الخوف وراء تشويه المدنية

الخوف وراء تشويه المدنية

 

أماني أبو سليم

 

ما يبدو قوة في بعض أنواع الحكم، قد يكون في جوهره شكلاً من أشكال الخوف.

الخوف لا يظهر بنفس الطريقة في كل نظام. لكنه يحدد الفارق بين نموذجين للحكم: الحكم المدني الديمقراطي، وحكم الفرد أو الحزب الواحد أو العسكر.

 

الدعوة إلى الحكم المدني الديمقراطي تعني ضمنياً قبول تداول السلطة بين قوى مختلفة. السلطة ليست ثابتة لأحد، بل قابلة للانتقال داخل إطار متفق عليه.

لا خوف من التغيير، لأن القواعد هي التي تحكمه، وليس الأشخاص.

 

من أكبر الدلائل على هذا الفرق، ما يظهر في مساحة الحرية. في العهود الديمقراطية، تزدهر الصحافة والثقافة والفنون والتعبير. بينما تُلاحَق هذه المساحات أو تُقيَّد تحت الأنظمة الفردية أو العسكرية أمام أي رأي مغاير.

 

فيما تظهر هذه الأنظمة الفردية أو العسكرية القوة وتدعي أنها وحدها القادرة على صناعة الاستقرار وتثبيت الأمان، نجدها تجتهد لتشويه الحكم المدني، وتلفيق تهم مثل الضعف والخيانة وعدم المقدرة على تأسيس دولة آمنة.

 

حتى على مستوى الأفراد، يعمل الخوف بالطريقة نفسها. الخوف من تفوق الآخر، أو من قبول منطقه لدى الناس، أي من احتمال الخسارة أمامه.

 

كثير مما يبدو قوة، يكون في حقيقته شكلاً من أشكال الضعف. فادّعاء القوة، في كثير من الحالات، ليس إلا خوفاً متخفياً.

 

فالسؤال: لماذا يحتاج حكم الفرد أو العسكر إلى تشويه المدنية كي يستمر؟ لأن قدرته على الإقناع الإيجابي محدودة، بينما قدرته على إدارة الخوف أعلى. ما لا يستطيع تثبيته بالثقة، يثبّته بالهواجس.

 

أول ما يُخشى في أي انتقال مدني هو المساءلة. فالحكم المدني لا يغيّر الوجوه فقط، بل يفتح الملفات ويحوّل السلطة من امتياز إلى مسؤولية. هنا يصبح الخوف خطراً مباشراً على من اعتاد العمل دون محاسبة.

لهذا لا يُواجَه الانتقال بالرفض الصريح دائماً، بل بالمراوغة: تأجيل، إبطاء، وإعادة تعريف الشروط. وفي قلب هذه العملية، يصبح تشويه المدنية أداة ضرورية لا لإقناع الناس بأنهم أفضل، بل لتخويفهم من البديل الممكن.

 

يرتبط الخوف من المساءلة بعمق بالعقدة الاقتصادية.

في أنظمة الحكم الفردي أو العسكري، تُدار موارد الدولة داخل دوائر محددة من النفوذ. لهذا لا تبقى المؤسسة العسكرية مجرد جهاز أمني، بل تتحول تدريجياً إلى فاعل اقتصادي، يمتلك شركات وعقوداً وامتيازات يصعب إخضاعها للرقابة. أما الانتقال إلى حكم مدني، فلا يُختزل في تغيير سياسي. بل يعني إعادة صياغة القواعد إلى شفافية، منافسة، رقابة، وضرائب، أي تقليص النفوذ القائم.

ولهذا لا يُواجَه هذا التحول دائماً برفض مباشر، بل بمحاولة إضعاف الثقة به، عبر تقديمه كتهديد محتمل للاستقرار الاقتصادي.

 

الخوف من المساءلة وحماية المصالح يحتاجان إلى قصة تُقنع الناس، أو تُربكهم. هنا يبدأ تشويه المدنية بشكل منهجي. تُسمى الشفافية فوضى، وتُصوَّر الحرية وكأنها انقسام، ويُقدَّم قبول الآخر كضعف. ثم تُربط المدنية بالخطر: تدهور أمني، اختراق خارجي، انهيار خدمات. يكون ذلك بانتقاء وقائع وتحريفها أو قصها وتضخيمها لنشر التشويه والاتهام.

 

عبر تجارب دول متعددة، يظهر تفوق الأداء المدني الديمقراطي على حكم الفرد أو العسكر، خصوصاً في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة والفنون.

لا يعود التفوق هنا إلى أنه نموذج مثالي، بقدر ما يعود إلى آلية مختلفة في إدارة السلطة، تقوم على المساءلة وإمكانية التغيير دون كلفة انهيار، والمشاركة في تقرير مصيرها بدل الاضطرار بالاكتفاء بتلقي النتائج. من هنا يبدأ القلق الحقيقي، كل خطوة نحو هذا النوع من الحكم تُقلّص مساحة السلطة غير الخاضعة للقانون، وتحوّل هيبة السلطة وبريقها، إلى مسؤولية سيحاسَب صاحبها عليها، والقرار إلى التزام مُعلَن يمكن الطعن فيه

 

ومن دون هذه القواعد، وتحت حكم العسكر أو الفرد تبقى المجتمعات رهينة الابتزاز بوهم استقرار مفروض بالعنف والقوة، مقابل التنارل عن الحقوق في الاختيار والمحاسبة.

 

أما المدنية فتقدّم مخرجاً من هذا الابتزاز، لأنها تبني استقراراً قائماً على الرضا لا على الخوف، وعلى مؤسسات لا على أشخاص. لهذا السبب تحديداً إذا خُيّرت الشعوب دون تخويف، وبدليل الثورات التي تقوم من حين لآخر حول العالم، ستُفضَّل الحكم المدني الديمقراطي. وهذا التفضيل وهذه الثورات هما منبع الخوف و الإحساس العميق بالرفض لدى الحكام العسكريين أو الحزب الواحد، المغطيَين بادّعاء القوة والمقدرة على فرض الاستقرار.

 

وإذا انتقلنا من التحليل إلى التجربة، تظهر مفارقة يصعب تجاهلها.

الخطاب الذي حذّر من المدنية باعتبارها بوابة للفوضى، انتهى إلى واقع أكثر اضطراباً تحت سلطة وُصفت بأنها الأقدر على الضبط والحسم. من انقلاب رُوِّج له كحلّ سريع، إلى واقع لم ينجح حتى في تثبيت الاستقرار، وصولًا إلى حرب كارثية.

فإذا كانت ميزة الحكم العسكري، كما يُدَعى، هي القدرة على الحسم السريع وفرض النظام، فإن معيار إثبات هذه الميزة لا يكون بالادعاء، بل بالنتيجة. وعندما تتفجر الفوضى تحت هذه السلطة، أو تعجز أدواتها عن احتوائها، يفقد هذا الادعاء أحد أهم مبرراته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *