الصراعات والتجاذبات تحاصر سلطة بورتسودان

الصراعات والتجاذبات تحاصر سلطة بورتسودان

بورتسودان: (ديسمبر)

 

تعيش سلطة بورتسودان حالة تجاذبات عنيفة ومتزايدة وغير مسبوقة من قبل التيارات والمجموعات المساندة لها. وانتقلت التباينات من النقاشات الضيقة إلى المنصات الإعلامية، مع تصاعد اتهامات لجهات داخلية تسعى لإعاقة عمل السلطة وإحراجها سياسياً وإعلامياً.

وأثار إطلاق موجة عنيفة من الانتقادات من منصات على صلة رسمية بسلطة بورتسودان علامات استفهام حول الجهات الفعلية المرتبطة بهذه الحملة، التي تنوعت وتعددت أشكالها ما بين النقد العام للأداء، الذي شمل حتى رئيس وزراء حكومة سلطة بورتسودان كامل إدريس الطيب، أو حتى قرارات وإجراءات بما في ذلك اتهامات بالفساد، مما أكد أن الأمر ليس مجرد تعبير عن وجهات نظر ونقد، وإنما تعبير عن صراع بين أطراف ومكونات نافذة ومؤثرة ضمن سلطة بورتسودان.

 

وزير مستقر بالخارج

تلاحظ منذ الأسبوع الماضي تزايد الانتقادات المصوبة على إدريس وانتقاده بسبب قراره قضاء عطلة عيد الفطر المبارك خارج السودان مع أسرته، لكنها تصاعدت بوتيرة أعنف خلال هذا الأسبوع. فالحملة تجاوزته وطالت وزير الثروة الحيوانية دكتور أحمد التجاني المنصوري بنشر وترويج إعلان منشور في صفحته بإحدى منصات التواصل الاجتماعي يعرض فيه خدماته الاستشارية للحصول على دخل إضافي، وهو ما نفاه الوزير في حوار صحفي أجرته معه صحيفة (الكرامة)، الممولة من رجل الأعمال هشام السوباط وأحد أبرز مساندي وحلفاء سلطة بورتسودان وقيادة الجيش على وجه الخصوص، وفي ذلك اللقاء أشار المنصوري إلى أن المنشور المتداول قديم وقبل قبوله للمنصب الوزاري، وأن إعادة نشره وتداوله في هذا التوقيت بغرض التضليل والتحريض.

بالتوازي مع ذلك وُجِهت انتقادات عنيفة لوزراء بحكومة إدريس “لا يحضرون للخرطوم إلا للمشاركة في اجتماعات رسمية سرعان ما يقررون العودة لبورتسودان، ولا يمكثون بالخرطوم” مع كشف تفاصيل وجود واستقرار وزير خارج البلاد “في دولة لم يتم تحديدها” وإصراره رغم وجوده في الخارج لعدة أشهر على الحصول على نثرياته كاملة.

 

رسوم مجهولة المصدر

في ذات السياق أصدرت جهات قرارات بوضع رسوم على أسعار تذاكر السفر، عبر رفع قيمة الضريبة المضافة على المسافرين، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار التذاكر، إلا أن ديوان الضرائب نفي في بيان رسمي صلته بهذا الإجراء، وقال الأمين العام لديوان الضرائب بدر التمام محمد سعد، في تصريح صحفي، إن ضريبة القيمة المضافة محددة بالقانون بنسبة 17% ولا تتغير بتعديل الأسعار، معتبراً أن أي زيادة في قيمة الضريبة هو ناتج عن زيادة سعر الخدمة وليس بسبب فرض ضرائب جديدة أو زيادة نسبة القيمة المحددة بالقانون للقيمة المضافة.

تزامن هذا الإجراء مع رسوم فرضت على المواطنين العائدين من مصر للبلاد في إطار مشاريع العودة الطوعية. ورغم إبلاغ المسافرين في المعبر بهذه الرسوم إلا أن جميع الجهات الرسمية سارعت إلى الإنكار والتنصل من فرض هذه الرسوم، حتى أن رئيس وزراء حكومة سلطة بورتسودان كامل إدريس أصدر قراراً رسمياً بوقف هذه الرسوم، والتي رغم إقرارها وتنفيذها فإن كل الجهات الاتحادية أو الولائية أو إدارة المعبر جميعها أنكرت صلتها بها.

وفي إطار تحسين الصورة العامة ومحاولة امتصاص ردود الفعل وتقليل آثار تلك الحملة سجل إدريس يوم أمس الأول الثلاثاء زيارة ميدانية لمعبر أشكيت بالولاية الشمالية، مؤكداً سعيهم لمحاربة التحصيل غير القانوني، ومبيناً أن “الجبايات غير القانونية أرهقت المواطن ولم تُغن الدولة”، مؤكداً على عدم وجود أي رسوم إضافية أو عوائد إجبارية أو ضرائب فرضية أو جمارك قسرية بمعبر أشكيت.

 

صراع النفط

في سياق متصل شن الإعلامي المقرب لقائد الجيش مزمل أبوالقاسم، عبر صحيفة (العودة) الممولة من جهات نافذة بسلطة بورتسودان، هجوماً على عدة مؤسسات في مقال تحت عنوان “مافيا الوقود وفساد الدولة”، والذي استهله بالقول: “لم أجد حكومةً تبارى الناس في ذمها وقدحها ورصد عجزها عن أداء مهامها كالحكومة الحالية، مع أن ميلادها حظي بدعمٍ كبير وتفاؤلٍ أكبر من الغالبية العظمى لأهل السودان، الذين خُذلوا فيها بسبب فشلها في توفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم لهم، أو تخفيف معاناتهم”.

وتطرق المقال لما اعتبره فساداً في قطاع النفط بسبب تدخلات الوزارة لصالح “كارتيلات الفساد” من خلال التحكم في الاستيراد والتسعير، وهو ما أدى لرفع أرباح استيراد الوقود للباخرة الواحدة من 40% إلى 60%، معتبراً هذه السياسات ستكون نتيجتها شحاً وندرة في الوقود وارتفاع أسعاره.

وكشف مزمل في المقال تفاصيل صراع مؤسسي حينما أشار لموافقة وزارة الطاقة على الزيادات الأخيرة للوقود والتي رفضتها إدارة الأمن الاقتصادي بجهاز الأمن، والذي قام بدوره بتعطيل تنفيذ تلك الزيادة!! وأظهرت هذه الجزئية جانباً من الصراع الخفي والتنازع في السلطات والصلاحيات بين المؤسسات العاملة ضمن سلطة بورتسودان.

من حانبها أصدرت وزارة الطاقة بياناً وضح أنه رد ضمني على ما أورده أبوالقاسم، أشارت فيه لوجود عشر بواخر وقود بمربط بورتسودان تقوم بتفريغ حمولتها بجانب وجود عشرين باخرة أخرى في محيط البحر الأحمر في انتظار دورها، ونبهت إلى خروجها من آلية تحديد أسعار الوقود منذ العام 2021م واقتصار مهامها على الجوانب الرقابية والفنية.

ونوه البيان لارتفاع أسعار الوقود عالمياً حيث ارتفع سعر برميل الجازولين من نحو 78 دولاراً إلى 245 دولاراً جراء تداعيات الأوضاع الجيوسياسية، الأمر الذي انعكس سلباً على أسعار الوقود محلياً في ظل سياسة التحرير. وأضافت الوزارة: “وفي هذا السياق، تؤكد الوزارة استمرار جهودها بالتنسيق مع المستوردين، وحثهم على تقليل هوامش الأرباح قدر الإمكان، تخفيفاً للأعباء عن كاهل المواطن، رغم الزيادات الكبيرة في الأسعار العالمية”.

 

الدوافع والأسباب

من جانبهم أشار عدد من المراقبين استطلعتهم (ديسمبر) لتحليل وتداعيات وتفسير ما تعيشه سلطة بورتسودان بالقول إن الأمر في مجمله يعكس صراعات مراكز قوى داخل السلطة يهدف لتهيئة المشهد للإطاحة بكامل إدريس من رئاسة الحكومة توطئة لتسمية شخصية بديلة أخرى، لكنهم اشاروا إلى أن المعضلة الأساسية تتجاوز شخص إدريس رغم محدودية مقدراته لبنية وبيئة عمله وظروفه وعمل المؤسسات التي يغلب عليها السيولة والخروج من السيطرة والبحث عن خيارات ومصادر للتمويل بسب ضعف الموارد المالية لمستويات الحكم المختلفة.

ونوهوا في ذات الوقت إلى أن الصراع الخاص بالنفط والذهب يعبر عن تيارات داخلية وسط مكونات السلطة، وأن الجزء غير المعلن من هذا الصراع يدور بشكل أساسي بين رجال الأعمال التابعين للحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا خاصة حركة العدل والمساواة التي يقودها وزير المالية جبريل إبراهيم ومجموعات أخرى تعد ضمن الشبكات القديمة أو الواجهات الجديدة المرتبطة بقيادات الجيش، خاصة أبناء دفعة الفريقين عبدالفتاح البرهان وميرغني إدريس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *