الصحافة في زمن الحرب: من اختبار البقاء إلى رهانات إعادة التأسيس

الصحافة في زمن الحرب:

من اختبار البقاء إلى رهانات إعادة التأسيس

السفير عادل إبراهيم مصطفى

 

التحية لصحيفة (ديسمبر) وهي تُطفئ شمعتها الأولى في مسيرتها الصحفية الرائدة. عامٌ مضى ظلت خلاله الصحيفة وفيةً لقيم ومبادئ ثورة ديسمبر المجيدة، ومدافعةً عن التحول نحو الحكم المدني الديمقراطي، رغم تعقيدات الواقع وضغوط المرحلة.

إن تخصيص الصحيفة عددها لهذه الذكرى لموضوع حرية الصحافة ومهنيتها ودورها في زمن الحرب، وفي مرحلة ما بعدها، يأتي تأكيدًا لخطّها الإعلامي المنحاز لقضايا الشعب وهمومه، وإدراكًا لأهمية هذا الملف في ظل الانهيارات المتسارعة التي تعرّض لها الحقل الإعلامي؛ من إغلاق مؤسسات عديدة، وتفرّق الصحفيين بين نازحٍ ولاجئ، إلى انقطاع خطوط الاتصال التي كانت تربط غرف الأخبار بمصادرها. وقد خلق ذلك فراغًا أسهم في تصاعد الروايات المتضاربة من قبل أطراف النزاع، وشكّل وعيًا عامًا مرتبكًا، يتأرجح بين الخوف والانحياز.

وبطبيعة الحال، لم تعد حرية الصحافة في هذا السياق مجرد مبدأ دستوري مؤجّل، بل غدت ممارسةً محفوفةً بالمخاطر اليومية؛ إذ قد يجد الصحفي، الساعي إلى التحقق من خبر أو نقل رواية مختلفة، نفسه في موضع الاتهام من هذا الطرف أو ذاك، الأمر الذي جعل الالتزام المهني موضع شك، لا لضعفه، بل بسبب بيئةٍ لا تحتمله.

ومع ذلك، فإن الحاجة إلى إعلام مهني ومستقل في زمن الحرب ليست ترفًا، بل ضرورة. فالمعلومة الدقيقة قد تمنع كارثة، والتغطية المتوازنة قد تخفف من حدّة الاستقطاب، والتحقيق الجاد قد يكشف انتهاكات تُرتكب في الظل. فالصحافة، في جوهرها، ليست مجرد ناقلٍ للأحداث، بل فاعل في تشكيل المجال العام، وحارس لذاكرة المجتمع. ولذلك، يتمثل التحدي الحقيقي في ترسيخ ممارسة إعلامية منحازة للحقيقة، وللوقائع المثبتة، ولحقوق الضحايا، دون الانزلاق إلى خطاب تعبوي أو اصطفاف سياسي.

وإذا كانت الحرب قد وضعت قطاع الصحافة أمام اختبار البقاء، فإن مرحلة ما بعد الحرب ستضعه أمام اختبار إعادة التأسيس. فإعادة بناء السودان لن تكون مجرد عملية سياسية أو اقتصادية، بل هي أيضًا عملية ثقافية ومعرفية، تتطلب إعادة تشكيل المجال العام على أسس جديدة، تلعب فيها الصحافة دورًا محوريًا في ترسيخ الشفافية والمساءلة والتعددية.

وفي مرحلة ما بعد الحرب، تبرز الحاجة إلى إعلام قادر على توثيق ما جرى، ليس فقط كأرشيفٍ للأحداث، بل كأساسٍ للعدالة الانتقالية. فبدون توثيق مهني للانتهاكات، تضيع الحقوق، وتُفتح الأبواب أمام روايات متضاربة قد تعيد إنتاج الصراع.

ولعل ما يعزّز الأمل ويرفع الثقة في قدرة صحيفة (ديسمبر)، وكل وسائل الإعلام المنحازة للشعب، على تجاوز التحديات، إعلان منظمة اليونسكو، في 30 أبريل الماضي، منح نقابة الصحفيين السودانيين جائزتها العالمية لحرية الصحافة، تقديرًا لدور الصحفيين السودانيين في نقل الحقيقة في ظروف بالغة الخطورة، وتوثيق انتهاكات الحرب الجسيمة، وإدانة استهداف المدنيين. تمثل هذه الجائزة، في جوهرها، تثمينًا للانحياز إلى القيم التي تضع الحقيقة فوق المصالح الضيقة، والسلام فوق استمرار العنف، والضحايا فوق الجناة. فالتحية لنقابة الصحفيين السودانيين، ولكل الأقلام والأصوات الحرة النزيهة.

ومن جانبٍ آخر ذي صلة، فإن استقلالية الصحافة في مرحلة ما بعد الحرب ستكون حجر الزاوية لأي تحول ديمقراطي حقيقي. فلا ديمقراطية بلا إعلام حر، ولا مساءلة بلا قدرة على كشف الفساد، وتتبع أداء السلطة، وطرح الأسئلة الصعبة. وهذا يتطلب إصلاحات قانونية تضمن حرية التعبير، وتمنع الاحتكار، وتوفر بيئة آمنة للعمل الصحفي.

وفي هذا الإطار، تقدم التجارب الإعلامية التي وُلدت من رحم الثورة، واستمرت رغم الحرب، دليلًا على قدرة الكلمة على الصمود في وجه العنف، وعلى أن حرية الصحافة ليست قضية مهنية فحسب، بل هي جزء من معركة أوسع من أجل بناء دولة عادلة تحترم حقوق مواطنيها، وتؤمن بتعدد أصواتهم. وهنا يكمن جوهر الدور المنتظر من صحافة ما بعد الحرب: ذاكرةٌ حيّة، وضميرٌ يقظ، وأفقٌ مفتوح لمستقبلٍ مختلف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *