(ديسمبر).. كل شيء قد تبدل

(ديسمبر).. كل شيء قد تبدل

عثمان فضل الله 

 

كان الفضاء مسمومًا، لا على سبيل المجاز الذي اعتدنا استخدامه في الكتابة، بل بمعناه الحرفي القاسي، الهواء مثقل بالكراهية والكلمات الجارحة، وخطابات لم نألفها يومًا بهذا القدر من الانفلات. كل شيء من حولنا أخذ في التبدل سريعاً، كان زلزالاً ضربنا، أو فعلاً  أن ذلك هو كذلك.. الأخلاق التي كانت تضبط إيقاع المجتمع، القيم التي كانت تشكل مرجعيته، وحتى الحياة اليومية فقدناها. لم يعد هناك ما يشبه الأمس، ولا ما يمكن الركون إليه بثقة. استيقظنا فجأة على واقع جديد، غريب ومربك، يضع الجميع في حالة من التوهان العميق.

 

لم يكن التغيير مجرد تحول طبيعي، بل كان زلزالاً ضرب أساسات الثقة نفسها. والثقة، كما نعلم، ليست مجرد شعور عابر، بل هي البنية التي تقوم عليها العلاقات بين الناس، وبينهم وبين مؤسساتهم، وبينهم وبين الحقيقة، حين تهتز هذه البنية، يصبح كل شيء قابلاً للشك، وكل خطاب موضع ريبة، وكل صوت محتمل أن يكون جزءًا من جوقة التضليل.

امتلأ الفضاء الإعلامي بما يمكن وصفه دون مبالغة بـ”غث القول”. لم تعد الكلمات تُستخدم لبناء المعنى أو تقريب الفهم، بل صارت أدوات للهدم، للتشويه، ولإشعال النزاعات. فحش الكلام لم يعُدْ استثناءً، بل أصبح هو القاعدة، وتصدرت المشهد وجوه لم نكن نعرفها من قبل، أو ربما عرفناها في حدود ضيقة، بقدرات محدودة. غير أن الظروف الجديدة منحتها المنصات، ووفرت لها الإمكانات، بل وسخّرت لها ما يشبه الجيوش الرقمية، لتبث الكراهية، وتزيّن ما لا يمكن تزيينه، وتلوي عنق الحقيقة حتى تفقد شكلها ومعناها.

في مثل هذا السياق، يصبح التمييز بين الصواب والخطأ مهمة شاقة، إن لم تكن مستحيلة. تختلط الأصوات، وتتشابه النبرات، ويضيع الخط الفاصل بين النقد المشروع والتحريض الممنهج. الأخطر من ذلك، أن القيم تنقلب رأسًا على عقب: ما كان يُعد فضيلة يصبح موضع شبهة، وما كان يُستنكَر يُرفَع إلى مقام البطولة.

 

ولعل أكثر ما يثير الدهشة والمرارة في آنٍ، هو ذلك الانقلاب الذي جعل من الدعوة إلى السلام تهمة. لأول مرة، لا في تاريخ السودان فحسب، وربما في تجارب إنسانية كثيرة، يصبح الحديث عن وقف الحرب، وعن حقن الدماء، وعن ضرورة إيقاف الخراب جريمة قد تقودك إلى حبل المشنقة، بينما الخطاب الممجِّد للموت والمطالِب بالمزيد من الخراب وانتهاك الأعراض بطولة ووطنية. انقلبت المعايير التي تحكم مهنة الإعلام بالكامل، وفعلاً لا قولاً دخلنا زمنًا تُقاس فيه الوطنية بقدرتك على الصراخ لا على التفكير، وعلى التحريض لا على التهدئة والدعوة لتحكيم العقل.

 

في ظل هذا المناخ لم يكن التفكير في إطلاق مشروع صحافي جاد أمرًا عاديًا. بل كان أقرب إلى مغامرة غير محسوبة، أو حتى إلى ضرب من الجنون، كيف يمكن لصحيفة أن تولد في بيئة معادية للحقيقة؟ كيف يمكن لصوت مهني أن يعلو وسط هذا الضجيج الهائل من التشويه؟ ثم ماذا عن المخاطر؟ ليست فقط تلك المرتبطة بالوضع الأمني أو السياسي، بل أيضًا المخاطر المرتبطة بندرة الموارد، أو شبه انعدامها، وبقلة الكوادر المستعدة لتحمل عبء العمل الصحافي في ظروف كهذه.

الصحافة، في جوهرها، عمل شاق حتى في الأوقات المستقرة، فما بالك ببيئة مضطربة، تتغير فيها الحقائق بسرعة، وتُستهدف فيها كل محاولة للبحث عن الدقة أو التوازن؟ من الطبيعي، إذن، أن يتردد الكثيرون، وأن يختار البعض السلامة، وأن يكتفي آخرون بالمشاهدة من بعيد. غير أن التاريخ يعلِّمنا أن أشد اللحظات ظُلمة هي التي تولد فيها أهم المبادرات، وأن الحاجة إلى الصوت المهني تزداد كلما ضاق الأفق.

 

من هنا، يمكن فهم ولادة صحيفة (ديسمبر). لم تأتِ هذه التجربة في سياق مريح، ولا في لحظة استقرار تسمح بالتخطيط الهادئ، بل خرجت إلى النور في قلب العاصفة. كانت، في حد ذاتها، فعل مقاومة. مقاومة للرداءة، لموجة التسطيح، وللهبوط الحاد في معايير الخطاب العام. لم تكن مجرد إضافة رقمية إلى قائمة الوسائط، بل محاولة لإعادة تعريف ما يمكن أن تكون عليه الصحافة في زمن الفوضى.

عندما ظهرت (ديسمبر)، نظر إليها كثيرون بإعجاب مشوب بالشفقة لجرأة الفكرة، والإصرار على خوض التجربة فتلك شجاعة لا تتوفر للكثيرين. أما الشفقة، فكانت نتيجة إدراك حجم التحديات التي تنتظرها؛ هل يمكن لمثل هذا المشروع أن يصمد؟ هل يستطيع أن يحافظ على خط مهني في بيئة تضغط نحو الانحدار؟ هل سيجد جمهورًا مستعدًا للاستماع إلى خطاب مختلف، أم أنه سيُجبر، مع الوقت، على التكيف مع السائد، ليصبح مجرد نسخة أخرى من “الغث” الذي يملأ الفضاء؟.

كانت هذه الأسئلة مشروعة، بل وضرورية. فالتجارب الإعلامية لا تُقاس بنواياها، بل بقدرتها على الاستمرار، وعلى إحداث فرق، ولو محدود. كثير من المبادرات تبدأ بشعارات كبيرة، لكنها سرعان ما تذوب في الواقع، أو تنجرّ إلى نفس الأساليب التي كانت تنتقدها. لذلك، كان التحدي الحقيقي أمام (ديسمبر) ليس فقط في أن تبدأ، بل في أن تواصل، وأن تثبت، يومًا بعد يوم، أنها قادرة على أن تكون مختلفة.

 

ما حدث، أو ما يمكن ملاحظته حتى الآن، هو أن (ديسمبر) فتحت نافذة للأمل، ليس لأنها كاملة، أو لأنها قدمت نموذجًا مثاليًا خاليًا من الأخطاء، بل لأنها أثبتت أن البديل ممكن، أن الصحافة لا تزال قادرة على أن تكون مساحة للمعنى، لا مجرد ساحة للصراخ، وأن الصحافيين رغم كل الضغوط لا يزال فيهم من يؤمن بالمهنة، وبأخلاقياتها، وبمسؤوليتها تجاه المجتمع.

هذا الأمل لا يعني تجاهل النواقص، (ديسمبر)، مثل أي تجربة بشرية، تحمل نقاط ضعف، وتواجه تحديات مستمرة، لكنها، في المقابل، تُظهر استعدادًا للتعلم، ولتطوير نفسها، وللاستجابة للنقد.

 

الأهم من ذلك، أن (ديسمبر) أعادت طرح سؤال جوهري: ما هي وظيفة الصحافة في زمن الأزمات؟ هل هي مجرد ناقل للأحداث؟، أم أنها مطالبة بلعب دور أعمق، يتجاوز الخبر إلى التفسير، والتحليل، وحتى الدفاع عن القيم الأساسية، مثل الحق في الحياة، وفي السلام، وفي الحقيقة؟.

الإجابة ليست بسيطة، لكن ما يبدو واضحًا هو أن تجاهل هذه الأسئلة لم يعد ممكنًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *