صحراء إتباي: مقابر غامضة تكشف أسرار حضارة أقدم من أهرامات مصر

عواصم: (ديسمبر)

 

في اكتشاف يغير نظرة العالم لمنطقة شرق السودان، تبين أن صحراء “إتباي” لم تكن مجرد أرض قاحلة أو ممر بين حضارات كبرى. فقد كشفت دراسة جديدة عن وجود مئات المقابر الضخمة التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين قبل بناء أهرامات مصر.  وأطلق الباحثون على هذه الآثار اسم “مدافن إتباي المغلقة” وهي تكشف عن مجتمع رعاة الماشية القديم وأشكال الحياة في العصور ما قبل التاريخ. وقد استخدمت تقنية الاستشعار عن بعد ساعدت في الكشف عن تلك المواقع دون الحاجة إلى التنقيب التقليدي المكثف، ما أتاح توثيقها بشكل أكثر دقة وفاعلية. 

وتحت عنوان ” الصور الفضائية تكشف عن مقابر ضخمة في صحراء إتباي بالسودان”، نشرت مجلة ” أوروبا سيز” المتخصصة في 15 مايو الجاري نتائج هذا الاكتشاف وقالت إن الباحثين استخدموا صور الأقمار الصناعية لرسم خريطة تضم أكثر من 260 مدفناً دائرياً منتشرة بين نهر النيل والبحر الأحمر، قد تكون مرتبطة بالممارسات الطقسية أو بمواقع دفن جماعي، أو تجمعات مجتمعية وتظهر قدرة هذه المجتمعات على التنظيم والتخطيط المكاني.  ويصل قطر بعض هذه المدافن إلى 260 قدماً. وقد شيدت هذه المقابر جماعات من الرعاة المحليين في الألفية الرابعة والثالثة قبل الميلاد، مما يجعل هذا التقليد الدفني أقدم من الحضارة الفرعونية نفسها. ولكن هذه الحضارة لم تصمد، فقد تزامنت بداية ظهور هذه المدافن مع فترات مطيرة خضراء ثم انتهت مع جفاف المناخ وزيادة الضغوط البشرية على الغطاء النباتي. واليوم أصبحت صحراء إتباي جافة جداً لدرجة أنها لا تسمح برعي الماشية.

ونقل موقع (Greek reporter) ومجلة (مراجعة الآثار الأفريقية) نتائج هذا الاكتشاف وقالت إن ما يجعل هذا الاكتشاف مهماً هو أن هذه القبور لم تكن خاوية. ففي المواقع التي تم التنقيب فيها سابقاً عثر العلماء على رفات بشرية إلى جانب عظام الأبقار والغنم والماعز. وهذا يعني أن الإنسان القديم كان يُدفن مع قطعانه. بعض المدافن كانت تحتوي على قبور ثانوية مرتبة بعناية حول قبر رئيسي لزعيم أو شخصية مركزية في الجماعة.

وتشير النقوش الصخرية المنتشرة في المنطقة إلى أن الماشية لم تكن مجرد غذاء، بل كانت رمزاً للثروة والهوية الاجتماعية وحتى الطقوس الدينية. وقد بُني معظم هذه المدافن بالقرب من الأودية ومصادر المياه القديمة والآبار، مما يعكس ذكاء الرعاة في اختيار المواقع التي تصلح للسكن والرعي. وتتراوح أقطار هذه المعالم بين 5 و82 متراً، وتتخذ أشكالًا معمارية متنوعة. تُحيط بمعظمها جدران حجرية دائرية، بينما يحتوي بعضها على مدخل واحد.

وتركز الدراسات الحديثة على الاستكشاف الأثري لمنطقة شرق السودان، بما في ذلك إقليم كسلا والمناطق الواقعة بين نهري القاش وعطبرة كموقع أثري غني يعكس ثقافة رعي الماشية منذ 6000 عام، ونمط الحياة المجتمعي القديم في شرق السودان.

وخلاصة الدراسة التي نُشرت الأسبوع الماضي أن هذه المنطقة التي كانت تعتبر هامشية طوال التاريخ تثبت اليوم أنها كانت موطناً لثقافة رعوية خاصة ومتقدمة. وهذا الاكتشاف يفتح الباب أمام إعادة قراءة تاريخ شرق السودان كجزء أصيل في تشكيل التراث الإنساني، وليس مجرد ظل للحضارات المجاورة، كما كان شائعاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *