اغتصاب النازحات: جريمة ضد الإنسانية في ظل انهيار العدالة السودانية

طفلات وفتيات في عين العاصفة

شيماء تاج السر، المحامية

في ظل ظروف الحرب والنزوح التي يعيشها السودان منذ سنوات، تتصاعد وتيرة الجرائم الجنسية بحق النساء والفتيات بشكل مروِّع، حيث تُستغل هشاشة وضع النازحات وانهيار النظام القضائي لارتكاب انتهاكات صارخة يمكن تكييفها كجرائم ضد الإنسانية. حادثتا اغتصاب طفلة بالدبة وفتاة بسنار ليستا سوى مثالين على ظاهرة ممنهجة تتطلب تحركاً عاجلاً على المستويين الوطني والدولي.

 

جريمة الدبة: تفاصيل بشعة واستغلال للهشاشة

في العشرين من يناير 2026، شهدت محلية الدبة جريمة هزت الضمير الإنساني، حيث تم استدراج طفلتين أثناء عودتهما من مكان عمل والدتهما النازحة، تلا ذلك اختطافهما واغتصاب متعدد للطفلة الكبرى البالغة من العمر خمسة عشر عاماً. الجريمة لم تتوقف عند هذا الحد، بل تطورت إلى ابتزاز مادي حيث طالب الجناة بفدية مالية ضخمة اضطرت أسرة الضحيتين، رغم ظروفها القهرية، لدفعها من أجل استعادة ابنتيهما.

الأمر الذي يستحق الإدانة فعلاً هو تعامل السلطات المختصة مع القضية بتباطؤ وتسويف غير مبررَين، رغم قيام والدة الضحيتين بفتح بلاغ فوري. هذا التلكؤ يشكل إخلالاً جسيماً بواجبات أجهزة العدالة ويكرس لسياسات الإفلات من العقاب التي ساهمت في تفاقم العنف الجنسي خلال فترة النزاع.

 

قضية سنار: من الاغتصاب إلى التلاعب القضائي

قبل أيام قليلة أيضاً هزت قضية أخرى الرأي العام، حيث تم اغتصاب فتاة من مواليد 2005 في سنار بواسطة ثلاثة من الجناة. اللافت أن هذه الفتاة كانت قد نزحت بها والدتها من الخرطوم إلى سنار خوفاً من الاغتصابات، لتصبح ضحية نفس الجريمة التي هربت منها.

القضية شهدت “ظواهر غريبة” حسب رواية والدة الناجية، بدءاً من محاولات تلاعب في توجيه التهمة من الاغتصاب إلى الزنا خلال مرحلة التحري، مروراً بملاحقة أحد المستنفرين مع الجيش لأخذ مستند رسمي من حوزتها. المحكمة أصدرت حكماً مخفَّفاً بالسجن ثلاث سنوات مع الجلد مئة جلدة للمتهمين الثلاثة، وهو حكم لا يتناسب مع فظاعة الجريمة، مما دفع الأم إلى مناشدة المجتمع وخاصة المحامين للوقوف بجانبها في الاستئناف.

 

الإطار القانوني: بين النصوص الوطنية والالتزامات الدولية

  1. التشريعات السودانية

قانون الطفل السوداني لسنة 2010: يعتبر أحد أهم التشريعات الوطنية التي توفر حماية خاصة للأطفال. المادة 3 منه تحظر كافة أشكال العنف ضد الطفل، بينما تحدد المادة 49 عقوبات مشددة لكل من يعتدي على الطفل جنسياً. الجرائم الواردة في تقريرنا تشكل انتهاكاً صارخاً لهذا القانون الذي يفترض أن يوفر الحماية الكاملة للأطفال في كل الظروف.

القانون الجنائي السوداني لسنة 1991: ينص على عقوبات مشددة لجريمة الاغتصاب، خاصة عندما ترتكب بحق قاصر. المادة 149 تُجرم الاغتصاب وتعاقب عليه بالإعدام، أو السجن مدى الحياة إذا كان المصاب قاصراً أو إذا تعدَّد الجناة. وقد انطبق تعدد الجناة في حالة ضحية سنار. كما أن المادة 158 تعاقب على خطف الأشخاص، وهذه التهمة تنطبق بوضوح على حادثة الدبة حيث تم اختطاف الطفلات.

 

  1. الالتزامات الدولية

اتفاقية حقوق الطفل (1989): صادق السودان عليها في 1990، وتلزم الدول الأطراف بحماية الأطفال من جميع أشكال الاستغلال الجنسي والاعتداء الجنسي (المادة 34). كما تطلب اتخاذ جميع التدابير الملائمة لتأهيل الأطفال الضحايا (المادة 39).

الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاه الطفل (1990): صادق السودان عليه في 2005، وينص في المادة 27 منه على التزام الدول بحماية الطفل من جميع أشكال الاعتداء الجنسي.

اتفاقيات جنيف الأربع (1949) وبروتوكولاتها الإضافية: يحظر القانون الدولي الإنساني العنف الجنسي في النزاعات المسلحة، ويعتبر الاغتصاب جريمة حرب بموجب المادة 27 من الاتفاقية الرابعة، والمادة 76 من البروتوكول الإضافي الأول.

 

  1. الجرائم ضد الإنسانية

بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)، الذي يشكل جزءاً من العرف الدولي، يعتبر الاغتصاب جريمة ضد الإنسانية عندما يُرتكب كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجَّه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين (المادة 7). الوضع في السودان، حيث تتكرر جرائم الاغتصاب ضد النازحات في ولايات متباعدة، يشير إلى نمط منهجي يمكن أن يرقى إلى هذا المستوى من الجرائم.

 

انهيار النظام القضائي: بيئة خصبة للإفلات من العقاب

 

يشهد السودان حالياً انهياراً شبه كامل للنظام القضائي والعدلي نتيجة للحرب والفوضى السائدة. هذا الانهيار يتجلى في عدة جوانب:

– غياب الحماية للضحايا: النازحات يعشن في ظروف بالغة الهشاشة، بدون مأوى آمن أو حماية قانونية، مما يجعلهن هدفاً سهلاً للمعتدين.

– تسييس القضاء واستقلاليته المشوهة: أصبح النظام القضائي في كثير من المناطق أداة في يد القوى المسلحة، مما يقوِّض نزاهته واستقلاليته.

– ضعف القدرات التحقيقية: انهيار البنية التحتية والفساد المستشري أديا إلى عجز أجهزة التحقيق عن القيام بواجباتها بشكل فعال.

– التلاعب في الإجراءات: كما ظهر في قضية سنار، هناك محاولات منهجية لتخفيف التهم أو تحويلها من جرائم جسيمة إلى أخرى أقل خطورة.

 

نحو عدالة حقيقية

 

في ضوء هذه الانتهاكات الجسيمة، نقدم التوصيات العاجلة:

  1. على المستوى الوطني:

إصلاح النظام القضائي واستعادة استقلاليته ونزاهته.

إنشاء محاكم خاصة للنظر في جرائم العنف الجنسي المرتكبة أثناء النزاع.

تدريب القضاة والنيابة وأفراد الشرطة على التعامل مع قضايا العنف الجنسي بحساسية وفعالية. إنشاء مراكز متكاملة لتقديم الدعم النفسي والقانوني والصحي للناجيات.

تعديل القوانين لضمان ملاحقة جميع مرتكبي جرائم العنف الجنسي بغض النظر عن انتماءاتهم.

 

  1. على المستوى الدولي:

تدخل مجلس الأمن الدولي للضغط على الحكومة السودانية لتحمُّل مسؤولياتها في حماية المدنيين.

دعم منظمات المجتمع المدني المحلية التي توثق الانتهاكات وتقدم الدعم للناجيات.

فرض عقوبات فردية على القادة المسؤولين عن هذه الانتهاكات أو المتساهلين في محاسبة مرتكبيها.

دعم آليات العدالة الانتقالية التي تضمن محاسبة الجناة وتعويض الضحايا.

 

  1. دور المجتمع المدني والإعلام

يقع على عاتق المجتمع المدني والإعلام دور محوري في كسر حاجز الصمت المحيط بجرائم العنف الجنسي. التوثيق الدقيق، الدعم القانوني والنفسي للناجيات، الضغط على السلطات للمحاسبة، والتوعية المجتمعية بخطورة هذه الجرائم، كلها أدوات يمكن أن تساهم في مواجهة هذه الظاهرة.

 

 العدالة المتأخرة أفضل من الإفلات من العقاب

جرائم الاغتصاب بحق الطفلات والفتيات النازحات في السودان ليست حوادث منعزلة، بل نمط منهجي يستغل حالة الحرب والضعف المؤسسي لاستباحة أجساد الضحايا الأكثر هشاشة. التصدي لهذه الظاهرة يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وإصلاحاً جوهرياً للنظام القضائي، وضغطاً دولياً مستمراً، وتعاوناً وثيقاً مع منظمات المجتمع المدني.

العدالة المتأخرة في هذه القضايا أفضل من الإفلات من العقاب، لأنها ترسل رسالة واضحة أن الجرائم الجنسية لن تمر دون محاسبة، وتوفر بعضاً من الإنصاف للضحايا، وتساهم في بناء سلام حقيقي قائم على المساءلة والمحاسبة.

السودان أمام مفترق طرق؛ إما أن يستمر في دوامة العنف والإفلات من العقاب، أو يختار طريق العدالة والمحاسبة الذي يمهد لمستقبل أكثر استقراراً وإنصافاً للجميع، خاصة للنساء والفتيات اللواتي دفعن ثمناً باهظاً من كرامتهن وأجسادهن في صراعات لم يخترنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *