو الإسلاميين قابلا للتجاوز، طالما أن المصالح الاقتصادية المشتركة قائمة مما يطيل أمد النزاع ويحوله من صراع أيديولوجي إلى حرب موارد، تهدد بتقسيم السودان إلى كيانات اقتصادية متنافسة تحت سيطرة أمراء الحرب.
تحالف الأعداء: حين تسقط السرديات
المفارقة الكبرى في المشهد السوداني الراهن أن أطرافاً خاضت حروباً دامية ضد بعضها البعض أصبحت اليوم جزءاً من منظومة واحدة لإدارة العنف. الجيش، الدعم السريع، الإسلاميون، وبعض الحركات المسلحة، قد يختلفون في الخطاب، لكنهم يلتقون عملياً حول رفض الدولة المدنية الخاضعة للمساءلة، مقاومة الإصلاح الأمني الحقيقي، تعطيل العدالة الانتقالية، والحفاظ على اقتصاد الحرب كمصدر نفوذ. هنا تسقط السرديات القديمة: لا “جيش قومي” خالص، ولا “حركات ثورية” بالمعنى الأخلاقي. ما تبقّى هو تحالف مصالح مسلّح، يرى في السلام تهديداً، وفي الدولة المدنية خطراً، وفي الديمقراطية قيداً لا يمكن تحمّله.
كسر الحلقة: الطريق الأصعب والممكن
إن إنهاء الحرب في السودان وبناء سلام مستدام لا يمكن أن يتحقق عبر التسويات السياسية وحدها، ما لم تُواجه البنية الاقتصادية التي تُغذي العنف وتعيد إنتاجه باستمرار. فجوهر الأزمة لا يكمن فقط في تعدد الجيوش أو تنازع الشرعيات، بل في ترسّخ اقتصاد حرب منظّم نجح في تحويل العنف إلى نشاط ربحي، والسلاح إلى أداة تفاوض اقتصادي وسياسي، والدولة إلى كيان مفرغ من وظائفه السيادية.
من هنا، فإن أي رؤية مستقبلية جادة يجب أن تنطلق من تفكيك هذا الاقتصاد الموازي، وتجفيف منابعه، وإعادة توجيه الموارد لصالح اقتصاد الدولة والمجتمع.
تبدأ هذه الرؤية بخطوة أولى تتمثل في استعادة السيطرة العامة على الموارد الاستراتيجية، وعلى رأسها الذهب، والتجارة، وسلاسل التوريد المرتبطة بها. ويتطلب ذلك إنشاء آليات رقابة وطنية مستقلة، مدعومة بتعاون إقليمي ودولي، لضبط الإنتاج والتصدير، ومنع التهريب، وقطع الصلة بين الموارد الطبيعية وتمويل الجماعات المسلحة. فلا يمكن الحديث عن سلام في ظل موارد تُدار خارج الموازنة العامة وتُستخدم لتمويل استمرار الحرب.
أما الخطوة الثانية، فهي فصل السلاح عن السياسة والاقتصاد بشكل واضح وغير قابل للمساومة. ويتطلب ذلك إبعاد المؤسسة العسكرية عن الشأن الاقتصادي والسياسي، وتجريم استخدام العنف كوسيلة تفاوض أو كأداة لتحقيق مكاسب اقتصادية. فطالما ظل السلاح مصدراً للسلطة والثروة معاً، ستظل الحرب خياراً لأطراف مستفيدة منها.
أما الخطوة الثالثة، فتتمثل في بناء تحالف مدني واسع يمتلك رؤية اقتصادية بديلة، وقادر على كسر احتكار السلاح والموارد. تحالف لا يقوم على النخب السياسية وحدها، بل يشمل النقابات، ولجان المقاومة، والقطاع الخاص الوطني، والمجتمع المدني، بهدف إعادة بناء اقتصاد إنتاجي يربط السلام بالتنمية، ويحوّل الاستقرار إلى مصلحة عامة ملموسة.