عروة الصادق
الحرب الجارية في السودان تجاوزت كونها معركة على المواقع العسكرية، أو مواجهة محصورة بين قوتين مسلحتين. لقد أضحت عملية إعادة تشكيل قسرية للمجتمع والدولة والوعي العام، فقد دخل السودان مرحلة يمكن وصفها بمرحلة “احتلال الوعي بالسلاح”، حيث تصير البندقية مصدر الشرعية، ومدخل الحماية، ومفتاح النفوذ، وطريق الثروة، وأداة تصنيف الناس بين وطني وخائن، آمن ومشتبه، تابع ومطرود من الفضاء العام. وفي هذه البيئة تتراجع السياسة، يختنق العمل الحزبي، تُحاصر النقابات، تُعطّل الجامعات، ويُدفَع المواطن من موقع الفاعل السياسي إلى موقع الكائن المرهق الباحث عن النجاة وسط النزوح والجوع والخوف وتهم “الوجوه الغريبة” و”المتعاونين”.
هذه الحرب لم تقُد لإضعاف الأحزاب وحدها، وإنما كشفت أخطر من ذلك: وجود مشروع منظَّم لطرد السياسة من المجتمع، وتجفيف منابع الفعل المدني، وتحويل المجال العام إلى ساحة تعبئة عسكرية وعقائدية. والسؤال الجوهري هنا لا يتعلق بتراجع الأحزاب فقط، وإنما بمن صنع البيئة التي تجعل الحزب عبئًا، والنقاش ترفًا، والاختلاف خيانة، والسلاح طريقًا مختصرًا إلى السلطة. هذه البيئة لم تنشأ عفويًا؛ إنها ثمرة مباشرة لتحالف أجهزة الحرب، وشبكات التنظيم المحلول، وتجار اقتصاد الدم، وجماعات الظل التي ترى في الديمقراطية تهديدًا وجوديًا لنفوذها التاريخي.
منذ سقوط نظام المخلوع عمر البشير، لم تغادر شبكات الإسلام السياسي الدولة تمامًا، وإنما أعادت التموضع داخل مفاصل الأمن، والإدارة، والمال، والإعلام، والتعبئة الدينية، واختراق القوى السياسية، ثم انتظرت اللحظة المناسبة للعودة من بوابة الفوضى. ومع اندلاع الحرب، وجدت هذه الشبكات فرصتها الذهبية: تحويل الهزيمة السياسية إلى تعبئة عسكرية، وتحويل فقدان الشرعية إلى خطاب إنقاذي، وتحويل خوف الناس إلى مادة خام لإعادة إنتاج السلطة. لذلك جرى الدفع نحو الاستنفار المفتوح، وتوسيع خطاب التخوين، وتجريم الحياد، ومحاصرة المدنيين، وتلويث المجال العام بخطاب يقوم على الكراهية، والاصطفاف، وتقديس القوة.
إن “كيان الظلام”؛ الجامع للحركة الإخوانية والتنظيم المحلول وواجهاتهما، يتحمل المسؤولية التاريخية عن هذا المسار، لأنه لم يتعامل مع الحرب بوصفها كارثة وطنية تستدعي وقف النزيف، وإنما تعامل معها بوصفها فرصة لاسترداد الدولة. لذلك نرى اليوم محاولات منظمة لتصفية الحياة السياسية عبر إنهاك الأحزاب، وتشويه القيادات المدنية، وتفكيك النقابات، وملاحقة الأصوات المستقلة، وتقديم العسكر بوصفهم قدر البلاد الوحيد. وهذا هو جوهر المشروع: صناعة مجتمع خائف، وسياسة مكسورة، وأحزاب مستنزفة، وما أسميه بالقيادات “المرخرخة”، ثم ملء الفراغ بسلطة أمنية عقائدية ترتدي زي الدولة.
لذلك لا يدير البرهان حربًا للبقاء والتمكين فقط، وإنما يقود عملية ترويض واسعة للبنية الاجتماعية والسياسية السودانية، وذلك عبر أجهزة الأمن والاستخبارات وشبكات المال والامتيازات، ويجري استدعاء القبائل، والبيوتات الكبيرة، والسجادات الدينية، والواجهات الحزبية، وإدخالها إلى سوق الولاءات تحت ضغط الحاجة، أو تهديد البلاغات الجنائية أو إغراء المنصب أو وعد الحماية. وهذه ليست مصالحة وطنية، إنها هندسة خضوع، وليست حوارًا سياسيًا، إنها عملية إنزال قسري للقوى الاجتماعية إلى معسكر سلطة متهالكة تبحث عن غطاء اجتماعي بعد أن فقدت مشروعها الأخلاقي والسياسي.
ما يحدث اليوم يعيد إنتاج دفتر المخلوع البشير في التسعينيات بحذافيره: شراء الولاءات، وصناعة الانقسامات، وتفتيت الأحزاب، واستقطاب الزعامات الأهلية، وتدجين القيادات الهجينة، واستخدام الدين في التعبئة، وتحويل المال العام إلى أداة إخضاع، وتوزيع المناصب لإنتاج طابور طويل من الواجهات التابعة.
وقد استخدم نظام البشير هذه الأساليب مع جماعات جنوبية، وحركات دارفورية، وأحزاب تاريخية، وزعامات محلية، وبلغ المشروع ذروته في اختراق حزب الأمة وتقسيمه عبر قيادة مبارك الفاضل ومجموعات مسار ونهار وعقيل والزهاوي والصادق الهادي، حتى تشظى الحزب إلى واجهات متعددة (إصلاح وتجديد، وأمة وطني، وأمة فدرالي، وأمة متحد، وأمة إسلامي..إلخ)، جميعها فقدت مركزها الوطني الجامع، وتحولت إلى شظايا سياسية داخل لعبة السلطة ركلها البشير فور استنفاد أغراضها.
تلك السياسة لم تنقذ البشير وإنما أغرقت السودان في الفساد والدموع والدماء، ومزقت المجتمع، وأضعفت الأحزاب، ووسعت الحروب، ومهدت لانفصال الجنوب، وفتحت الباب للتدخلات الدولية، ثم أسقطت الدولة في أخطر أزماتها. والبرهان اليوم يكرر المسار ذاته، محاطًا بالعقلية نفسها: عقلية ترى المجتمع خزّان ولاءات، والأحزاب فرائس قابلة للتقسيم، والقبائل أدوات اصطفاف، والطرق الدينية منصات شرعنة، والسلطة غنيمة تحتاج إلى حراسة بالسلاح والخوف. إلا أن الفارق في السياق الحالي أشد خطورة، لأن الدولة نفسها منهكة، والجيش مستنزف، والمجتمع ممزق، والتدخلات الإقليمية والدولية أعمق، واقتصاد الحرب صار أكثر تغولًا، وشبح تقسيم البلاد أكبر من سابقه.
الخطر الأكبر أن هذا التجريف السياسي لا يستهدف الأحزاب وحدها، وإنما يستهدف فكرة السودان المدني من أساسها. فكل حزب يُروّض، وكل زعيم أهلي يُشترى، وكل طريقة دينية تُستغل، وكل نقابي يُرهب، وكل صحفي يُخوّن، يساهم في بناء دولة ظل جديدة داخل الخراب، وحينئذ هذه الدولة لا تحتاج إلى دستور، لأنها تَحكُم بالخوف، ولا تحتاج إلى تفويض شعبي، لأنها تشتري الواجهات، ولا تحتاج إلى برنامج، لأنها تعيش على الحرب، ولا تحتاج إلى مؤسسات، لأنها تستبدلها بالشبكات المخادِمة للسلطة من النخب السياسية والأمنية والقبلية والاقتصادية “المرخرخة”.
لذلك فإن المعركة المقبلة لن تدور حول من يحكم الخرطوم أو بورتسودان فقط، وإنما حول طبيعة السودان نفسه: دولة مواطنة، أم دولة تعبئة؟ مجتمع سياسي، أم قطيع أمني؟ أحزاب ونقابات وجامعات، أم مليشيات وواجهات وسجلات ولاء؟ اقتصاد إنتاج، أم اقتصاد حرب؟ فضاء عام مفتوح، أم غرفة عمليات عقائدية تتحكم في الكلام والخوف والخبز والحركة؟ هذه الأسئلة هي قلب الأزمة، وكل تجاهل لها يعني إعادة إنتاج الكارثة بوجوه جديدة.
القوى المدنية مطالبة بالخروج من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة التاريخية، ولم يكن أو يعد كافيًا إصدار بيانات عامة ضد الحرب، ولا الاكتفاء بانتظار تسوية تأتي من الخارج. المطلوب مشروع تحرير وطني كامل: تحرير السياسة من فوهة البندقية، تحرير المجتمع من الابتزاز العقائدي، تحرير الأحزاب من الشيخوخة التنظيمية، تحرير النقابات من الاختراق، تحرير الإعلام من التخويف، وتحرير العقل السوداني من ثقافة الطاعة العسكرية والزعامة الوراثية والاصطفاف القبلي.
أي تسوية قادمة تبقي جماعات الظل ممسكة بالإعلام، والاقتصاد، والأمن، والتعبئة، والسلاح، ستنتج حربًا أخرى بوسائل مختلفة، وأي عملية سياسية تسمح بعودة التنظيم المحلول وواجهاته عبر الأبواب الخلفية ستمنح الخراب شرعية جديدة، وأي حزب يقبل دخول معسكر سلطة الحرب، مقابل منصب أو امتياز أو وعد بالحماية والتعويض الخاص له ولشركات أهله وأسرته، سيضع توقيعه على وثيقة تجريف السودان السياسي والاجتماعي.
السودان يحتاج اليوم إلى جبهة مدنية تاريخية تمتلك وضوحًا أخلاقيًا، وصرامة تنظيمية، وخطابًا جديدًا يخاطب النازح، والجائع، والمزارع، والعامل، والمرأة، والشاب، واللاجئ، والضحية، لا خطاب صالونات مغلقة، ولا بيانات نخبوية باردة، يحتاج إلى قوى سياسية تعترف بأخطائها، وتجدد قياداتها، وتفك ارتباطها بمراكز التمويل المشبوه، وتقدم مشروعًا عمليًا للعدالة، والخدمات، والحماية، والهوية، والحكم الفدرالي، وإعادة بناء الدولة وخلاص الوطن.
ختاماً: إن البرهان، بكيفه وحاله وفكره الماثل، لا يبني دولة، وإنما يحاول ترميم سلطة مريضة عبر الأدوات التي مزقت السودان سابقًا. والتنظيم المحلول وحركته وواجهاته لا يحمي الوطن، وإنما يحمي عودته من بوابة الحرب، وتجار الدم لا يريدون سلامًا، لأن السلام يفضح حساباتهم وشبكاتهم ومقابرهم السياسية، أما القوى التي تهبط إلى معسكر هذه السلطة العطنة، فهي لا تدخل صفقة سياسية، إنها تشارك في دفن ما تبقى من المجال المدني السوداني، وسيكونون أول ضحايا مخادمة البرهان، لأنه لا أمان ولا عهد ولا أخلاق له ولا حتى سمت سوداني.
إن السودان اليوم أمام لحظة فرز تاريخية: إما مقاومة مشروع التجريف السياسي بكل وضوح وشجاعة وتنظيم، أو قبول التحول إلى بلد تحكمه البنادق والواجهات والمال الحربي وجماعات الظل. ومن يظن أن شراء الأحزاب والقبائل والسجادات الدينية سيصنع استقرارًا، يكرر الوهم الذي صنع دولة البشير، ثم صنع انفصال الجنوب، ثم صنع الخرطوم المحترقة. هذه المرة، ثمن الوهم قد يكون السودان نفسه، لأن المصير لن يكون تقسيماً فقط، وإنما حروب أهلية وتشظٍّ لجغرافيا الوطن وتدخلات دولية.