فيلم “خرطوم” بمعهد جوته بالقاهرة

فيلم “خرطوم” بمعهد جوته بالقاهرة

القاهرة: (ديسمبر)

 

بالتزامن مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب بالسودان، شهد معهد جوته بالقاهرة الأسبوع الماضي عرض فيلم “خرطوم” لفترة يومين بمعدل عرضين في اليوم، وهو عمل حائز على عدة جوائز عالمية وعُرض في محافل دولية مختلفة.

يوثق الفيلم لحياة السودانيين قبل الحرب وبعدها، ويحكي قصص سكان العاصمة الخرطوم وتأثير النزاع على حياتهم وتراثهم الثقافي، ويسلط الضوء على الأزمة الإنسانية للمدنيين في السودان وتقديمها للعالم عبر السينما. ويعتبر فيلم “خرطوم” أول فيلم سوداني يعرض للمرة الأولى في مهرجان “صندانس السينمائي” بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو من إخراج عدد من المخرجين السودانيين: راوية الحاج، أنس سعيد، فيل كوكس، إبراهيم سنوبي وتيمية أحمد.

على صفحتة على منصة فيسبوك، كتب عبد الغني كرم الله بعد مشاهدته للفيلم:

فيلم “خرطوم”

في البدء، تحس بأن كل الحضور لم يشعروا بالوقت، ولا أظن أن هناك مدحاً لفيلم أجمل من ذلك، “أن تعيش الفيلم”، وربما هي حالة النزوح واللجوء الجمعي، جعلت أبطال الفيلم، وكل الحضور، في جوف سفينة اللجوء، التائهة في بحر مصير مجهول، أي كأنك وأنت في كرسي المشاهدة، تتفرج على نفسك في الشاشة، ويمسَّك ما يمسُّهم، من حيرة وحزن وخوف دفين، وحلم.

ظلت العيون مشغولة برصد مجريات الفيلم الوثائقي، والقصصي، بدمع حزن ونبل وحلم (بربك كيف تلتقي)، طوال مدة العرض، التي فاقت الساعة وربع؟.

كما بدأ الفيلم في وقته (انضباط يلذ للنفس)، عند السادسة مساء، (الساعة وطن)، تذكرك بزغرودة الفتيان، لعرس الثورة، وبدء المقاومة السلمية، لنظام دموعي، وامتلأ الشوارع بالثوار، أحرار، ونكمل المشوار (وكان لهذا الفيلم نصيب في إكمال المشوار).

منذ بدايته الرمزية، والجمل والعصارة، (جمل الشيل)، ومعه العصارة، وهي تلف وتعاند التحدي، بلا يأس، جذب الفيلم الحضور، لمدينة الخرطوم التي عاشت سنين قاسية، حزينة، وتجسد ذلك في عدة شخوص، هم أبطال الحكاية، من مربي طيور وأطفال جمع القارورات الفارغة وبائعة شاي، وشاب حالم، الكل سعيد بمهنته (حتى الأطفال وركوب الكارو وجمع القارورات)، لعب وعمل (كان الفيلم يهمس حتى هذه المهنة والظلم لن يعثروا عليها لاحقاً)، بعد اشتعال الحرب، والتي غيرت كل شيء، حتى ألعاب الأطفال.

يحتشد الفيلم بتظاهرات الثورة، جمال وجسارة فوق التصور، يعيد للنفس ألق الثورة وحلم الشعب، ما أجمل أحداث الثورة حقاً، كم تحرك الأفلام النفوس، وتحرض الأحلام، للانعتاق، أتذكر فيلم (أريد حلاً) وفيلم (انتهبوا أيها السادة)، وفيلم (راقص الأوبرا)، وكلها أفلام رمت حجراً في بركة الفكر الراكدة، أو في جب العواطف الساكنة، فحركت الكثير المثير، أي (نريد حلاً)، لكل شيء.

كما يحتشد بالموت والدمار، وكيف هانت حياة الناس، والقتل، وشدني منظر الأب يودع ابنه، خوفاً من قنبلة تهدم الدار، منظر مررت بمثله، تماماً، لولا مقادير الله، تدخلت وهرب الوداع القاسي.

من أجمل المناظر البنت والولد ، وأغنية وردي، وسماعة في أذن الشاب والأخرى في أذن الفتاة، والحافلة تنطلق في شوارع الخرطوم، لا أظن هناك عيناً لم تدمع، (جمالاً هذه المرة).

فيلم شيق، تصوير جميل، ومخرجون أذكياء، Brahim Snoopy Ahmed ورفاقه، مفعمين. بالتجريب، والصور والاقتباسات، (في تناغم عضوي خلاق)، التي حشدت بفراسة بين ثنايا الفيلم، أحلام الأطفال، والأسد والشاب والموتر والرجل والحمامة، وقهوة بايعة الشاي وأركان النقاش الفكري حولها.

لحمة الفيلم، عدة حكايات وأحلام مزجت بين الوثائقية والروائية، في وحدة عضوية تعبر عن فلسفة الفيلم، (الثورة مستمرة)، أي (النور ما بندفن)، كما حلم ود الرضي، بالثورة (وسنة الإسلام السلام).

وما أجمل رقصة الكمبلا ورقصات التصوف في حمد النيل، والجمل يلف، والعصارة تعصر، جمل الشيل، وجمل الشيل ما بشيلو الويكة..

الفيلم موزون، بين الحزن والحلم، وشجاعة الإشارة لمشعلي الحرب، وقبح سنواتها.

حضرت الفيلم مع أمونة وإكرام، وحضور جميل، وفرجة شيقة، أثارت لا محال الكثير في القلوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *