بين التهديد والاتهام: صحفيون يواجهون حملات تشهير إلكتروني في ظل غياب الحماية القانونية

شيماء تاج السر، المحامية

قبل العيد بأسبوع جلست الصحفية أمل يحيى ساعات طويلة للتحقيق. لم تكن متهمة بارتكاب جريمة، ولم تُوجه إليها تهمة محددة، بل كانت ضحية بلاغ مجهول المصدر من شخص ادعى معرفته بطبيعة عملها. بعد ساعات من الاستجواب خرجت أمل دون تهمة وعادت إلى عملها الصحفي كأن شيئًا لم يحدث.

لكن ما حدث بعد أيام أكد حالة الترصد والتربص عند نشر اسمها وصورتها في قروب المجموعة المتخصصة جنوب الحزام على وسائل التواصل الاجتماعي، بل فاق عدد المجموعات التي تم فيها النشر الأربعين مجموعة بمنصات التواصل الاجتماعي متهمة بالتعاون مع تحالف (صمود). هذه التهمة غير المفهومة، لأن صمود ليست بجهة عسكرية، وليست جزءاً من النزاع الدائر في السودان. استخدام كلمة متعاونة لم تكن لتمرير إشاعة عابرة، بل حملة منظمة انطلقت في قروب متخصص سبق أن رفع معلومات عن الزميلة انتصار قبل أيام من اعتقالها، وهي لا تزال في السجن حتى الآن.

قصة أمل ليست مجرد حالة حصرية، بل نموذج لظاهرة خطيرة تشهدها الساحة الصحفية السودانية في ظل حرب مدمرة وغياب شبه كامل للحماية القانونية للصحفيين. 

 

اتهام بلا سند وجريمة بلا تعريف

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يُعتبر التعاون مع تحالف (صمود)، إن صح القول، جريمة؟ الإجابة القاطعة من منظور القانون الجنائي السوداني هي: لا. فتحالف (صمود) هو تحالف مدني ديمقراطي لقوى الثورة قدم رؤية لإنهاء الحرب في السودان، والانتماء إلى تيار سياسي أو التحالف معه ليس جريمة في أي قانون وطني يحترم حرية التعبير والتجمع. التهمة التي وجِّهت لعدد من الصحفيين والصحفيات ليست قائمة على أي نص قانوني، بل هي محاولة لتجريم الرأي والتخويف والترهيب.

الحقيقة المؤلمة التي يجب الوقوف عندها هي أن القوانين السودانية الحالية تشكل تهديدًا أكبر للصحفيين من أي تهمة غير قانونية، فالقوانين الوطنية لا تحمي الصحفيين بقدر ما تمنح السلطات أدوات لقمعهم وتجريم عملهم.

 

 قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009

هذا القانون، الذي ما يزال سارياً، يفرض قيودًا مشددة على حرية الصحافة. حيث تفرض المادة 2 منه قيودًا على النشر تتعلق بحماية الأمن القومي والنظام العام ما يمنح السلطات صلاحيات واسعة لتفسير أي انتقاد على أنه تهديد للأمن، كما يمنح القانون المجلس القومي للصحافة والمطبوعات صلاحية إغلاق المطبوعات الناقدة دون أمر قضائي.

 

 قانون جرائم المعلوماتية وتعديلاته الخطيرة

قانون 2020 لمكافحة جرائم المعلوماتية يحد بدوره من حرية الصحفيين، خاصة في ظل لجوء كثير منهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي لنشر أخبارهم وتحقيقاتهم.

وفي أكتوبر 2025 أجاز مجلس الوزراء تعديلات جديدة على قانون جرائم المعلوماتية تثير مخاوف واسعة في أوساط الصحفيين. شددت هذه التعديلات العقوبات، وأدخلت تعريفات موسعة للجريمة الإلكترونية، مع إلزام القاضي بتوقيع السجن والغرامة معًا، وتصل العقوبة في بعض الجرائم إلى سبع سنوات، وقد تمتد إلى عشر سنوات.

ما يثير القلق بشكل خاص هو أن هذه التعديلات منحت سلطات أوسع لجهات إنفاذ القانون، بما في ذلك التفتيش الإلكتروني وضبط الأجهزة والمحتوى الرقمي دون إذن قضائي مسبق، كما أن العبارات الفضفاضة في القانون مثل “هيبة الدولة” و”الأمن القومي” تُستخدم كذرائع لتكميم الأفواه وتجريم الصحفيين.

 

قانون الأمن الوطني لسنة 2010

يجرِّم هذا القانون نشر المعلومات الزائفة وأي محتوى يهدد السلم العام أو يُضعف هيبة الدولة. وفي بلد يعاني من حرب مدمرة تصبح هذه النصوص سلاحًا فعالًا ضد أي صوت ناقد أو مستقل.

 

الإطار الدولي لحماية الصحفيين: التزامات يتجاهلها السودان

يلتزم السودان، بصفته عضوًا في الأمم المتحدة، بالمبادئ الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 وتحديداً المادة 19 التي تنص بوضوح على “أن لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير”، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.

كما أن السودان سبق أن أعلن انضمامه للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) والذي يؤكد في مادته 19 نفس الحقوق المكرسة في الإعلان العالمي، مع التأكيد على أن القيود على حرية التعبير يجب أن تكون محددة بنصوص قانونية وضرورية لحماية حقوق الآخرين.

وينص القانون الدولي الإنساني عبر المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول (1977) بوضوح على أن الصحفيين الذين يقومون بمهام مهنية خطيرة في مناطق النزاعات المسلحة يُعتبرون مدنيين ويتمتعون بالحماية الممنوحة للمدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني، هذا يعني أن استهداف الصحفيين أو تهديدهم أو مضايقتهم بسبب عملهم يعد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي.

 

خطة عمل الأمم المتحدة بشأن سلامة الصحفيين (2012)

أطلقت الأمم المتحدة هذه الخطة كأول إستراتيجية عالمية لحماية الصحفيين ومكافحة الإفلات من العقاب. تدعو الخطة إلى نهج شامل يشمل الوقاية والحماية والمقاضاة، وتعتبر المفوضية السامية لحقوق الإنسان مكلفة بتعزيز وحماية حقوق الصحفيين، بما في ذلك الحق في حرية التعبير.

وتدعو الاتفاقية الدولية الخاصة بسلامة الصحفيين (الاتحاد الدولي للصحفيين) إلى حماية شاملة للصحفيين في أوقات السلم والنزاع، وتؤكد على حقهم في الحياة والسلامة البدنية والحماية من سوء المعاملة.

إضافة إلى ذلك، أقرت الأمم المتحدة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، والذي يصادف يوم 2 نوفمبر من كل عام لتذكير العالم بأنه في تسع من كل عشر حالات قتل للصحفيين يفلت الجناة من العقاب، هذا الإفلات من العقاب يشجع على المزيد من الانتهاكات.

 

الحماية القانونية المفقودة بين النص والممارسة

إذا كانت القوانين السودانية في بعض نصوصها تكرس حرية الصحافة فإن الممارسة الفعلية تكشف صورة مختلفة تمامًا.

حملات التشهير الإلكتروني أصبحت جزءًا لا يتجزأ من آليات القمع، وتقرير لجنة حماية الصحفيين يؤكد أن السودان لا يزال من أخطر الدول على الصحفيين عالمياً مع استمرار استخدام القوانين والإجراءات الأمنية كأدوات لترهيب الإعلام المستقل، وأن أكثر من 400 صحفي فروا من البلاد في أكبر عملية نزوح صحفي في تاريخ السودان.

 

من يمتلك الحق في توجيه الاتهام؟

في حالة أمل يحيى، صدرت الاتهامات من أشخاص مجهولين في مجموعة مغلقة على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الاتهامات لم تصدر عن جهة قضائية أو رسمية، ولا تستند إلى أي دليل ملموس. يمثل هذا النوع من الاتهامات انتهاكًا صارخًا لحق أمل في السمعة والكرامة، فضلًا عن أنه يهدد سلامتها الجسدية والنفسية.

صنفت منظمة مراسلون بلا حدود السودان في المرتبة 161 عالميًا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، وهي مرتبة متأخرة جدًا وتعكس واقعًا مريرًا.

ما تعرضت له أمل من تحقيق مطول دون تهمة، ومن حملة تشهير إلكتروني ليس مجرد حادثة فردية، بل هو اختبار لقدرة النظام القانوني السوداني على حماية الصحفيين، وهو اختبار يفشل فيه النظام في كل مرة. 

 

ما هو المطلوب على المستوى الوطني؟

– إلغاء القوانين المقيدة للحريات، خصوصًا قانون الصحافة والمطبوعات وقانون جرائم المعلوماتية.

– توفير الحماية القانونية الفعلية للصحفيين ومحاسبة المعتدين عليهم.

– الكشف عن مصير الزميلة انتصار وكل الصحفيين المعتقلين.

– التحقيق في حملات التشهير الإلكتروني المنظمة التي تستهدف الصحفيين.

 

واجبات المجتمع الدولي

– الضغط على السلطات السودانية للوفاء بالتزاماتها الدولية بحماية الصحفيين.

–  تفعيل آليات الرصد والمحاسبة لانتهاكات حرية الصحافة في السودان.

–  توفير الدعم القانوني والنفسي للصحفيين السودانيين المستهدفين.

 

أولويات نقابة الصحفيين السودانيين

– توثيق جميع حالات الانتهاك والتهديدات التي يتعرض لها الصحفيون.

– تقديم الدعم القانوني للصحفيين والصحفيات المستهدفين، ورفع دعاوى قضائية ضد منظمي حملات التشهير الإلكتروني.

 

عندما يُحتجز صحفي تخفت حكاية، وعندما يُحتجز صحفيان تتعرض الذاكرة للخطر، وعندما يُحتجز الصحفيون جميعهم يموت الوطن. فكرة واحدة تستحق الموت من أجلها: أن يعرف السودانيون حقيقة ما يحدث للسودان.

يبقى القول إن حرية الصحافة ليست رفاهية فكرية، بل هي الضمانة الحقيقية لوجود صحافة تستحق اسمها. فالصحفيون بحكم رسالتهم أحق الناس بحرية التعبير وإبداء الرأي، لأنهم الجسر الذي يربط الجماهير بالحقيقة، ومن دون هذه الحرية تتحول الصحافة إلى مجرد أداة لنقل البيانات، لا إلى سلطة رابعة تراقب وتكشف وتنقد. إن المجتمع الذي يخنق أصوات صحفييه هو مجتمع يحكم على نفسه بالجهل والتخلف، أما المجتمع الذي يقر بحقهم في أن يقولوا كلمتهم بكل أمانة ومسؤولية فهو وطن الحقيقة والتنمية. فلتظل الصحافة حرة، وليظل القلم شامخاً، لأننا لا نريد صحافة بلا رأي، ولا رأياً بلا حرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *