ماذا يُبقي الدكتاتور؟ وكيف يصير حتى مناصروه ضحايا له في خاتمة المطاف؟

دكتور محمد عبدالله

 

في المشاهد الأخيرة لسقوط أي دكتاتور، يتكرر المشهد نفسه وإن تبدلت الوجوه والأمكنة: أولئك الذين هتفوا له طويلاً، ودافعوا عنه، وظنوا أنهم جزء من دائرته المحصّنة، يصبحون فجأة أول من يبتلعهم النظام الذي خدموه. بعضهم يُزاح في صمت، وبعضهم يُقدَّم قرباناً متأخراً للغضب الشعبي، وآخرون يهربون مذعورين وهم يحاولون محو آثار قربهم من السلطة، كأنهم لم يكونوا يوماً جزءاً من صورتها.

وهنا يبرز السؤال الأهم: ما الذي يُبقي الدكتاتور أصلاً؟ ولماذا ينتهي الأمر غالباً بأن يتحول حتى أنصاره إلى ضحايا له؟.

الحكم المطلق لا يقوم على المحبة بقدر ما يقوم على الخوف والمصلحة. الدكتاتور لا يحتاج إلى رضا الناس جميعاً، بل إلى ضمان ولاء دائرة ضيقة تحرس بقاءه: قادة أمن، جنرالات، رجال أعمال، وشبكات نفوذ تعرف أن استمرار مصالحها مرهون باستمرار الرجل نفسه. وكلما ضاقت هذه الدائرة، صار النظام أكثر قسوة وأكثر هشاشة في الوقت ذاته.

في مثل هذه الأنظمة، لا يعود الفساد انحرافاً عن الدولة، بل يصبح جزءاً من طريقة عملها. الامتيازات تُمنح بوصفها مكافآت ولاء: هذا يحتكر تجارة، وذاك تُفتح له خزائن العقود، وثالث يُترك له مجال كامل يتصرف فيه بلا رقابة. تبدو السلطة، من الخارج، متماسكة وقوية، لكنها في الداخل تقوم على توازن دقيق من المصالح والخوف والشك.

ومع مرور الوقت، تبدأ الدائرة التي صنعت الحاكم في التحول إلى عبء عليه. رجل الأعمال الذي ازداد نفوذاً يصبح مصدر قلق، والجنرال الذي يملك السلاح يثير الريبة، والمسؤول القديم الذي يعرف الأسرار يتحول إلى خطر محتمل. وهكذا يبدأ النظام في التهام رجاله واحداً بعد آخر.

التاريخ السياسي مليء بهذه النهايات. كثير من الأنظمة الشمولية لم تسقط بفعل خصومها وحدهم، بل بفعل الخوف الذي دبّ داخلها. فالحاكم الذي اعتاد إقصاء الجميع، ينتهي به الأمر غير قادر على الثقة بأحد. وكلما طال بقاؤه، اتسعت دائرة الشك من حوله، حتى يصبح أقرب الناس إليه موضع ريبة دائمة.

ولعل هذا ما يفسر موجات “تصفية الرفاق” التي عرفتها أنظمة كثيرة في العالم. فالمستبد لا يخشى خصمه البعيد بقدر ما يخشى القريب الذي يعرف نقاط ضعفه. ولهذا يتحول الولاء، في الأنظمة المغلقة، إلى علاقة مؤقتة قابلة للانقلاب في أي لحظة.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بصراع داخل السلطة، بل أيضاً بطبيعة العلاقة بين الحاكم والمجتمع. فالاستبداد لا يكتفي بالسيطرة السياسية؛ إنه يسعى، بوعي أو بغريزة البقاء، إلى إضعاف المجتمع نفسه. الطبقة الوسطى المتعلمة، القادرة على طرح الأسئلة والتنظيم والمحاسبة، تبدو دائماً مصدر إزعاج للأنظمة الشمولية. لذلك لا تنزعج هذه الأنظمة كثيراً من اتساع الفقر أو تآكل الخدمات، لأن المواطن المنشغل بتأمين ضروراته اليومية أقل قدرة على الاعتراض وأكثر قابلية للإنهاك.

ومن هنا يمكن فهم المفارقة التي عاشتها دول كثيرة تملك موارد ضخمة، بينما يعيش مواطنوها على هامش الحياة الكريمة. فالمشكلة ليست دائماً في غياب الثروة، بل في طبيعة الأولويات السياسية. حين يصبح بقاء النظام هو الغاية الأولى، تتراجع كل الأهداف الأخرى: التنمية، والعدالة، والتعليم، وحتى فكرة الوطن نفسها.

لكن المفارقة الأكثر قسوة أن الدكتاتور، في نهاية المطاف، يصبح أسير النظام الذي صنعه. يعيش محاطاً بالحراس، لكنه لا يشعر بالأمان. يقرأ تقارير الولاء وهو يدرك أنها مكتوبة بدافع الخوف لا الإخلاص. ويعرف، في قرارة نفسه، أن الذين يصفقون له اليوم قد يكونون أول من يتخلون عنه عند أول اهتزاز.

ولهذا، حين يسقط الطغاة، لا يسقطون عادة في لحظة بطولية واحدة، بل بعد أن يتآكل النظام من داخله. تتفكك شبكة المصالح، ويتراجع الحلفاء، ويبدأ الجميع في البحث عن نجاة فردية. عندها يكتشف كثير من المقرّبين أنهم لم يكونوا شركاء حقيقيين في السلطة، بل أدوات مؤقتة في معركة طويلة عنوانها البقاء.

وربما كان هذا هو الدرس الأوضح في تجارب الاستبداد كلها: الأنظمة التي تُبنى على الخوف تُنتج خوفاً دائماً، والسلطة التي تقوم على الشك لا تعرف معنى الوفاء. وفي النهاية، لا ينجو أحد تماماً من آلة صنعت لتلتهم الجميع، بمن فيهم أولئك الذين ساعدوا في تشغيلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *