(المؤتمر الشعبي) بقيادة دكتور علي الحاج يطرح ورقة سياسية بعنوان (تدابير الانتقال الانتخابي)

(المؤتمر الشعبي) بقيادة دكتور علي الحاج يطرح ورقة سياسية بعنوان (تدابير الانتقال الانتخابي)

 

تلخيص: (ديسمبر)

طرح حزب المؤتمر الشعبي بقيادة أمينه العام دكتور علي الحاج ورقة سياسية حملت بعنوان (تدابير الانتقال الانتخابي) استعرض فيها الحزب رؤيته لسبل وقف الحرب وإدارة المرحلة الانتقالية والانتخابات العامة وتفكيك التمكين وإدارة الدولة. وفي ما يلي يقوم القسم السياسي لصحيفة (ديسمبر) باستعراض أبرز ملامح ورؤى هذه الورقة.

وصفت مقدمة الورقة ما تعيشه البلاد في الظرف الراهن وتفاقمه بفعل الحرب المدمرة، لكنها أشارت إلى أن “ما تمر به البلاد اليوم لم يعد مجرد صراع عسكري أو تنازع سياسي على السلطة، وإنما هو أزمة دولة وطنية شاملة”، مشيرة لكشفها حجم الخلل التاريخي المتراكم في بنية الدولة السودانية وطبيعة إدارة الحكم منذ الاستقلال، وهو خلل أفضى إلى ضعف المؤسسات، وتكرار الانقلابات والصراعات، وتعثر الانتقال السياسي، وغياب المشروع الوطني الجامع، وتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، وتفاقم الإحساس بالتهميش واللا عدالة في أطراف البلاد ووسطها على السواء”.

أكد الشعبي أن موقفه الراهن “لا يصدر عن رغبة في تبرير الماضي، ولا إعادة إنتاج تجربة سابقة، وإنما يصدر عن مراجعة سياسية وفكرية وتنظيمية عميقة”، معتبراً أن كل مشروع سياسي “لا يراجع أخطاءه، ولا يعترف بانحرافاته، ولا يعيد بناء نفسه على أسس الحرية والعدل والشورى، لا يمكن أن يسهم في بناء مستقبل وطني راشد”.

 

المسارات المتراكمة

أشارت الورقة إلى أن الأزمة الراهنة هي نتاج تداخل أربعة مسارات خطيرة تراكمت عبر الزمن؛ أولها “أزمة بنية الدولة” وملامحها من ضعف البناء المؤسسي وتضخم المركز، وغياب التوازن بين مستويات الحكم، وهيمنة السلطة التنفيذية على بقية المؤسسات، وضعف استقلال القضاء والخدمة المدنية، واهتزاز العلاقة بين الدولة والمجتمع. أما ثانيها فكان “أزمة الشرعية” مما أدى إلى إضعاف الاستقرار السياسي والتنازع المستمر حول الحكم.

الأزمة الثالثة هي المرتبطة بـ”العلاقة بين المدني والعسكري”. فنتيجة لغياب الحدود الواضحة بين المؤسسة العسكرية، بوصفها وطنية ومهنية، وبين الحكم السياسي، باعتباره شأناً مدنياً دستورياً، نتج عن ذلك تكرار الانقلابات وتعطيل التطور الديمقراطي. أما الأزمة الرابعة فهي المتصلة بـ”أزمة إدارة التنوع والعدالة في توزيع السلطة والثروة”، والتي أسهمت في اتساع النزاعات المسلحة وتعميق الشعور بالغبن وإضعاف الوحدة الوطنية.

 

المدخل الأول

أشارت الورقة إلى أن المدخل الأول للحل يتطلب الوقف الفوري والشامل لإطلاق النار، ورفض الحكم العسكري وفتح الممرات الإنسانية الآمنة لوصول المساعدات للمتضررين كافة دون تمييز وحماية المدنيين، ورفض الاستقواء بالخارج أو الارتهان لأي أجندة إقليمية أو دولية، والتمسك بسودانية الحل في المرجعيات والقيادات والأهداف، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته، ومنع أي مسارات تقود للتفكيك أو التقسيم أو انهيار مؤسسات الدولة، ورفض تحويل الحرب أداةً لإعادة ترتيب السلطة أو فرض وقائع سياسية جديدة.

 

المبادئ الحاكمة

حددت الورقة (7) أسس سياسية واضحة وثابتة لمعالجة الأزمة السياسية، على رأسها “الحريات العامة” باعتبارها الأساس الحقيقي للاستقرار السياسي. أما المبدأ الثاني فهو “المواطنة والشراكة الوطنية” بوصفها الأساس الذي ينبغي أن تبنى عليه الدولة، بحيث “تصان الحقوق وتؤدى الواجبات ويدار التنوع دون إقصاء أو تمييز”.

على مستوى الممارسة السياسية فإن الورقة اقترحت “الديمقراطية التوافقية” لكونها تمثل الصيغة الأنسب لإدارة المرحلة بما يعزز الشراكة الوطنية ويمنع احتكار السلطة، بجانب “التمثيل النسبي” لكونه الأكثر عدالة في التعبير عن التعدد السياسي والاجتماعي لأنه يوسع قاعدة المشاركة ويحد من الإقصاء ويعزز الاستقرار.

تمسك الشعبي بـ”مدنية الدولة ورفض الحكم العسكري” من خلال تأسيس حكم مدني ديمقراطي تخضع فيه المؤسسة العسكرية للسلطة الدستورية المدنية، مؤكداً في ذات الوقت تمسكه بمبدأ الشرعية الانتخابية”، مع رفضه لما أسماه “شرعية الأمر الواقع”، مبيناً أن الشرعية الانتخابية هي “الوحيدة الكاملة والمستقرة التي ينبغي أن تُبنى عليها الدولة السودانية الجديدة، عبر انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، تبدأ من المحليات، ثم الولايات، ثم المستوى الاتحادي”.

أما المبدأ الخاص بـ”وحدة السودان والنظام الفيدرالي” فيقوم على نظام فيدرالي حقيقي وعادل يحقق المشاركة، ويمنح الأقاليم والمحليات سلطتها الأصيلة ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع”، مؤكداً في ذات الوقت أن المطلوب إصلاح التجربة الفيدرالية لا هدمها، ومراجعتها لا إلغاؤها، وتقويتها لا العودة إلى المركزية، لأن الحكم الاتحادي الحقيقي يبدأ من القاعدة لا من القمة.

 

المجالس الثلاثة

اقترحت الورقة عاماً واحداً للمرحلة الانتقالية يتم من خلالها تنفيذ برنامج وطني يركز على “وقف الحرب وتثبيت السلام، استعادة مؤسسات الدولة الاساسية، معالجة الأوضاع الإنسانية العاجلة، تهيئة البيئة السياسية والإدارية والقانونية للانتخابات، إطلاق مسار لإعادة الإعمار والتعافي الوطني واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار الإداري والخدمي بالبلاد”. وعزا الحزب مقترحه الخاص بالعام الواحد للمرحلة الانتقالية لقناعته بأن الغرض منها “إنجاز الحد الأدنى الضروري للانتقال إلى الشرعية الانتخابية، لا إنشاء سلطة انتقالية طويلة الأمد قابلة للتمدد والتأجيل والتسويف”، معلناً عدم سعيه للمشاركة في السلطة التنفيذية الانتقالية، باعتبار أن طبيعتها تتضمن إنجاز مهام الانتقال الوطني لا التنافس على المواقع.

اقترحت الرؤية إدارة الدولة خلال الفترة الانتقالية عبر ثلاثة مجالس رئيسية، أولها “مجلس الوزراء” والذي يمثل السلطة التنفيذية المدنية، ويتولى إدارة شؤون الدولة، وتنفيذ برنامج الفترة الانتقالية، والإشراف على الخدمات العامة، ومعالجة آثار الحرب، واستعادة عمل مؤسسات الدولة، وتهيئة المناخ السياسي والإداري والقانوني للانتخابات، ورسم السياسات العامة المرتبطة بالمهام السيادية، واتخاذ القرار التنفيذي والسياسي في شؤون الدولة العليا، بما في ذلك العلاقات الخارجية، والسياسات القومية، والإشراف العام على ملفات الأمن والدفاع.

أما ثانيهما فهو “المجلس العسكري” وعرفته الورقة بأنه “ليس سلطة سيادية مستقلة موازية للسلطة التنفيذية المدنية، وإنما جهاز فني ومهني مختص يعمل تحت الإشراف العام لمجلس الوزراء، وبما يحفظ مهنية المؤسسة العسكرية ويمنع تسييسها أو تحولها إلى مركز قرار سياسي موازٍ”. أما ثالث المجالس فهو “مجلس الأحزاب”، ويتكون من رؤساء الأحزاب ونوابهم مع ضمان تمثيل المرأة، ويتولى متابعة تنفيذ برنامج الفترة الانتقالية ومراقبة أداء الحكومة وتعزيز التوافق السياسي والإشراف السياسي العام على العملية الانتخابية، ومنع الانفراد بالقرار أو الانحراف عن أهداف الانتقال.

 

تأجيل ملف العدالة

نوهت الورقة إلى أن استقرار السودان وبناء دولة القانون يتطلبان حسم العلاقة بين السلاح والسياسة على أسس واضحة لا تحتمل الازدواج أو المساومة. وفي هذا السياق رفضت استمرار حالة الازدواج بين العمل المسلح والعمل السياسي، وعلى الاطراف أن تختار بين الانخراط في العمل العسكري أو العمل السياسي، وبالتالي تخليها عن العمل العسكري. وشددت على أن بناء جيش وطني مهني موحد، بعيدًا عن العمل السياسي والانحيازات الحزبية والجهوية، يمثل شرطًا لازمًا لاستقرار السودان واستعادة الدولة.

أشارت الرؤية إلى أن قضايا العدالة الانتقالية تعد من أعقد القضايا وأكثرها حساسية، وتحتاج لمؤسسات منتخبة ذات شرعية شعبية كاملة، لذلك اقترحت تأجيل الحسم النهائي في ملفاتها إلى ما بعد الانتخابات بتحديد مسارها من قبل الحكومة والبرلمان المنتخبين، بأن تكون على أساس المصالحة الوطنية أو المساءلة القانونية، أو الجمع بينهما.

 

تفكيك التمكين

أكدت الرؤية عدم رفض الشعبي من حيث المبدأ “معالجة آثار التمكين الشخصي أو الحزبي التي أضرت بالدولة والمجتمع، ولا يرفض استرداد الحقوق العامة أو محاسبة الفساد، لكنه يرفض أن تُدار هذه العملية بعقلية الانتقام، أو بالعشوائية، أو خارج إطار القانون، أو عبر لجان ذات سلطات فضفاضة لا تستند إلى شرعية مكتملة وإجراءات منضبطة”، مبيناً أن المدخل الصحيح هو باعتماد مسار قانوني مؤسسي واضح يبدأ بإعمال القوانين القائمة وتطويرها وتفعيلها، وضمان خضوع الجميع لها دون استثناء، من كل من تولّى مسؤولية عامة أو تصرّف في المال العام أو استغل النفوذ الوظيفي أو السياسي.

واعتبرت الورقة أن المعالجة الجادة لملف التمكين وآثاره “لا بد أن تستند إلى شرعية قانونية وسياسية واضحة، وإلى مؤسسات مختصة، وإلى معايير معلنة، وإلى حق التقاضي والطعن، بحيث لا تتحول إزالة آثار التمكين إلى صورة جديدة من التمكين المقابل، ولا إلى بابٍ جديدٍ لإنتاج الظلم باسم مقاومة الظلم”.

 

البناء والإعمار

دعا الشعبي لإعادة بناء مؤسسات الدولة من خلال التأكيد على عدة موجهات، على رأسها تعزيز استقلال والقضاء وترسيخ سيادة حكم القانون وإعادة بناء الخدمة المدنية على أسس الكفاءة والحياد المهني والعدالة، ومنع التمكين السياسي والإداري وإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع عبر مؤسسات رشيدة وخطاب مسؤول.

أكدت الرؤية على ضرورة إعادة بناء الاقتصاد السوداني بفك التركيز التنموي بما يحقق التنمية المتوازنة ويخفف الضغط على العاصمة ويعيد الثقة للأقاليم، ويربط الوحدة الوطنية بعدالة الفرص وتكافؤ الإمكانات، مع وضع أولويات للاقتصاد وإعادة الإعمار أبرزها دعم الزراعة والإنتاج الوطني باعتبارهما ركيزة أساسية للاقتصاد السوداني، ومكافحة الفساد وترسيخ الشفافية، ورعاية المتضررين من الحرب، خاصة النازحين واللاجئين والأسر التي فقدت مصادر دخلها وتوجيه الموارد العامة نحو الإنتاج والخدمات الأساسية، لا نحو تضخم الجهاز الإداري أو الإنفاق السياسي غير المنتج.

 

الانتخابات في ميقاتها

شددت الرؤية على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها بعد استكمال مهام الانتقال الأساسية –والتي سبق أن حددتها بعام واحد- دون تأجيل أو تسويف أو تمديد مفتوح، وأن تُدار العملية الانتخابية تحت رقابة سياسية ومؤسسية وقانونية تضمن النزاهة والشفافية والعدالة، واقترحت تنظيمها على أساس التمثيل النسبي بما يحقق عدالة التمثيل، على أن تبنى الشرعية الانتخابية من القاعدة إلى القمة من المحليات ثم الولايات ثم المستوى الاتحادي، بحيث تكون الدولة كلها قائمة على التفويض الشعبي الحقيقي.

دعا الشعبي في رؤيته كل أهل السودان إلى “تغليب صوت الوطن على صوت المعركة، وصوت العقل على صوت السلاح، وصوت الشراكة على صوت الإقصاء”، ونادى لعقد حوار وطني مسؤول بين جميع الأطراف بما في ذلك القوى المدنية والسياسية والمؤسسة العسكرية وكل من له دور في الانتقال، على أساسٍ واضحٍ: إنهاء الحرب، ورفض شرعية الأمر الواقع، والالتزام بمدنية الدولة، والقبول بالانتقال إلى الشرعية الانتخابية خلال سقف زمني معلوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *