لابد من الشفافية لإحلال السلام

لـ(ديسمبر) كلمة

لابد من الشفافية لإحلال السلام

 

تتداول هذه الأيام الكثير من المعلومات التي يؤكد ناشروها أن البلاد أضحت قاب قوسين أو أدنى من انطلاق عملية سلمية تضع حداً للحرب اللعينة التي دخلت عامها الرابع. بعض هذه المعلومات قد تكون صحيحة، والكثير منها قد يكون مضلِّلاً، وإن كانت في مجملها تداعب أحلام السودانيين والسودانيات في أن تضع هذه الحرب أوزارها فوراً.

وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية أخباراً، يصعب التأكد من صحتها، عن لقاءات تتم على مستوى عالٍ لإبرام هدنة لمدة 90 يوماً، واتصالات بين أطراف إقليمية وقوى سياسية مدنية لاستطلاع رؤيتها بشأن السلام والعملية السياسية، بل إن غياب الفريق البرهان عن المشهد الإعلامي لعدة أيام تحول إلى مادة للشائعات والتخمينات والافتراضات.

وهناك ضبابية تبدو متعمدة من الأطراف المشاركة في العملية السلمية، سواء السودانية أو الأجنبية، وهو أمر يضر كثيراً بالتوصل إلى حلول جذرية توقف الحرب وتمنع تكرار أسبابها، وتضع البلاد على طريق انتقال مدني ديمقراطي مستدام.

هذا التعتيم الإعلامي يخدم أولاً دعاة الحرب، حيث يتيح تغييب حقيقة الموقف والمواقف عن السودانيين والسودانيات تحويل العملية السلمية إلى عمل فوقي بين أطراف ستعمل على تحقيق مصالحها وفرض أجنداتها، وبالتالي يفقد السلام زخمه الجماهيري المطلوب، وتحوله إلى تحرك قاعدي يشارك فيه كل أبناء وبنات السودان ليعبر عن تطلعاتهم وآمالهم في سودان الحرية والعدالة والمساواة.

كما أن غياب الشفافية في العملية السلمية يسهِّل الانقضاض عليها عبر التسريبات المضللة والحملات المدفوعة. ولسنا في حاجة إلى أن نذهب بعيداً في تاريخ السودان لنستدل على ذلك. فما يزال فشل اتفاق الهدنة في جدة ماثلاً للعيان، وما يزال إجهاض اتفاق المنامة بين الفريق الكباشي والفريق عبد الرحيم دقلو في الذاكرة، حيث شنت الحركة الإسلامية حملة إعلامية ضارية انتهت بالتراجع عن الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها.

ستسعى قوى المناصرة للحرب من الجانبين للسيطرة على العملية السلمية من أجل أن تشرعن بها سلطتها، سواء أكان ذلك بتشبُّث أحدهما بموقعه على رأس البلاد، أو بحث الآخر عن اعتراف دولي بحكومته، ليحتفظ بموقع له في ترتيبات الانتقال. مثل هذه الحلول التي تحاك في الظلام ستكون نتيجتها المباشرة الانتقال من تنازع السلطة إلى شرعنة تقسيم البلاد فعلياً، وهناك تجارب ماثلة في الإقليم سواء في ليبيا أو اليمن.

وسيحاول طرفا الحرب الاستفادة من التفاوض في الغرف المظلمة لإقرار مبدأ الإفلات من العقاب، ليس فقط على جرائم الحرب والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، وإنما من أجل الإفلات من المحاسبة على جرائم الفساد ونهب موارد البلاد.

كل ذلك يدعونا إلى المطالبة بأن تسلَّط الأضواء الكاشفة على كل التحركات المتعلقة بوقف الحرب ومستقبل السودان، وأن تلتزم جميع الأطراف المعنية بالكشف عن ما يدور داخل غرف التفاوض، خصوصاً أن الهدف هو وقف الحرب، وهو هدف نبيل، ومن حق السودانيين والسودانيات أن يتعرفوا على مواقف الأطراف المختلفة.

ونكرر مرة أخرى، رضي من رضي وأبى من أبى، أن أيَّ حل يشرعن تقسيم البلاد ويمنح أطراف الحرب دوراً في المستقبل السياسي للبلاد ويدعو للعفو عن ما سلف من جرائم، وفي مقدمتها جرائم حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، لن يكون مقبولاً من السودانيين مهما تكتموا على تفاصيله.. فالحقيقة ستسطع أمام شعبنا، وحينها ستكون له الكلمة الأخيرة.

لا للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *