إلى متى نحتفي بالمجرمين؟

لـ(ديسمبر) كلمة

إلى متى نحتفي بالمجرمين؟

 

من حق السودانيين والسودانيات أن يصابوا بالصدمة، وأن يطرحوا الكثير من التساؤلات بشأن الاستقبال الحافل الذي حظي به القائد في قوات الدعم السريع، النور قبة.

فالحفاوة والحميمية التي أظهرها قائد الجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان، في هذا اللقاء تطلق رصاصة الرحمة على خطابه الرافض لأي تفاوض مع قوات الدعم السريع، بل حتى تخوينه لكل من يتجرأ ويلتقي بقياداته، كما حدث مع قادة “تقدم” في يناير 2024، بالرغم من أن اللقاء تم بعلمه.

فالنور قبة، مثله مثل أبوعاقلة كيكل، الذي استقبل بذات الحفاوة، وغيرهما من قادة المليشيات، يواجِه اتهامات بالغة الخطورة تتعلق بالانتهاكات في الخرطوم وولاية الجزيرة، لكن الأسوأ أنه يواجه اتهامات وثقتها المنظمات الدولية بالتورط في ارتكاب جرائم حرب في أثناء حصار واجتياح الفاشر. وهنا أيضاً يثير صمت أركو مني مناوي وجبريل إبراهيم الكثير من علامات الاستفهام.

البرهان لا يحق له، قانونياً ودستورياً، العفو عن هذه الجرائم، والعقاب عليها لن يسقط بالتقادم بموجب القانون الدولي، وبالتالي كان الأحرى بقيادة الجيش أن تلقي القبض عليه وتقدمه للمحاكمة بدلاً عن أن تبحث عن مبررات غير منطقية لتبرير حفاوتها بالنور القبة، في الوقت الذي يواجه فيه الآلاف من المواطنين مصيراً مظلماً بسبب اتهامهم بالتعاون مع الدعم السريع، لأنهم فقط قرروا البقاء في منازلهم عند انسحاب الجيش منها وتركهم يواجهون مصيرهم، فيما يتجول القادة الذين ارتكبوا الجرائم والانتهاكات بحرية وينعمون بالامتيازات.

وحتى المناصرين للجيش ولاستمرار الحرب، لم يجدوا الشجاعة التي تسمح لهم برفض سلوك قائد الجيش، فلجأوا إلى توجيه انتقادات خجولة دون الولوج إلى لبِّ القضية، وهي قضية العدالة.

العدالة إحدى شعارات ثورة ديسمبر المجيدة، وقد اكتشفت عبقرية الثوار مبكراً أن العدالة بكل أبعادها هي إحدى الركائز الرئيسية التي سيبنى عليها سودان المستقبل، وأنه من دون تحقيق العدالة، وخصوصاً في شقِّها المتعلق بعدم الإفلات من العقاب، لن يكون في مقدور السودانيين بناء دولة المواطنة والحكم المدني الديمقراطي.

إن سياسة “عفا الله عما سلف” التي طبعت تاريخ السودان منذ الاستقلال تسببت، مع عوامل أخرى بالطبع، في استمرار الحروب بكل مآسيها وانتهاكات حقوق الإنسان بكل فظائعها، وبالتالي استمرارنا في حلقة مفرغة من الحروب والانقلابات العسكرية، والتي كانت من نتائجها الحرب الحالية والتي لم ينجُ من شرورها شبر واحد من أراضي السودان.

ويفرض هذا الواقع على كل منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والداعية لوقف الحرب والناشطين ولجان المقاومة والطوارئ الاستمرار في توثيق الانتهاكات وجمع الشهادات والأدلة التي تسمح بتحديد المجرمين وتقديمهم للمحاكمة، لأن الحرب ستتوقف طال الزمن أو قَصُر، وسيخضع كل من ارتكب جريمة للحساب.

كما ندعو القوى السياسية والمدنية لدعم المبادرة التي أطلقها الاتحاد الأوروبي من أجل توسيع صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية لتشمل كافة الأراضي السودانية، بدلاً من اقتصارها على إقليم دارفور منفرداً، خصوصاً أن الأجهزة العدلية، سواء في بورتسودان أو نيالا، أصبحت مجيَّرة لخدمة السلطتين في مناطق نفوذهما.

وكما يقول ابن خلدون: “العدل هو أساس العمران، والظلم مؤذن بخراب العمران”.

لا للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *