لـ(ديسمبر كلمة) العدالة طريقنا نحو السلام

 

جاء في الأخبار أن مجلس الأمن والدفاع، في اجتماعه بتاريخ 19 مايو 2026، وجّه بوضع الضوابط للخلايا الأمنية في المحليات، والعمل على تعريف المتعاونين مع الدعم السريع.

ومن الواضح أن المجلس قد اضطُرَّ لإصدار هذا التوجيه بعد تواتر التقارير المحلية والدولية التي توثِّق للانتهاكات التي ترتكبها الخلايا الأمنية في المحليات، والتي تهيمن عليها مليشيات الحركة الإسلامية بالكامل.

كما أن التوجيه جاء نتيجة مباشرة لحملة الانتقادات الواسعة للاحتفاء المبالغ فيه بانشقاق عدد من القيادات العسكرية لقوات الدعم السريع وانضمامهم للقوات المسلحة، ومنحهم الرتب العسكرية الرفيعة والامتيازات المالية وفتح الأجهزة الإعلامية لهم، والتغاضي بالكامل عمّا ارتكبه هؤلاء من جرائم وانتهاكات في حق المواطن.

ويعيد هذا التوجيه تسليط الضوء على أهمية قضية العدالة وعدم الإفلات من العقاب. العدالة التي كانت أحد شعارات ثورة ديسمبر المجيدة، والتي قدم السودانيين أرواحهم سعياً لتحقيقها. كما أن ظاهرة الإفلات من العقاب تظل أحد الأسباب الرئيسية لتواتر أزمات الدولة السودانية منذ الاستقلال.

الانتهاكات التي ارتكبتها الخلايا الأمنية يجب أن تخضع للتحقيق، وأن تتم محاسبة مرتكبيها. والقادة العسكريون من طرفي الحرب والتشكيلات والمليشيات المتحالفة معهم يجب أن يخضعوا للمساءلة، خصوصاً أن الجرائم التي ارتكبت هي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، والتي حتى لو تغاضت عنها السلطات السودانية تظل موضع مساءلة بالقانون الدولي ولا تسقط بالتقادم.

وليس من حق أي طرف عسكري أو سياسي أن يصدر قرارات بالعفو عن الجرائم وأن يصمم حصانات لمنع المساءلة. فالعدالة يجب أن تأخذ مجراها، ويجب أن يبدأ ذلك بمراجعة الأحكام التي صدرت في حق مواطنين بتهم تتعلق “بالتعاون مع الدعم السريع”، خصوصاً أنهم قد وجدوا أنفسهم في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع ولم يترك لهم الخيار.

تحقيق العدالة في الفترة الراهنة يواجه العديد من التحديات، وفي مقدمتها استمرار الانتهاكات والجرائم، الأمر الذي يجعل أي خطوات لإصدار العفو أو تجاوز الجرائم تشجيعاً على استمرارها.

كما أن البلاد تعاني من ضعف المؤسسات العدلية في ظل انهيار النظام القضائي، ووضع السلطات في بورتسودان ونيالا أيديها بالكامل على عمل النيابة العامة والقضاء وغياب سيادة حكم القانون.

لذا فإن تحقيق العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب يتطلبان وقف إطلاق النار كأولوية قصوى، وتوفير الحماية للمدنيين، وضمان وصول المساعدات، الأمر الذي سيسمح بمواصلة توثيق الانتهاكات وتقديم الدعم للمنظمات المحلية العاملة في مجال حقوق الإنسان لإنجاز هذه المهمة. يضاف إلى ذلك ضرورة إصلاح المؤسسات العدلية المحلية، وتوفير الإمكانيات المادية والبشرية لها لتكون قادرة على أداء مهامها بمهنية واستقلالية كاملة.

حينها يمكن طرح العدالة الانتقالية كإحدى بوابات عدم الإفلات من العقاب والمصالحة الوطنية، عبر إنشاء لجان تحقيق مستقلة تتولى التحقيق في الجرائم والانتهاكات وتصنيف القضايا ما بين تلك التي ستقدم للعدالة الجنائية للنظر في تلك التي لا تسقط بالتقادم والتي يجرمها القانون الدولي وبالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، 

وما بين القضايا التي ستخضع لمقتضيات العدالة الانتقالية وبجميع شروطها من كشف للانتهاكات وتوثيقها وتقديم المجرمين للعدالة للاعتراف بالجرائم وتقديم التفاصيل وطلب العفو من الضحايا، في مقابل عدم تنفيذ العقوبات التي تصدر في حقهم.

ومن المهم أن تأتي العدالة الانتقالية في إطار برنامج شامل للمصالحة الوطنية، يسبقه حوار وطني شامل حول قضايا العدالة والعدالة الانتقالية، بحيث يتم الوصول إلى التوازن الدقيق ما بين العدالة والسلام، المساءلة والمصالحة والاحتياجات المحلية والمعايير الدولية.

لا للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *