الصحفي إسماعيل محمد علي لـ(ديسمبر) بعض الصحف قامت بممارسات مهدت لانقلاب يونيو 1989م

الصحفي إسماعيل محمد علي لـ(ديسمبر)

بعض الصحف قامت بممارسات مهدت لانقلاب يونيو 1989م

بعد انتفاضة 85 انكسر حاجز الخوف ولعبت الصحافة دوراً في مساندة التحول الديمقراطي

حوار: (ديسمبر)

في مسيرة الصحافة السودانية الممتدة، تبرز أسماء ارتبطت بالمهنة لا بوصفها وظيفة فحسب، بل كقضية وطنية وموقف واضح لقيم الحرية والديمقراطية لا لبس فيه. ومن بين هذه الأسماء الخالدة في تأريخ الصحافة السودانية يأتي الصحفي إسماعيل محمد علي، الذي عاصر ووثق لواحدة من أكثر فترات السودان تعقيداً في تاريخه، إذ عايش وواكب تحولات تأريخية مهمة بدأت مع انتفاضة أبريل 1985 مروراً بتجربة الديمقراطية الثالثة، وانتهاءً باللحظة الأكثر إظلاماً مع انقلاب الإسلاميين في 30 يونيو 1989.

بدأت رحلة إسماعيل محمد علي المهنية في تلك الفترة التي كانت فيها الصحافة السودانية تحاول استعادة عافيتها بعد سنوات من القمع، فانخرط في العمل الصحفي من بوابة صحيفة (الأيام) العريقة، مشاركاً في تغطية قضايا الشأن العام، داعماً لقيم الديمقراطية والحريات، مضطلعاً بدوره المهني في ترسيخ قيم الرقابة والمساءلة وكشف أوجه القصور في الأداء الحكومي، في وقت كانت فيه البلاد أمام امتحان تجربة ديمقراطية حديثة وهشة.

ومع تعقّد المشهد السياسي وتزايد حدة الانقسامات، وجد إسماعيل نفسه واحداً من رموز الصحافة الذين كانوا شهوداً على تحولات الصحافة من فضاء للنقاش الحر إلى ساحة للصراع الحزبي والتجاذبات الآيديولوجية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أداء المؤسسات الصحفية ودورها في تشكيل الوعي العام. وبعد انقلاب يونيو 1989، اتجه إلى ممارسة العمل النقابي خارج السودان، وأسهم في تأسيس جمعية الصحفيين السودانيين بالمملكة العربية السعودية للدفاع عن الحريات واستعادة الحكم المدني الديمقراطي.

يأتي شهر أبريل مصحوباً برمزيته في التغيير وانتصار إرادة الشعب السوداني في انتفاضتي 1985 و2019. وفي هذا الحوار، يحكي الصحفي الكبير الأستاذ إسماعيل محمد علي صفحات من تجربته المهنية والنقابية، مستعرضاً أدوار الصحافة في دعم التحول الديمقراطي، كما يتوقف عند إخفاقاتها وأثرها في تعميق الأزمات السياسية، وصولًا إلى تقييمه لطبيعة العلاقة بين الإعلام والتحولات الكبرى في السودان، ومقارنته بين تأثير الصحافة التقليدية في ثمانينيات القرن الماضي، وصعود الإعلام الرقمي خلال ثورة ديسمبر 2018.

 

(ديسمبر): متى وكيف كان المدخل للعمل الصحفي والنقابي والسياسي؟

بدأت العمل الصحفي في نهاية عام 1985 من خلال جريدة (الأيام) بعد تخرجي في الجامعة قبل أن تؤول ملكيتها لأصحابها؛ محجوب محمد صالح وبشير محمد سعيد ومحجوب عثمان. عملت في الصحافة السودانية منذ ذلك التأريخ وحتى انقلاب الإنقاذ في 1989.

قبل ذلك لم أكن نشطاً في العمل السياسي بقدر ما منتمياً للمهنة داعماً ومنافحاً عن قضايا الحرية والديمقراطية بشكل أساسي. خلال عملي المهني في فترة الديمقراطية الثالثة تعمق لديّ الإحساس بالدفاع عن الحريات والديمقراطية والارتباط بالمهنة. بعد مغادرتي للبلاد عقب انقلاب 1989 اتجهت إلى العمل النقابي أثناء عملي مع مجموعة من الصحفيين بالمملكة العربية السعودية لتكوين جسم نقابي يدافع عن الحريات وعودة البلاد للحكم المدني عقب الانقلاب على الديمقراطية الثالثة، فقمنا بتكوين جمعية الصحفيين السودانيين بالمملكة العربية السعودية وكنت أمينها العام لدورتين حتى عودتي إلى البلاد في العام 2019.

 

 

(ديسمبر): إلى أي مدى ساهمت الصحافة في دعم التحول الديمقراطي بعد ثورة إبريل 1985؟

لعبت الصحافة عقب انتفاضة إبريل 1985 دوراً فاعلاً في دعم ومساندة التحول الديمقراطي، وشهدت ازدهاراً ملحوظاً تميز بالتعددية الحزبية وظهور الصحف المستقلة اليومية والأسبوعية، وتعزيز حرية التعبير، وانكسر حاجز الخوف الذي كان سائداً خلال فترة حكم الرئيس جعفر نميري، ومارست دورها الرقابي على السلطة بكشف قضايا الفساد ومناقشة السياسات التي تتبعها الحكومة. كانت الصحافة تناقش أيضاً قضايا أخرى متعلقة بالتنمية والوحدة الوطنية، وشهدنا كُتاباً كُثراً مثل محمد عبد الحي وعلي المك وجمال محمد أحمد وصلاح أحمد إبراهيم ومجوب محمد صالح وغيرهم من الكتاب الداعمين للحرية والديمقراطية وزيادة الوعي قبل وبعد انتخابات 1986. كما أتاحت الصحافة في ذلك الوقت تغطية ومناقشة قضايا جوهرية مثل السلام والهوية ومعالجة أزمة جنوب السودان التي كانت وقتها تشكل أزمة حقيقية.

 

(ديسمبر): هل كانت الصحافة مستقلة فعلاً أم منحازة؟

شهدت فترة الديمقراطية الثالثة استقطاباً حزبياً حاداً بسبب التحالفات الهشة، واتسم الخطاب السياسي في تلك الفترة باستقطاب حاد لخدمة أجندة سياسية وتشكيل رأي عام منقسم كان له دور كبير في إضعاف النسيج الاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بقوانين سبتمبر ما بين مؤيد لها ويطالب بإبقائها وبين معارض لها، بجانب قضية جنوب السودان التي شهدت تبايناً واضحاً ما بين خطاب يربطها بالهوية الدينية وخطاب آخر يربطها بالحقوق المدنية والسياسية. ومن بين التباينات في تلك الفترة عجز القوى المدنية عن الاتفاق على دستور دائم وميثاق سياسي يجمع الفرقاء بشكل عام، وعدم حصول حزب معين على أغلبية ما نتجت عنه حكومة ائتلافية ضعيفة وهشة انتهت بانهيار الديمقراطية بشكل واضح.

(ديسمبر): كيف ساهمت الصحافة في تعميق الخلافات بدلاً من إدارة الحوار؟

ساهمت الصحافة السودانية، في ذلك الوقت وخاصة الحزبية، بشكل كبير في تعميق الخلافات الناشئة بين الأحزاب السياسية خاصة بين الحزبين الحاكمين؛ الأمة والاتحادي، وساهمت صحف في زيادة الشقاق والاصطفاف بدلاً من تعزيز دور الحوار الوطني. هذا المناخ المتسم بالتجاذبات الحزبية كان له دور كبير في تعكير المشهد السياسي العام وشل الحكومات الائتلافية، وساهمت في فشلها في معالجة القضايا المصيرية وفشل الديمقراطية حتى انقلاب 30 يونيو 1989.

 

(ديسمبر): بذلك هل يمكن لنا القول إن الصحافة ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في التمهيد للانقلاب؟

في تقديري أن بعض الصحف المستقلة الموجهة وأخرى حزبية ساهمت بشكل واضح في تأزيم المشهد السياسي من خلال التراشق الإعلامي والتحريض ضد النظام الديمقراطي، وبالتالي مهدت لانقلاب 89 بهذه الممارسات، مثل صحيفة (الراية) وبعض الصحف المحسوبة على الجبهة الإسلامية، فضلاً عن التدخلات الخارجية التي ساهمت في خلق بيئة معادية للديمقراطية.

 

(ديسمبر): أين أخفقت الصحافة في تلك المرحلة؟

كان هنالك إخفاق في دعم الصحافة للانتقال الديمقراطي، لانشغالها بالاستقطاب الحزبي والخلافات بين السيدين الراحل الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني، بدلاً عن مناصرة القضايا الوطنية، وفشلت في تبني مشروع وطني شامل يعبر عن طموحات جميع السودانيين، وتغافلت عن القضايا التي تثار في تلك الفترة مثل قضايا الهامش وقضية الجنوب.

 

(ديسمبر): كيف غطت الصحافة الأزمات الاقتصادية والسياسية التي سبقت انقلاب 30 يونيو 1989؟

من القضايا المهمة التي غطتها الصحافة المستقلة في ذلك الوقت، قضية مذكرة الجيش التي سبقت الانقلاب وأفردت لها مساحات كبيرة، وتغطية الأزمات الاقتصادية المختلفة مثل الأجور وأزمة الخبز والسكر وكشفت أسبابها عبر صفحاتها الاقتصادية المتخصصة. كما نجحت الصحافة في تناول كل ما يهم الشارع السوداني الذي ارتبط بالصحف مما انعكس على نسب توزيعها، حيث كانت بعض الصحف تطبع وتوزع 100 ألف نسخة في اليوم.

 

(ديسمبر): هل كانت هنالك مؤشرات مبكرة للانقلاب لم تستطع الصحف قراءتها؟

كانت المؤشرات قبل الانقلاب واضحة تتمثل في المذكرة التي أصدرها الجيش في فبراير 89 وكانت بمثابة انقلاب حقيقي على الحكم الديمقراطي، وكانت الساحة تعج بعدد من الانقلابات التي كشفتها الصحافة ولم تتعامل معها حكومة الراحل الصادق المهدي بشكل حاسم باعتباره واحداً من الأخطاء الإستراتيجية التي وقعت فيها الحكومة، وكنا نسأل القادة السياسيين حول إمكانية حدوث انقلاب وكانوا يستبعدون ذلك بحجة أن الوضع المتدهور للبلاد لا يشجع أي عسكري مغامر أن ينفذ انقلاباً في ظل هذه الأزمات.

 

(ديسمبر): ما الأخطاء التأريخية التي وقعت فيها الصحافة خلال تلك الفترة؟

وفرت مدخلاً مناسباً للتدخلات الخارجية، وكانت منبراً للأخبار المضللة والشائعات وتبني خطاب الكراهية والتحريض وتصفية الحسابات.

 

(ديسمبر): كيف كانت هجمة الإنقاذ على الصحافة والصحفيين صبيحة الانقلاب؟

كان الانقلاب كارثياً على الصحافة والصحفيين، فقد قام بإغلاق كل الصحف وتسريح الصحفيين واعتقال البعض منهم خاصة الذين لهم توجهات ضد الإسلاميين، وتم الزج بهم في المعتقلات مثلهم والسياسيين وأصبح الصحفيون في وضع يرثى له، خاصة أن الانقلاب صادف يوم الثلاثين في الشهر ولم يتحصل الصحفيون على رواتبهم مما تسبب في هجرة معظم الصحفيين نظراً لضيق الحريات، وأصبحت كل الصحف تعبر عن لسان الإسلاميين، ولم تعد هناك صحف مستقلة حيث صودرت دور الصحف والمطابع وكل ما يتعلق بملكية الصحف. كما تم حل نقابة الصحفيين الشرعية ضمن النقابات التي تم حلها ومصادرة ممتلكاتها وإغلاق مقرها، واعتقال عدد من الصحفيين غالبيتهم من رؤساء التحرير وقيادات في نقابة الصحفيين، من أبرزهم محجوب محمد صالح، سيد أحمد الخليفة، التيجاني الطيب، خالد فرح، والأمين العام لنقابة الصحفيين يوسف الشنبلي.

 

(ديسمبر): ما المطلوب لضمان صحافة تدعم الديمقراطية بدلاً من إضعافها؟

تسبب عدم الاستقرار السياسي في إعاقة تطور الصحافة السودانية، خاصة أنها كانت مملوكة لأفراد ما جعلها عرضة لتوجهات مالك الصحيفة والتحكم في كل شيء. فالعامل المهم في ما يتعلق بالدور الوطني للصحافة ودعم الديمقراطية لابد من إيجاد صحافة مؤسسات حتى تكون التوجهات توجهات حقيقية والمسؤولية جماعية وقائمة على تمويل وموارد تضمن أجوراً محفزة للصحفيين من أجل تقديم مواضيع مهنية ومؤثرة، حتى لا يكونوا عرضة للتأثير في ظل الأجور المتدنية. أيضاً من المهم توفير بيئة آمنة للصحفيين وحمايتهم وإيجاد تشريعات وقوانين منظمة للمهنة وضرورة استقلالية المؤسسات المنظمة لها والشفافية في تمليك الصحفيين المعلومات، بجانب التقيد بميثاق شرف مهني وأخلاقي يضمن الحقوق للصحفي والمؤسسات وللوطن.

 

(ديسمبر): برأيك أيهما كان أكثر تأثيراً في تشكيل وعي الشارع العام: الصحافة التقليدية في 85؟ أم الصحافة الرقمية في 2019؟

خلال ثورة ديسمبر المجيدة كان تأثير الصحافة الرقمية أكبر من خلال هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر سريع للأخبار، وتميزت بالثورية والتفاعلية عبر التكنولوجيا التي كان تأثيرها كبيراً وواسعاً، عكس فترة الثمانينيات التي كانت تعتمد على الصحافة الورقية وهي لا تغطي كل الولايات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *